بين إبداع النظرية ورهانات التطبيق: جدلية المنظر السياسي والممارس السياسي

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
عبر مسار الحضارة الإنسانية، ظل السؤال حول طبيعة العلاقة بين الفكر والفعل السياسي سؤالًا مركزيًا، لكنه في السودان لم يكن يومًا سؤالًا أكاديميًا هامشيًا، بل كان سؤال وجود يمسّ صميم تكوّين الدولة والمجتمع. فمنذ أن بدأ الإنسان ينظم حياته في جماعات، برزت حاجة ملحة إلى فئتين: فئة تنتج الأفكار والمبادئ التي تضبط السلوك وتؤطر الجماعة، وفئة تتولى ترجمة تلك الأفكار إلى قرارات نافذة وإجراءات واقعية. غير أن هذه الثنائية – النظرية والتطبيق، المنظر والممارس – لم تكن يومًا علاقة هادئة أو تكاملية خالصة في أي مكان من العالم، لكنها في السودان تحوّلت إلى فجوة مدمّرة، جعلت البلاد تعيش حالة من الانفصام بين نخب تنتج أفكارًا لا تُنفّذ، وسلطات تنفّذ قرارات لا تستند إلى رؤية.
إن أعمق أزمة يعاني منها السودان اليوم، في خضم حروبه الأهلية المتجددة وانقساماته السياسية العميقة، هي أزمة انفصال بين النخبة النظرية والنخبة الممارسة. ففي الوقت الذي تزخر فيه البلاد بعقول كبيرة، وأساتذة جامعات، ومفكرين، وقادة رأي، نجد أن هذه الطاقات الفكرية نادرًا ما تلامس واقع القرار، بينما يمارس السياسة من جهة أخرى رجال سلطة غالبًا ما تكون مرجعياتهم نظرية هزيلة، أو غائبة تمامًا، مما يجعل القرارات السياسية السودانية عبر تاريخها الطويل أشبه بردود أفعال لحظية أكثر منها استراتيجيات محسوبة.
لنفهم هذه المعضلة السودانية بعمق، علينا أن نعود إلى جذورها التاريخية. السودان الحديث، منذ عهد التركية (1821م) وحتى اليوم، تشكّل تحت وطأة تجارب متعاقبة من الحكم الاستبدادي المركزي. في العهد التركي، كانت السلطة عسكرية مركزية، لا تعترف بأي نخبة فكرية محلية، وكانت المرجعية النظرية للحكم تأتي من الباب العالي في إسطنبول، وليس من أرض السودان. هذا الخَلل التأسيسي خلق نمطًا من الممارسة السياسية لا يستند إلى نظريات محلية تنبع من خصوصية المجتمع السوداني، بل إلى تعليمات قادمة من خارج الحدود. وعندما جاءت الدولة المهدية (1885م-1898م)، كان الإمام محمد أحمد المهدي نفسه نموذجًا فريدًا لمنظّر وممارس في آن واحد: فقد كان صاحب رؤية دينية وسياسية متكاملة، وقائدًا عسكريًا وإداريًا في الوقت نفسه. لكن هذه التجربة الفريدة لم تدم طويلًا، وسرعان ما تحوّلت بعد وفاته إلى صراع على السلطة بين ورثة الفكر والممارسة، وانتهت بسقوط الدولة على يد الاحتلال البريطاني.
أما الحكم الثنائي (1898م-1956م)، فقد عمّق هذه الفجوة بشكل منهجي. الاستعمار البريطاني، بسياسة “الحكم غير المباشر” (Indirect Rule)، عمل على فصل التعليم عن السياسة، وتدريب نخبة إدارية متخصصة لكنها منفصلة عن النخبة الفكرية التقليدية. كانت المدارس التي أنشأها الاستعمار مثل كلية غوردون التذكارية (جامعة الخرطوم لاحقًا) تخرّج موظفين أكفاء، لكنها لم تخرّج مفكرين ناقدين يمتلكون مشروعًا وطنيًا بديلًا. وعندما جاء الاستقلال عام 1956م، تسلّم السودان نخبة سياسية تدربت على إدارة الشؤون الإدارية، لكنها لم تكن نخبة نظرية تمتلك مشروعًا متكاملًا للدولة والمجتمع. الأحزاب السياسية التقليدية التي قادت الاستقلال – الأمة والاتحادي – كانت أقرب إلى تنظيمات قبلية أو طائفية منها إلى أحزاب ذات برامج نظرية واضحة. كانت مرجعيتها الأساسية هي الولاء للزعيم الديني أو القبلي، وليس لبرنامج سياسي متكامل. وهنا يكمن الخلل السوداني الأصيل: فقهاء الشريعة والمفكرون كانوا في المساجد والجامعات، والقبائل كانت في الريف، والسياسيين كانوا في العاصمة يتنافسون على المناصب، ولم يحدث أبدًا أن اجتمع الثلاثة في مشروع وطني واحد.
هذا الانفصال أصاب السودان بلعنة التبديد المستمر للفرص. ففي لحظات التحول الكبرى، مثل ثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بالحكم العسكري، كانت النخبة الفكرية السودانية في أوج عطائها: طلاب الجامعات، الأساتذة، النقابات المهنية، كلهم خرجوا إلى الشارع بإيديولوجيات واضحة ورؤى متعددة للدولة المدنية الديمقراطية. لكن هؤلاء المنظرين، وبمجرد الإطاحة بالحكم العسكري، تنازعوا فيما بينهم على التفاصيل النظرية والأيديولوجية، وانشغلوا بالصراعات الفكرية والخلافات الحزبية، ولم يستطيعوا تشكيل كتلة سياسية عملية قادرة على الحكم. فجاءت “حكومة أكتوبر” ضعيفة، متنازعة داخليًا، وسرعان ما انهارت تحت وطأة صراعها مع القوى التقليدية التي كانت تمتلك الممارسة السياسية والخبرة الإدارية لكنها تفتقر إلى الرؤية النظرية. النتيجة كانت أن العسكر عادوا إلى السلطة عبر انقلاب مايو 1969م، ليبدأ فصل جديد من فصول هذه الجدلية.
جاء جعفر نميري، وهو ممارس عسكري بامتياز، لكنه حاول أن يكون منظّرًا أيضًا. في بدايات حكمه، استعان بنخبة من المفكرين اليساريين والبعثيين ليصنعوا له مشروعًا نظريًا: “الثورة الاشتراكية” و”المنهج الاشتراكي”. لكن سرعان ما اصطدمت النخبة النظرية (التي كانت تريد تغييرًا جذريًا في بنية المجتمع والاقتصاد) مع الممارس العسكري (الذي كان يريد سلطة مطلقة لا تحدها أيديولوجيات). الصراع انتهى بمذبحة “الرجال الحمر” في يوليو 1971م، حيث قُتل أو سُجن كوادر التنظيم الاشتراكي التي كانت تمثل العقل النظري للنظام. ومنذ تلك اللحظة، حكم نميري وحده، بلا نظرية، بلا مشروع فكري، متقلبًا بين الاشتراكية والانفتاح على الغرب ثم تطبيق الشريعة الإسلامية في آخر أيامه. هذه التقلبات لم تكن نابعة من رؤية نظرية متكاملة، بل من دهاء ممارس يحاول البقاء في السلطة بأي ثمن. السودان دفع ثمنًا باهظًا لهذا الانفصال: تمزق النسيج الاجتماعي، وانهيار الاقتصاد، واندلاع الحرب الأهلية من جديد.
الفجوة تعمقت أكثر في عهد الإنقاذ (1989م-2019م). من ناحية، جاءت الحركة الإسلامية السودانية – التي أعدت نفسها لعقود – بأقوى مشروع نظري شهدته البلاد منذ الاستقلال. كان لديها أدبيات، ونظريات، وتنظيم محكم، وفلسفة سياسية واضحة مستمدة من مرجعية إسلامية حداثية. لكن المشكلة أن هذه النخبة النظرية، حالما استولت على السلطة عبر الانقلاب العسكري، تحولت إلى أسوأ نموذج للممارس المتعالي المتغطرس. فهي لم تدمج المجتمع في مشروعها، ولم تصنع تحالفات حقيقية مع القوى الأخرى، بل استبعدت الجميع، وأدارت الدولة بعقلية التنظيم السري وليس بعقلية الدولة الجامعة. النتيجة أن مشروعها النظري، مهما كان متكاملًا في الكتب والمؤلفات، انهار في الممارسة بسبب عدم قدرتها على إدارة التعددية والتعامل مع تعقيدات المجتمع السوداني. فالممارس هنا، رغم امتلاكه خلفية نظرية، افتقر إلى الحكمة العملية (Phronesis) التي تمكنه من ترجمة النظرية إلى واقع دون تدمير النسيج الاجتماعي.
في المقابل، ظلت قوى المعارضة السودانية لثلاثين عامًا تعاني من الفجوة نفسها، لكن من الزاوية المعاكسة. المعارضة كانت غزيرة الإنتاج النظري: خطابات، وثائق، رؤى، برامج انتخابية بديلة، كلها كُتبت ونُقشت في الندوات والمؤتمرات. لكن هذه القوى، بمجرد أن أتيحت لها الفرصة لتكون ممارسة في لحظة سقوط النظام في 2019م، انكشفت هشاشتها العملية. ثورة ديسمبر المجيدة خرجت من رحم الشارع، من تلقاء ذاتها، بدون قيادة نظرية مسبقة، وبدون حزب أو تنمظي. كانت ثورة “لا نظرية” بامتياز، تعبر عن غضب تراكمي وليس عن مشروع سياسي واضح. وعندما تشكلت قوى “تقدم” (تحالف قوى الحرية والتغيير) لإدارة المرحلة الانتقالية، وجدت نفسها أمام مأزق كبير: نخب نظرية (من أحزاب وتجمعات) اعتادت على النقد والإصدارات، تجلس فجأة على كرسي القرار، وتواجه مسؤولية إدارة دولة منهكة، وعسكر متربصين، وأزمات اقتصادية خانقة، ومجتمع متعدد متصارع. هنا انهارت أغلب هذه النخب في الامتحان العملي، لأنها لم تكن مستعدة للمساومة، لم تكن مستعدة لتحمل المسؤولية الكاملة، ولم تكن تمتلك الحد الأدنى من الحس البراغماتي الضروري للممارسة السياسية. انشغلت بالصراعات الداخلية على التفاصيل النظرية والإيديولوجية، بينما انقض عليها العسكر مرة أخرى في انقلاب 25 أكتوبر 2021م.
هذا الانقلاب الأخير، والحرب المدمرة التي اندلعت في 15 أبريل 2023م بين الجيش وقوات الدعم السريع، هي الذروة المأساوية لهذه الجدلية السودانية. فاليوم، السودان يعيش أسوأ أزمة في تاريخه، ليس فقط لأن السلاح تفجر، بل لأن البلاد خلت تمامًا من أي مشروع نظري جامع، وفي الوقت نفسه انعدمت فيها الممارسة السياسية الرشيدة. المنظرين السودانيين اليوم منقسمون إلى معسكرات افتراضية، ينتجون خطابات نارية على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم عاجزون عن التأثير في مسار الحرب أو قيادة عملية سلام حقيقية. أما الممارسون – أمراء الحرب وزعماء الميليشيات والساسة التقليديين – فقد انحدرت ممارستهم إلى مجرد صراع على البقاء والغنيمة، دون أي سند نظري يبرر وجودهم أو يحدد مستقبل البلاد.
إذا أردنا أن نبحث عن حلول ممكنة لهذه المعضلة السودانية، فإن الحل لا يمكن أن يأتي من خارج هذه الجدلية، بل من داخلها، عبر هندسة علاقة جديدة بين المنظر والممارس تنهي حالة الانفصال المزمنة. الحل يبدأ أولًا بإعادة تعريف من يكون المنظر السوداني اليوم. لم يعد المنظر هو الأستاذ الجامعي فقط، ولا الفقيه الديني فقط، ولا قائد الحزب فقط. المنظر اليوم يجب أن يكون كل من يمتلك مشروعًا وطنيًا واضحًا، قائمًا على قراءة عميقة للخصوصية السودانية (تعددها العرقي والديني والثقافي، تاريخها الطويل من المركزية والهامش، طبيعة اقتصادها الريعي)، وقادرًا على ترجمة هذه القراءة إلى رؤية قابلة للتطبيق. هذا يتطلب من النخبة الفكرية أن تنزل من برجها العاجي، وتتخلى عن عقدة التفوق الأكاديمي، وتتعلم لغة السياسة العملية: لغة التحالفات، لغة المساومة على التفاصيل من أجل الأهداف الكبرى، لغة إدارة التعددية والتعايش مع الخصوم.
في المقابل، الممارس السياسي السوداني – سواء كان عسكريًا أو مدنيًا – يحتاج إلى أن يعيد النظر في مفهومه للسلطة. السلطة في السودان ظلت طوال تاريخها “غنيمة” تُنهب، وليست “أمانة” تُدار. هذا المفهوم يجب أن يتغير جذريًا. الممارسة السياسية الناجحة في السودان تحتاج إلى ممارسين يدركون أن الحكم لا يمكن أن يكون بمعزل عن مشروع وطني نظري متكامل. القائد العسكري الذي لا يقرأ التاريخ، والوزير الذي لا يملك رؤية اقتصادية، والزعيم الحزبي الذي لا يعرف شيئًا عن تعقيدات المجتمع السوداني، كل هؤلاء مقبلون على فشل محقق، وسيظلون يديرون الأزمات بدل أن يحلّوها.
أما على المستوى المؤسسي، فإن الحل يكمن في إنشاء جسور دائمة بين عالم النظرية وعالم الممارسة. في السودان، للأسف، العلاقة بين الجامعة والسلطة كانت دائمًا علاقة قطيعة. الجامعات السودانية – التي كانت منارة للفكر في القرن العشرين – أصبحت اليوم معزولة عن مراكز القرار، وقواميسها الأكاديمية لا تلتقي مع قواميس السياسيين. هناك حاجة ماسة إلى إنشاء مراكز أبحاث واستشارات وطنية، تجمع كبار المفكرين والأكاديميين مع صناع القرار في ورش عمل دائمة، ليس بهدف التجميل أو الاستهلاك الإعلامي، بل بهدف بناء سياسات عامة تستند إلى أدلة ومعرفة. التجارب العالمية الناجحة، من سنغافورة إلى فنلندا، أثبتت أن الدول التي نجحت هي تلك التي جعلت المعرفة في قلب صناعة القرار، وجعلت الخبراء الأكاديميين شركاء في الحكم وليس مجرد ناقدين من الخارج.
لكن الحل الأعمق والأهم هو في إعادة تكوين النخبة السياسية السودانية ذاتيًا. السودان يحتاج إلى جيل جديد من السياسيين – منظرين ممارسين، أو ممارسين منظرين – يتجاوزون الانقسام التقليدي. هذا الجيل يحتاج إلى أن يتشكل في “مدارس عملية” للسياسة، لا في قاعات الجامعات فقط. يجب أن يكون هناك برامج لتأهيل الكوادر السياسية تجمع بين العلوم السياسية والفلسفة والاقتصاد من جهة، والتدريب العملي في إدارة المؤسسات وفض النزاعات والتفاوض من جهة أخرى. الأحزاب السياسية السودانية – التي ظلت لسنوات طويلة أقرب إلى تنظيمات قبلية أو طائفية – تحتاج إلى أن تتحول إلى أحزاب برامجية حديثة، تمتلك مرجعيات نظرية واضحة، وفي نفس الوقت تدرك أن الممارسة السياسية هي فن الممكن، وليست تكريسًا للكمال النظري.
لا يمكن أن نغفل في هذا السياق دور الإعلام والخطاب العام. الإعلام السوداني – سواء التقليدي أو الجديد – يساهم بشكل كبير في تعميق الفجوة بين المنظر والممارس. فمن ناحية، هناك إعلام يقدس “النظرية” ويعتبر أي تنازل أو براغماتية خيانة للمبادئ، مما يدفع السياسيين إلى التصلب والتعنت خوفًا من اتهامهم بالانتهازية. ومن ناحية أخرى، هناك إعلام يهاجم “المفكرين” ويتهمهم بالعقم والانعزال، مما يخلق مناخًا من العداء بين النخبة الفكرية والمجتمع. الحاجة ماسة إلى خطاب عام أكثر نضجًا، يدرك أن السياسة ليست ساحة للقداسة النظري ولا ساحة للانتهازية المطلقة، بل هي فن الموازنة بين الرؤية والواقع، بين المبدأ والمصلحة العامة.
في السياق السوداني الراهن، في ظل الحرب المدمرة والانقسام الوطني العميق، يصبح السعي إلى التكامل بين النظرية والممارسة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالسودان اليوم يحتاج إلى مشروع وطني جامع: مشروع يقرأ تاريخ البلاد الطويل من الصراعات، ويستخلص منه دروسًا، ويقدم رؤية لمستقبل يعترف بالتعددية العميقة للمجتمع السوداني، ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الجميع. هذا المشروع لا يمكن أن يكتبه المنظرون وحدهم في قاعات الجامعات أو في غرف الأحزاب؛ كما لا يمكن أن يفرضه الممارسون وحدهم عبر القرارات الاستبدادية أو تحالفات النخب المغلقة. هذا المشروع يحتاج إلى “حوار وطني حقيقي”، ليس بالمعنى الشكلي الذي اعتدنا عليه في السودان، حيث يجتمع السياسيين التقليديين لتقاسم المناصب، بل حوار مجتمعي شامل يشارك فيه المفكرون والأكاديميون وقادة المجتمع والنساء والشباب والنقابات والقطاع الخاص، ويخرج بورقة طريق واضحة تنهي حالة الانفصام المزمنة.
ثم تأتي مرحلة التطبيق، وهي الأخطر والأصعب. فالتاريخ السوداني مليء بالوثائق والاتفاقات التي وُقعت ثم دُفنت. هنا يأتي دور الممارس الحقيقي: ليس من يوقع الاتفاقات، بل من يتحمل مسؤولية تنفيذها رغم كل العوائق. السودان يحتاج إلى ممارسين يتحلون بشجاعة استثنائية: شجاعة اتخاذ قرارات صعبة قد لا تحظى بشعبية لحظية لكنها ضرورية لإنقاذ البلاد، وشجاعة الاعتراف بالخطأ وتصحيح المسار، وشجاعة بناء مؤسسات قوية لا تقوم على أشخاص بعينهم.
في الختام، نعود إلى السؤال الأساس الذي بدأنا منه: هل يمكن للسودان أن يخرج من أزمته المزمنة دون أن يحل معضلة العلاقة بين المنظر والممارس؟ الجواب هو لا. السودان لن ينهض من كبوته إلا إذا استطاع أن ينتج نخبة جديدة تتصالح داخليًا مع هذه الثنائية. نخبة لا ترى في الممارسة خيانة للنظرية، ولا ترى في النظرية انفصالًا عن الواقع. السودان يحتاج إلى “فلاسفة ملوك” بمعنى أفلاطون، لكن ليس الفلاسفة الذين يحكمون من فوق، بل الفلاسفة الذين يدركون أن الحكمة لا تكتمل إلا عندما تخضع لامتحان الواقع. كما يحتاج إلى “ملوك فلاسفة” بمعنى مكيافيلي، لكن ليس الملوك الذين يمارسون السياسة كفن للهيمنة فقط، بل الملوك الذين يدركون أن السلطة بلا رؤية هي مجرد فساد ودمار.
المآسي السودانية المتلاحقة – من الحرب الأهلية الطويلة، إلى الانفصال، إلى الانقلابات المتكررة، إلى الحرب الحالية التي لا تبقي ولا تذر – كلها تقدم درسًا قاسيًا: لا يمكن بناء دولة على فجوة بين الفكر والعمل. السودان الذي نحلم به، السودان الجديد، لا يمكن أن يبني إلا على أكتاف مناظرين يعرفون كيف يمارسون، وممارسين يعرفون كيف يفكرون. هذا هو التحدي الحقيقي، وهذا هو الأمل الوحيد في بلاد لا ينفد منها الأمل رغم كل الجراح.
بتاريخ 31مارس2026م



