مقالات الرأي

بين تعثر حوار أديس أبابا واستمرار الحرب: من يعطل فرص السلام في السودان؟

بقلم: د.كمال عبدالعزيز
5 يونيو 2026م

يشهد السودان واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ الاستقلال، في ظل حرب مدمرة خلّفت آثارًا إنسانية واجتماعية واقتصادية كارثية طالت ملايين المواطنين، وأدخلت البلاد في حالة من الانهيار المتسارع على المستويات كافة. وفي هذا السياق، تبرز الجهود الإقليمية والدولية، بما فيها مساعي اللجنة الخماسية المكوّنة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، باعتبارها محاولات جادة لوقف نزيف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية شاملة.

غير أن نجاح أي مبادرة للسلام يظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المتحاربة لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية والعسكرية الضيقة. كما أن استمرار الاستقطاب الحاد، وتمسك بعض القوى بخيارات الحسم العسكري واستعادة الحركة الاسلامية، أسهما في إطالة أمد الصراع وتعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي، بما يهدد وحدة السودان ومستقبله واستقراره.

وتكمن خطورة أي حوار انتقائي على شاكلة حوار البرهان أو محدود في أنه قد يعيد إنتاج الأزمة بدلًا من معالجتها، خاصة إذا استبعد قوى سياسية واجتماعية مؤثرة في المشهد أو تجاهل القضايا الجوهرية التي تقف وراء النزاع السوداني. فالأزمة الراهنة ليست مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متحاربة، بل تعبير عن اختلالات تاريخية في بنية الدولة تتعلق بقضايا السلطة والهوية والمواطنة والعدالة وتقاسم الثروة والموارد.

كما أن تعدد الأطراف الفاعلة في المشهد السوداني يفرض ضرورة تبني عملية سياسية واسعة وشاملة يثتثنى فقط الكيزان وواجهاتهم، ولكن تستوعب مختلف أصحاب المصلحة الحقيقيين، وتمنح الأولوية لمعالجة الكارثة الإنسانية التي يعيشها المواطنون يوميًا. ولذلك ينبغي أن تتركز الجهود بصورة عاجلة على وقف إطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، تمهيدًا لإطلاق عملية سياسية جادة تفضي إلى سلام دائم ومستدام.

وفي حال استمرت أي جهة في عرقلة جهود السلام أو رفض المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، فإن المجتمعين الإقليمي والدولي، إلى جانب القوى الوطنية السودانية، مطالبون بممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية وحتى عسكرية أكثر فاعلية لدفع الأطراف نحو التسوية الجذرية للازمة. فاستمرار الحرب لا يعني سوى المزيد من الضحايا والدمار والتفكك المؤسسي، بينما تتضاءل فرص بناء دولة مستقرة قادرة على إدارة تنوعها وتسوية خلافاتها بالوسائل السلمية.

لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا من أرواحهم ومستقبلهم بسبب الصراعات الممتدة. ومن ثمّ، فإن اللحظة الراهنة تتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز المصالح الذاتية والحسابات الضيقة نحو مشروع وطني جامع يضع حدًا للحرب، ويؤسس لسلام عادل وشامل، ويعيد بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون والاستقرار المستدام.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستنتصر إرادة السلام وإنقاذ الدولة، أم تستمر رهانات الحرب التي أثبتت عجزها عن تحقيق أي انتصار حقيقي سوى تعميق مأساة السودانيين؟

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
عبدالغني أبكر موسي عبدالله
عبدالغني أبكر موسي عبدالله
1 شهر

نحن بحاجة إلى السلام الدائم

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x