تأثير الإعلام ودوره في ورشة نقابة الصحفيين السودانيين بالقاهرة (٣)

بقلم: الصادق علي حسن
مدونة السلوك انهيار أجهزة الدولة السودانية:
الباحث في دقائق هذه الحرب العبثية الدائرة بين الجيش وقوات الدعم السريع والظروف الإقليمية والدولية المحيطة بها تتوافر لديه الشواهد الكافية بأن هذه الحرب المدمرة ستمدت لسنوات عديدة ولن تتوقف قريبا، وإذا توقفت الحرب مؤقتا بهدن فلن يستمر الوقف طويلا وسرعان ما ستتجدد الحرب بصورة أكثر وحشية وضراوة ، كما لن يعود السودان إلى سابق عهده حتى ولو توقفت الحرب بإتفاق بين الطرفين المتحاربين، فقد صارت الحرب مجتمعية بين مكونات الدولة وتعددت أطرافها ودوافعها وعقائد القتال فيها كما وهنالك البعد الخارجي ، وصارت الأوضاع على الأرض أقرب للفوضى ، ولضعف دور وأداء القوى والتنظيمات السياسية والمدنية في المشهد السياسي العام شغلت القبائل والعشائر الفراغ العريض في الساحة السياسية وساد توازن الصراع بين الطرفين المتحاربين ونشطت محاولات حركة الإسلام السياسي الدؤوبة من أجل العودة إلى السلطة مرة أخرى تحت غطاء دعم الجيش والاستنفار، مآلات الحرب الدائرة تشير بأن الإنتصارات مهما تحققت للجيش فلن تتجاوز استعادة السيطرة على الولايات المتأثرة بالحرب حاليا وهنالك ولايات لن يتمكن الجيش من استعادتها من الدعم السريع ، كذلك فإن قوات الدعم السريع مهما حققت من انتصارات فلن تتمكن من الوصول إلى الولايات المرتبطة مباشرة بأمن دولة مصر فإذا وصلت لتلك الولايات ستبرز مواقف مؤثرة لمصر مهما كان حجم الغطاء الإقليمي الداعم للدعم السريع ودولة الإمارات، وهذه كلها من عناصر اتساع دائرة الحرب، إن الأحزاب السودانية اليمنية واليسارية وأحزاب الوسط فقدت تأثيرها على الشارع وعلى الرأي العام كما أن الوسائل الناجعة لمخاطبة أزمة الحرب الدائرة ووقفها تجاوزت الوسائل النمطية التقليدية باستجلاب النخب وعقد الورش والمؤتمرات فالأزمة تعقدت وتجاوزت التوصيات ومقررات الورش والندوات المكتوبة، وقد صارت حتى هذه التوصيات والمقررات مثل الظواهر مكررة يمكن أن يكتبها أي مراقب للأوضاع في السودان من على جهاز الحاسوب ولا تحتاج كتابتها إلى السفر إلى مدن وعواصم الدول الأفريقية والغربية والتجوال ونثريات مالية وتنظير ومسهلين إقليمين ودوليين فالمسألة صارت وأضحة، لقد تشظت الدولة وفقدت مركز السيطرة على شعبها وضعفت قدرتها على حماية أراضيها وتعددت المراكز ، لقد فشلت جهود المبعوث الأمريكي توم بيريللو ومساعيه حتى الآن في وقف الحرب لأنها ذهبت في نفس إتجاه الأنماط التقليدية في التعامل مع الأزمة بعقد اللقاءات ورعاية ورشة لنخبة من نساء المجتمع المدني السوداني في جنيف وإصدار مدونة لقواعد السلوك ، إن مدونة السلوك هذه تعني أن الولايات المتحدة أكتفت في هذه المرحلة بمحاولات إلزام الطرفين المتحاربين بقواعد سلوك الحرب التي يجب أن تراعى وقد صارت هذه الحرب التي تدور على رؤوس المدنيين مسلمة بها كواقع وهذا ضرب من ضروب التخلي عن المسؤولية الإنسانية والتعامل مع الحرب ونتائجها بصورة حازمة وفاعلة، من ناحية أخرى فإن طرح مدونة السلوك على الطرفين المتحاربين كشف ضعف دور الإعلام السوداني وحالة غيابه التام وعدم وجود رقابة على دور الوساطة. فمدونة السلوك يهدف إلى التزام الطرفين بقواعد الحرب المنضبطة ومراعاة حقوق المدنيين والأسرى وعدم التعدي على المرافق الصحية والمستشفيات ومنازل المواطنين وتسهيل مهام العاملين في المساعدات الإنسانية وفرق الاغاثة ولو أن لهذين الطرفين المتحاربين أدني مراعاة واحترام لقواعد المسؤولية الأخلاقية تجاه المدنيين لما احتفيا بالقتل الجزافي لعشرات المدنيين يوميا ومن بينهم النساء والأطفال والعجزة من خلال قصف الجيش للمدن والأسواق والمنازل وتدمير مصادر المياه وقذائف التدوين والدانات العشوائية التي تقذفها قوات الدعم السريع من على مسافات بعيدة على الأسواق والمنازل غير مبالية بعدد أرقام الضحايا مثلما يحدث بمدينة الفاشر المحاصرة واجتياح المدن والقرى بولايتي الجزيرة وسنجة. إن الطرفان يعبثان بحياة المواطنين ويشتركان في ممارسة كافة أصناف الإنتهاكات لحقوق الإنسان ويضعان الشروط كما ويتحايلان حتى لا تتوقف الحرب الدائرة على رؤوس المدنيين خدمة لأهدافهما المتعلقة بالسلطة المتنازع عليها بينهما ، إن محصلة جهود الوسيط الأمريكي توم بيريللو حتى الآن عبارة عن مدونة سلوك لا أثر لها حتى لو وقع عليها الطرفان. لايزال منسوبو الأطراف المتحاربة يوثقون بأنفسهم لجرائمهم المرتكبة بحق المدنيين وينشرون هذه الجرائم والانتهاكات الفظيعة المرتكبة على الوسائط في تسجيلات الفيديوهات ولا يهابون المسؤولية الجنائية فماذا يفيد مع هؤلاء مدونة سلوك حتى لو وقع عليها البرهان وحميدتي ، فمن يرتكبون هذه الجرائم يعلمون تماما متى ما وضعوا بنادقهم من على أكتافهم سيتعرضون للملاحقات والمساءلات ، كذلك فإن مخاطبة المحارب الذي أرتكب كل أنواع الجرائم بقواعد مدونة سلوك يجعله يتمادى في القتال طالما هنالك مدونة سلوك المطلوب فقط الإلتزام بها وليست هنالك جهة مثل الولايات المتحدة الأمريكية يمكنها أن تعمل من أجل فرض وقف الحرب، مما يعني صرف الأنظار ولو مؤقتا عن مطلب وقف الحرب والبحث حول ضبط سلوك المتحاربين بضوابط مرجعيتها قواعد السلوك الإتفاقية ، الانتهاكات الممارسة كشفت بأن قواعد الطرفين التي تحارب تتباهى وتتفاخر بجرائمها وانتهاكاتها وتوثقها وتنشرها للرأي العام كما وبعد الإعلان عن مدونة السلوك توجه منسوبيهما إلى استخدام وسائل التمويه واستخدام زي الطرف الأخر لإدانته كذلك لم تتوقف فيديوهات المباهاة بالجرائم المرتكبة وهذه من الظواهر الجديدة في القتال أشبه بالجرائم التي كانت توثق في حرب العراق بواسطة جماعة أبو مصعب الزرقاوي وكانت ظاهرة أبو مصعب الزرقاوي في أرض الرافدين محدودة ويضع الجناة الأقنعة أما في السودان فهذا السلوك مع الفارق قد صار نمطا ممارسا بصورة شائعة وعلنية ووجوه بلا أقنعة للتستر كما في العراق كذلك كان المركز المسيطر وأحدا أما في السلطة فالمراكز متعددة،فالنظام الحاكم أنقسم إلى مركزين متحاربين داخلهما عدة مراكز وحركات متحالفة بجانب المراكز الأخرى ولكل هذه المراكز والأطراف المتحاربة عقائدها وسلوكها الخاص بها في الحرب وبالتالي يتعذر تقييد سلوك المقاتلين بأي مدونة سلوك على أي مستوى من المستويات،كذلك من يراقب مدى الالتزام بالمدونة بالنسبة للفرق الخاصة وجنود الطرفين المتحاربين داخل المنازل والمرافق والإرتكارات والمعتقلات وبيوت الأشباح هنالك استحالة فما الذي يستطيع أن يصل إلى هذه الأماكن لممارسة الرقابة على السلوك ،إن أقصى ما يمكن أن يتحقق من خلال مدونة السلوك الإدانات الإعتبارية لنتائج الرصد الفضائي لحراك الطرفين المتحاربين والطرفان المتحاربان لا يكترثان لهذه الإدانات فبالنسبة لهما لا قيمة لها ، لذلك الحالة السودانية التي صارت ظاهرة تحتاج إلى تدابير ناجزة وهذه ليست متيسرة في ظل الظروف الدولية الحالية وليس هنالك من أمل سوى في الحراك الشعبي والحراك الشعبي يتحقق من خلال قيادة جادة ومنظمة تقود الرأي العام بفلسفة وتنظيم وهذه هي مسؤولية الإعلام ودوره المفقود الآن . أزمة الديمقراطية وعودتها :قواعد تأسيس الدولة السودانية كانت متقدمة ومن أجازوها استفادوا من مشروع اللجنة الدولية التي شكلها الحاكم العام السير جورج هاو برئاسة الخبير الدولي القاضي ستانلي بيكر ، لقد كانت توصيات اللجنة المذكورة والتي تحولت إلى قواعد تأسيسية بإرادة سودانية حرة تقوم على تأسيس دولة فيدرالية بحكومة مدنية منتخبة ومجلس سيادة من خمسة أعضاء، ومن الواضح أن الغرض من خماسية أعضاء مجلس السيادة مشاركة الأقاليم في مهام وأعمال مجلس السيادة وبالتالى انتفاء أسباب المظالم المبنية على اغفال عدم المشاركة في السلطة ، لقد شابت ممارسة الديمقراطية الوليدة شوائب وقصور ولم تستفد الأحزاب من دروس التجربة الأولى وأستعادة الشعب للديمقراطية بثورة أكتوبر المجيدة في ١٩٦٤م كما ولم تستفد الأحزاب من دروس تجربة الديمقراطية الثانية وثورة ابريل المجيدة في ١٩٨٥م فأستولى نظام الإنقاذ وحزب المؤتمر الوطني على السلطة وقد رزحت البلاد تحت ديكتاتورية غاشمة لثلاثين عاما وتمكن الشعب من بعد طول معاناة من دحر نظام المؤتمر الوطني وحركة الإسلام السياسي عبر ثورة ديسمبر المجيد ٢٠١٨م، لم تستفد الأحزاب أيضا من الدروس المتكررة والعبر ومن النتائج هذه الحرب العبثية الدائرة ، من الصعوبة الآن أن تحظى الأجيال التي تجاوزت في أعمارها حاليا العقد الخامس بحضور والمشاركة في تجربة لديمقراطية قادمة بالبلاد وعليها أن تصرف جهودها من خلال أحزابها للحيلولة دون تمزق البلاد إلى دويلات، فحتى لو سمحت الأقدار الظروف بتنظيم أي عملية إنتخابية تقوم على النمط الإجرائي بالإدلاء بالصوت الإنتخابي، ففي ظل مآلات أوضاع البلاد الحالية ستكون ممارسة الديمقراطية التقليدية المحصورة في الإدلاء بالصوت الإنتخابي البوابة للمزيد من التشظي والفوضى بالبلاد فقد فقدت الأحزاب تأثيرها وفي ظل هكذا أوضاع ستطغى الولاءات الطبيعية والقبيلة على العملية الإنتخابية وستتحول تحالفات الحرب القبلية وغيرها من التحالفات إلى تحالفات سياسية من أجل الظفر بالدوائر الإنتخابية وستبرز قوى جديدة مسنودة بالدعم الإنتخابي القبلي بدلا عن الحزب لذلك الدولة الآن في حاجة إلى قيادات شبابية جديدة ملهمة تخاطب قضايا الانتقال وتؤسس للمستقبل أما ما يحدث الآن فهو الطريق الممهد إلى الفوضى لنموذج حرب تمتد إلى سنوات طويلة.في المقال القادم سأتناول ردود الأفعال لدى بعض الصحفيين الذين حصروا الموضوع كله في التبرير لمشاركة عثمان ميرغني في مؤتمر نقابة الصحفيين السودانيين الأول بالقاهرة وأغفلوا الجوانب المتعلقة بالإجابة على المفاهيم القاصرة للصحفية سلافة أبو ضفيرة بوصفها لنقابة الصحفيين السودانيين بأنها نقابة ثوار ثورة ديسمبر المجيدة، والخلط ما بين مهام النقابة والثورة ، وهل ثورة ديسمبر المجيدة نفسها لا زالت مستمرة أم أنقضت بأحداث التغيير وذهاب النظام البائد ، وهل هنالك مكتسبات ثورة تتحول لحقوق خاصة تخول وتكسب أصحابها بحقوق ومزايا أكثر من الغير؟ وما الذي فعلتها سلافة أبو ضفيرة ومن هم من أمثالها حتى حازوا على صكوك ثورة ديسمبر المجيدة دون سواهم؟.


