مقالات الرأي

بشرتنا ليست عيباً… بل راية هوية

بقلم: الغالي ابراهيم سليمان ( إنكيتو)

في وطنٍ أنهكته الحروب والتشظي، ما زال جسد المرأة السودانية ساحةً أخرى للصراع. ليس بالسلاح فقط ، بل بكريمٍ في علبة صغيرة يُباع باسم “الجمال، ويُستخدم في الحقيقة كأداة لفرض معيارٍ واحدٍ ولونٍ واحدٍ وهويةٍ واحدة.
كيف وصلنا إلى مرحلةٍ تشعر فيها المرأة السودانية اللطيفةأن بشرتها الطبيعية تحتاج إلى تصحيح؟
من الذي أقنع السوداء بأن عليها أن تتخفف من لونها كي تكون جازبة،كي تكون مقبولة في وسط المجتمع؟
لسنواتٍ طويلة، صاغ الإعلام الرسمي والخاص صورةً نمطيةً للجمال بأن الوجه الفاتح، ملامح مصقولة بمعيارٍ مستورد، ورسائل مبطّنة تقول إن القبول الاجتماعي يبدأ من درجة اللون،وتكرّست هذه الثقافة عبر الشاشات والمناهج والإعلانات، حتى تسللت إلى وعي البنات الصغيرات، فكبر بعضهن وهنّ يحملن سؤالاً موجعاً:
“هل لوني أقل جمالاً؟”
أي ظلمٍ أكبر من أن يُزرع الشك في إبداع خلق الله؟
السواد في بشرتنا ليس ظلاً أو نقصاً ، بل تاريخ وهوية.
هو لون الأرض بعد المطر يا من جمالها، ولون الوجوه التي صمدت سبعين عاماً في وجه القهر ولم تنحنِ.
إن استخدام كريمات تفتيح البشرة ليس فعلاً تجميلياً بريئاً في كثير من الحالات؛ إنه انعكاسٌ لضغطٍ اجتماعي عنيف، وسوقٍ تجاريٍ يستثمر في هشاشة الثقة بالنفس.
والكارثة أن الثمن لا يُدفع معنوياً فقط، بل صحياً أيضاً.
كثير من هذه المنتجات تحتوي على مواد خطيرة مثل الزئبق والكورتيزون، تؤدي إلى تلف الجلد، واضطرابات هرمونية، وأمراض مزمنة قد لا تظهر إلا بعد سنوات.
فأي منطقٍ يقبل أن نُخاطر بصحتنا من أجل وهمٍ صنعته جماعات صفوية؟
إن معركتنا ليست ضد امرأةٍ اختارت التفتيح، بل ضد المنظومة التي جعلتها تشعر أن عليها أن تغيّر نفسها كي تُحَب.
نحن لا نهاجم الأفراد، بل نُدين الخطاب الذي رسّخ أن الجمال لونٌ واحد، وأن القبول مشروطٌ بالتشبه بغيرنا.
المرأة السودانية التي خرجت تهتف للحرية، والتي واجهت الرصاص بصدورٍ عارية، ليست بحاجةٍ إلى تغيير لونها لتثبت قيمتها.
قيمتها في وعيها، في قوتها، في تاريخها، في ملامحها كما هي.
آن الأوان أن نكسر هذا القيد الناعم ونعلن بوضوح:
لسنا بحاجةٍ إلى تفتيح بشرتنا كي نكون جميلات.
لسنا بحاجةٍ إلى مسح هويتنا كي نحصل على اعتراف.
فلنحتفِ بتنوعنا، ولنربِّ بناتنا على أن بشرتهن نعمة لا عبء، وأن اختلاف الألوان قوة وإعتزاز لا عيب ،ولنقل بصوتٍ عالٍ:
بشرتنا ليست خطأً تاريخياً… بل شهادة انتماءٍ لهذه الأرض.
#جمالنا_في_طبيعتنا

#ثقة_ثورة_وعي

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x