بين الجرح والوعي: الثوري لا ينتقم…بل يسترد الإنسان

بقلم: دكتور/ كمال عبد العزيز
من خلال تواصلنا السياسي والاجتماعي، ترددت على مسامعي الكثير من الأسئلة التي دفعتني لكتابة هذا المقال، وأبرزها: لماذا لا تقاتلون قوات الدعم السريع كثورة تغيير ونضال ضد الظلم؟ كانت إجابتي أوسع من حصر الأزمة في ميليشيات الدعم السريع وحدها، فكلنا نعلم ونتابع ما يمر به السودان اليوم من انقسام حاد وجدلية عميقة حول ارتباط بعض القوى بالنظام القمعي السابق والدولة القديمة التي ورثت الفشل عبر التاريخ. إن أزمتنا الحقيقية لم تبدأ مع حرب 15 أبريل، بل تكمن في غياب مشروع وطني لبناء الدولة منذ عقود، وهو الغياب الذي يجب تفنيده ومعالجته إذا أردنا الوصول إلى حل شامل وبناء دولة وطنية.
فالبعض يرى أن أيّ إيجابية وتساهل مع هؤلاء لا يمكن إلا أن تكون خيانة لدماء الضحايا، فيما يرى آخرون أن مشروع التغيير لا يمكن أن يكتمل إذا اقتصر فقط على معاقبة الماضي. هنا يبرز سؤال جوهري: هل الثورة فعل انتقام، أم فعل تحرر واسترداد للإنسان؟ الانتقام، كما يعرّفه علماء النفس السياسي، هو استجابة وجدانية آنية للظلم، لكنه لا يؤسس لمجتمع جديد، بل يُعيد إنتاج العنف في دورات متتالية. بينما الثورة مشروع تحرري أوسع، يقوم على إعادة بناء البنية السياسية والاجتماعية، وعلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والسلطة. ولذلك قال فرانز فانون إن: “الثورة الحقيقية هي إعادة خلق الإنسان”. ليس كل من شارك في آلة الاستبداد عدوًا أبديًا، فالإنسان نتاج بيئته الأيديولوجية والسياسية. الفعل الثوري الناضج لا يكتفي بتحرير الضحايا، بل يسعى إلى استرداد المضطهِدين أنفسهم من موقع القهر إلى موقع النضال. بهذا المعنى، تتحول الثورة من صراع ثأري إلى مشروع إنساني يعيد تعريف الانتماء والكرامة.
دروس التجارب العالمية مثل جنوب أفريقيا: بعد سقوط الأبارتهايد، لم تُبن الدولة على إذلال “البيض” أو نفيهم، بل على لجان الحقيقة والمصالحة. اعترف الجناة بجرائمهم وفتح لهم المجال ليصبحوا مواطنين متساوين في وطن جديد. تجربة رواندا: عقب الإبادة الجماعية 1994، لم يستسلم الروانديون للانتقام، بل ابتكروا نموذج الغاتشاكا، حيث عُرض الجناة أمام مجتمعاتهم للاعتراف، ثم جرى دمجهم تدريجيًا. هذا جعل رواندا تنهض بدلًا من أن تغرق في انتقام لا نهاية له. ازمة أمريكا اللاتينية: في تشيلي والأرجنتين، بعد سقوط الأنظمة العسكرية، اختارت المجتمعات مسارات العدالة الانتقالية، التي جمعت بين المحاسبة والاعتراف وفتح الطريق أمام من تاب ليعود شريكًا في بناء الديمقراطية.
التجربة السودانية غريق تحتاج إلى وعي يميّز بين محاسبة الماضي كواجب أخلاقي وعدلي، وبين الانتقام الذي قد يحوّل الثورة إلى حرب لا تنتهي. إن الهدف ليس إقصاء كل من ارتبط بالنظام السابق بشكل كامل، بل فتح المجال أمامهم بعد الاعتراف والتراجع عن فكرهم المشوه والاعتذار عنها، ليكونوا جزءًا من مشروع التغيير. فالوطن يحتاج إلى الجميع، ولا يمكن أن يُبنى على نصف شعب ضد نصفه الآخر.
الثوري الحقيقي لا ينتقم لأنه يعرف أن قيمة الإنسان لا تُمحى بخطيئة الماضي. الثورة لا تسعى إلى إذلال الأفراد، بل إلى تحرير البنية التي جعلت منهم أدوات للقهر. ومن هنا فإن هدفها الأسمى هو استرداد الإنسان مضطهِدًا كان أم مضطهَدًا، ليعود فاعلًا في مشروع التغيير. إن السودان لن ينهض بالثأر، بل بوعي ثوري يرى في الحرية والعدالة مشروعًا يستوعب الجميع. وكما قال مانديلا: “الحرية لا تتحقق إذا حملنا الكراهية في قلوبنا، لأننا سنبقى أسرى حتى لو كُسرت قضبان السجون”. لذا فل نجعل من الوحوش بشراً اسوياء.
4 إكتوبر 2025م



