مقالات الرأي

تبدأ مأساة الأمة حين يحتفى بالتافهين وتكسر سبورة المعلم

بقلم: الشاعر و الكاتب/ حمزة عبدالرحمن


لا تسقط الحضارات الكبرى ولا تنهار الأمم العريقة تحت وطأة الضربات الخارجية أو دوي الرصاص فحسب بل تبدأ نكبتها الحقيقية من الداخل حين يختل الميزان القويم وتتخلخل أسس البنيان المعرفي والأخلاقي للمجتمع.
إن هدم أي أمة لا يتطلب بالضرورة ترسانات عسكرية جبارة بل يبدأ بخطوات هادئة ومدمرة تتمثل في احتقار المعلم الذي ينير البصائر وإذلال الطبيب الذي يحرس الأرواح وتهميش العالم الذي يفكك أسرار الكون وفي المقابل خلع أطواق المجد ومنح القيمة والرفعة للتافهين والساقطين.
​إن هذا التراجع المروع ليس مجرد عارض طارئ في جسد الأمة بل هو عملية نفسية جماعية عميقة ومدروسة يشارك فيها الجميع عن غفلة ودون وعي بالنتائج.
فالتاريخ يخبرنا مراراً وتكراراً أن الحضارات لا تسقط بسلاح الرصاص فقط بل تسقط حين ينقلب سلم القيم ويتم تشويهه من الصميم فحين يعظم التافه المأفون وتكسر قامات أصحاب الفكر والريادة وتمسخ الرموز والقدوات الحقيقية يصبح البنيان مهيئاً للتداعي.
​إن هؤلاء التافهون والساقطون الذين يتصدرون واجهات الحياة العامة اليوم كأمثال نشطاء اللايفات ومنصات البث المباشر ممن خلا محتواهم تماماً من أي مضمون حقيقي أو قيمة معرفية. وما يرافق ذلك من ألفاظ بزيئة و هتك للأعراض وإثارة للنعرات وسب للمكونات الاجتماعية بغرض الإثارة الرخيصة وجذب المشاهدات على حساب الفضيلة والذوق العام فضلاً عن طائفة الفنانات (القونات) اللاتي هن في صلب هذه الشريحة لترويجهن للأغاني الهابطة والابتذال الفني والحركي. و ما هؤلاء إلا صنيعة واعية لا تخلق صدفة بل تنتجهم السلطة أو أدوات التوجيه بعناية فائقة لتنفيذ أجندات الإلهاء الممنهج.
بل إن المشهد يزداد قتامة حين نرى هؤلاء المبتذلين يجدون أبواب المسؤولين مفتوحة لهم يستقبلون في القصور والمحافل الرسمية بحفاوة وتكريم في رسالة علنية تشرعن رداءتهم وتدفع بهم إلى صدارة المشهد الاجتماعي كأنهم رموز وطنية يحتفى بها مما يرسخ في وعي الناشئة أن طريق المجد لا يمر عبر العلم والعمل بل عبر التملق والبذائة.
إنهم وجدوا خصيصاً ليشغلوك عن قضاياك الكبرى ووجعك الحقيقي وليضحكوك بسخفهم حتى الموت وليمنحوك وهماً زائفاً بالحياة بينما يسحب البساط من تحت أقدامك وأنت لا تدري.
كل وجه تافه نال هذه الشهرة المصطنعة هو في حقيقة الأمر رأس رمح ومخلب قط في حرب شعواء تشن على وعي الأجيال وضياء عقولهم.
​وفي هذا المشهد العبثي المليء بالتناقضات تتحول كل رقصة صاخبة أو تفاهة عابرة على منصات التواصل إلى معول هدم يكلف معلماً جليلاً صامتاً يقف بكرامته أمام سبورة مكسورة كل طاقته وحلمه في الإصلاح. هكذا وبهذه الهندسة المظلمة تنهار الأمم وتتلاشى الأمجاد ليس بسبب ثقل الجهل وظلمته فحسب بل من فرط خفة وسطحية ما يرفع فوق الرؤوس ويقدس باسم النجومية المزيفة..

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x