مقالات الرأي

بين مطرقة التحالفات وسندان العدالة: السودان وتكلفة “شراء الولاء”

بقلم: الطاهر أحمد الحاج الطاهر

في زحام المعارك التي تنهش جسد السودان، تطفو على السطح ظواهر تثير في النفس تساؤلات مؤلمة حول مفهوم “الكرامة الوطنية” والعدالة الغائبة.
إن عودة بعض القيادات العسكرية التي ارتبطت أسماؤها بانتهاكات جسيمة، مثل حالة “النور قبعة” في الفاشر وقبله “كيكل”، وانخراطهم في صفوف القوات المسلحة، يضع الشارع السوداني أمام مواجهة مباشرة مع حقيقة قاسية: هل تُشترى الانتصارات العسكرية ببيع دماء الضحايا؟

لوجستيات الحرب مقابل ميزان الحق

تُبرر القيادات العسكرية هذه الاستقطابات بأنها “ضرورة أمنية” لإضعاف الخصم وتفكيك كتلته الصلبة. لكن المشكلة تكمن في “الثمن” الذي يُدفع؛ فحين يُستقبل من شارك في ترويع المدنيين بالأحضان، ويُمنح الامتيازات والسيارات الفارهة، تُرسل الدولة رسالة ضمنية مفادها أن الجريمة قد تكون طريقاً مختصراً للمنصب والجاه، شرط أن تختار الجبهة “الصحيحة” في الوقت المناسب.
هذا المسلك لا يؤدي إلا إلى تآكل الثقة في المؤسسة العسكرية ويهدم المبادئ التي يُفترض أن يقاتل من أجلها الشرفاء.

أبناء الهامش: وقود لمعارك النخب*

لا يمكن قراءة المشهد الحالي بمعزل عن التصدعات الطبقية والعرقية التاريخية. فبينما يشتعل أوار المعارك في الأقاليم، يبرز تساؤل مرير حول هوية من يدفعون الثمن الفعلي.
نجد أن أبناء المناطق المهمشة هم الذين يتصدرون الصفوف، يواجهون الموت بصدور عارية دفاعاً عن وطن يحلمون فيه بالمساواة، بينما تظل بعض النخب في مراكز “الاستجمام” والرفاهية، بعيداً عن غبار المعارك، ينتظرون لحظة تقاسم الكعكة السياسية.

إن هذا التفاوت يحول الحرب من “معركة كرامة” إلى عملية “استنزاف للهوية” والوجود لمن لا يملكون صوتاً يحميهم.

المواطن البسيط: المتهم الأول دائماً

المفارقة الصارخة تكمن في التعامل مع المواطن الأعزل؛ فبينما يجد “المجرم” مساراً آمناً وامتيازات تحت مسمى “العودة لحضن الوطن”، يجد المواطن الذي علق في مناطق النزاع نفسه متهماً بالتواهن أو الخيانة.

يتم التعامل مع الأبرياء بقسوة مفرطة، ويُصنفون أحياناً بناءً على لونهم أو عرقهم أو انتمائهم الجهوي، في مشهد يجسد قمة العار الوطني.
كيف يُكافأ من قتل، ويُسجن من نجا؟

هل للعدالة من سبيل؟

إن السؤال الذي يطرحه كل سوداني اليوم: ألن تتم محاسبة هؤلاء يوماً ما؟

التاريخ يخبرنا أن “التسويات السياسية” قد تمنح القتلة حصانة مؤقتة، لكنها لا تمنحهم الشرعية أبداً. إن دماء الأبرياء في الفاشر، والخرطوم، والجزيرة ليست مجرد أرقام في ملفات التفاوض.

المحاسبة الحقيقية هي الضمان الوحيد لعدم عودة السودان إلى دائرة الحرب مرة أخرى.

إن بناء وطن يحترم إنسانية مواطنه يبدأ من رفض “ثقافة الإفلات من العقاب”.
لا يمكن بناء جيش وطني أو دولة قانون بوجوه تلوثت أيديها بدموع وصراخ الضحايا. إن الكرامة التي يحارب من أجلها الشرفاء اليوم يجب أن تكون للجميع، أو لن تكون لأحد.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x