بعد تصريحات مسعد بولس… هل دخلت الحرب السودانية مرحلة الحسم السياسي؟

د.كمال عبدالعزيز
أثارت تصريحات كبير مستشاري البيت الأبيض للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، والتي أشار فيها إلى أن مجلس السيادة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان يمثل العقبة الرئيسية أمام جهود وقف الحرب، نقاشاً واسعاً حول مستقبل الأزمة السودانية. وإذا كانت هذه التصريحات تعكس توجهاً داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، فإنها قد تشكل مؤشراً على تحول في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة، وانتقاله من مرحلة الدعوات العامة لوقف إطلاق النار إلى مرحلة تحديد الأطراف التي يُنظر إليها على أنها تعرقل الوصول إلى السلام.
إن أخطر ما في الحرب السودانية ليس استمرار العمليات العسكرية فحسب، بل استمرار غياب الإرادة السياسية لإنهائها، بينما يدفع الشعب السوداني وحده ثمن هذا الصراع من أرواحه ومستقبله ومؤسسات دولته. وفي هذا السياق، يرى كثير من المراقبين أن واحدة من أبرز العقبات أمام إنهاء الحرب تتمثل في استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وما يترتب على ذلك من تأثير في القرار السيادي. ويذهب هذا التحليل إلى أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يُظهر حتى الآن استعداداً للتحرر من هذا النفوذ، رغم الكلفة الإنسانية الكارثية للحرب، ورغم المطالبات المتكررة من القوى الوطنية والمجتمعين الإقليمي والدولي بضرورة وقف القتال وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة.
وإذا كانت تصريحات مسعد بولس تعكس بالفعل هذا الفهم، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعداً في الضغوط السياسية والدبلوماسية على الأطراف التي يُنظر إليها باعتبارها تعيق مسار السلام، سواء عبر العقوبات، أو العزلة السياسية، أو ربط أي انفتاح دولي بخطوات عملية نحو وقف الحرب واستعادة المسار المدني. أما داخلياً، فإن المسؤولية التاريخية تقع على عاتق القوى السياسية الثورية والمدنية لتوحيد صفوفها حول مشروع وطني واضح، يرفض أنصاف الحلول، ويعمل على استثمار كل الفرص الممكنة، نظرياً وعملياً، لإنهاء الحرب واستعادة الدولة. كما أن هذه القوى مطالبة بعدم الوقوع في خطأ إعادة إنتاج الأزمة من خلال التعاطف السياسي مع الحركة الإسلامية أو تمكينها من العودة إلى واجهة المشهد دون مراجعة ومساءلة، لأن مثل هذا المسار، في نظر كثيرين، يمثل استفزازاً لضحايا الحرب، وتراجعاً عن أهداف ثورة ديسمبر، وتفريطاً في مطلب التغيير الجذري الذي خرج من أجله ملايين السودانيين.
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى تسوية تعيد إنتاج الماضي، بل إلى مشروع وطني يؤسس لمستقبل جديد، يحرر الدولة من الفوضى، ويعيد بناء مؤسساتها على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والعدالة الانتقالية، واحترام التنوع، بحيث تكون الدولة ملكاً لجميع السودانيين، لا أداةً في يد أي تنظيم أو جماعة. لقد أثبتت سنوات الحرب أن تأجيل الحلول الجذرية لا يؤدي إلا إلى إنتاج دورات جديدة من الصراع. ولذلك فإن بناء السلام الحقيقي يبدأ بتحرير القرار الوطني من أي هيمنة تنظيمية، وتوحيد الإرادة المدنية، واستكمال أهداف الثورة في إقامة دولة ديمقراطية حديثة، تطوي صفحات الماضي، وتفتح أمام السودان فجرًا جديدًا، عنوانه السلام، والحرية، والعدالة، ودولة المواطنة التي تكون فيها السيادة للقانون وحده.
27 يونيو 2026م

