تجريد المؤتمر الوطني من خلاياه في الجيش والدولة .. لماذا تصر حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ: عبد الواحد محمد أحمد النورعلى هذا الشرط كمدخل وحيد لدولة المواطنة المتساوية ودولة القانون؟

بقلم: أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
في كل محطة تفاوضية جديدة، وفي كل جولة من جولات الوساطة الإقليمية والدولية لإنهاء النزاع في السودان، يبرز الشرط ذاته الذي تطرحه حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور، وكأنه نقطة ثابتة في بحر متلاطم من المتغيرات: الاستبعاد الكامل للمؤتمر الوطني وأوجهاته، وتجريده من خلاياه في الجيش ومؤسسات الدولة، ورفض مطلق لأي دور سياسي أو عسكري أو مدني لهذا التنظيم في أي ترتيبات انتقالية مقبلة. كثيرون يتساءلون بدهشة أو استغراب: لماذا هذا الإصرار؟ أليس من الأجدى فتح صفحة جديدة والمضي قدماً بدلاً من التمسك بشروط قد تطيل أمد الحرب والمعاناة؟ بل إن البعض ذهب إلى أبعد من ذلك، فوصف موقف الحركة بأنه “تعنت” أو “تشدد” أو حتى “تعطيل لعملية السلام”. لكن هذا الوصف ينم عن جهل أو تجاهل لحقيقة جوهرية: السودان لم ينعم ولن ينعم بأي سلام مستدام ما لم يتم تطبيق هذا الشرط، لأن المؤتمر الوطني وأوجهاته هم الذين يعطلون أي استقرار سياسي، وهم حجر العثرة الحقيقي أمام أي سلام حقيقي. هذا المقال هو محاولة لتفكيك هذا الموقف الغامض لدى الكثيرين، من خلال أربعة أبعاد متكاملة: البعد الإنساني الذي ينطلق من معاناة مباشرة لأكثر من عقدين، والبعد القانوني الذي يستند إلى مبادئ العدالة الانتقالية والمواثيق الدولية، وتاريخ اتفاقيات السلام التي فشلت جميعها لأن المؤتمر الوطني كان جزءاً أصيلاً فيها، والبعد السياسي المستفاد من الخبرات البشرية والتجارب المتراكمة، وصولاً إلى رؤية واضحة لكيف يمكن لهذا الشرط أن يكون المدخل الوحيد لبناء دولة المواطنة المتساوية ودولة القانون في السودان.
● لنبدأ بالبعد الإنساني، فهو الأكثر إيلاماً والأكثر غياباً في النقاشات الدبلوماسية الجافة، لكنه الأكثر حضوراً في قلوب وعقول ملايين السودانيين الذين عاشوا كابوس حكم المؤتمر الوطني على مدى ثلاثة عقود. في دارفور وحدها، قُتل أكثر من ثلاثمائة ألف شخص وفق تقديرات موثوقة، واغتصبت عشرات الآلاف من النساء، وهُجّر أكثر من مليونين وخمسمائة ألف من ديارهم إلى مخيمات لا تصلح للحياة، ودُمرت آلاف القرى بالكامل، وسويت المستشفيات والمدارس والأسواق بالأرض، وأحرقت المحاصيل في الحقول، وتسممت الآبار، وقتلت الماشية. لكن الأرقام الباردة لا تعكس الألم الحقيقي. الألم الحقيقي يعرفه ذلك الأب الذي شاهد بعينيه جنود الميليشيا يذبحون ابنه البكر أمامه ثم يضربونه هو بالسلاسل حتى فقد وعيه. تعرفه تلك الأم التي اغتصبها سبعة مسلحين أمام أطفالها الصغار، ثم تركوها تنزف في العراء. يعرفه ذلك الطفل الذي كبر في مخيم اللاجئين لا يعرف من الدنيا غير الخيمة والمساعدات الإنسانية والخوف الدائم من هجمات جديدة. يعرفه ذلك المسن الذي ترك أرضه وبيته وبستانه التي ورثها عن آبائه وأجداده، ويمشي الآن على عكاز في تراب المخيم عارياً من كل شيء. هؤلاء البشر ليسوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية، بل هم قلب القضية السودانية وروحها. حركة /جيش تحرير السودان لم تنشأ من فراغ، ولم تخرج من رحم النظريات السياسية المجردة، بل وُلِدت من رحم هذه المعاناة، وحملت هموم هؤلاء البشر في قلبها وعلى أكتافها. لذلك، عندما تصر الحركة على استبعاد المؤتمر الوطني، فهي لا تتحدث نيابة عن نفسها فقط، بل تنقل صوت هؤلاء الضحايا الذين لا يصل صوتهم إلى قاعات التفاوض البعيدة. استمع إلى أي نازح في مخيم كلمة أو زمزم أو أبو شوك، اسأله: هل تقبل العودة إلى قريتك تحت حكومة يشارك فيها من قتل أبناءك واغتصب نساءك؟ هل تقبل الجلوس على طاولة حوار مع من أمر بتجويع أطفالك؟ الإجابة ستكون دائماً واحدة وواضحة وحاسمة: لا. ليس لأنهم شعب لا يحب السلام، بل لأنهم يعرفون أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على مساواة الجلاد بالضحية. الجراح التي لم تندمل بعد، والدماء التي لم تجف بعد، والأشلاء التي لم تدفن بعد، كلها تصرخ بصوت واحد: لا يمكن أن نعيش تحت سقف دولة واحدة مع من قتلوا أحلامنا ودمروا مستقبلنا. هذا البعد الإنساني هو الأساس، وهو ما يجعل أي تفاهم أو اتفاق لا يتضمن استبعاد المؤتمر الوطني غير قابل للتطبيق على الأرض، مهما كانت الضغوط الدبلوماسية أو الإغراءات المالية.
● أما البعد القانوني، فيأتي ليعطي هذه المعاناة الإنسانية صيغة قانونية واضحة تمنع الإفلات من العقاب وتؤسس لمبدأ المساءلة الذي لا غنى عنه لأي بناء دولة حقيقي. المؤتمر الوطني، كتنظيم سياسي، ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة بأدلة لا تقبل الجدل. المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق الرئيس السابق عمر البشير بتهم تتضمن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. كما أصدرت مذكرات توقيف بحق وزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الداخلية الأسبق أحمد هارون، والزعيم القبلي علي كوشيب. هذه المذكرات لم تأت من فراغ، بل استندت إلى آلاف الصفحات من الأدلة، وشهادات مئات الناجين، وتقارير خبراء مستقلين. بالإضافة إلى ذلك، وثقت تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية والهلال الأحمر السوداني والاتحاد السوداني للمحامين آلاف الانتهاكات الجسيمة التي لا يمكن تغطيتها أو إنكارها. القانون الدولي، وتحديداً نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وقوانين جنيف الأربع، تنص بوضوح على أن مرتكبي هذه الجرائم يجب أن يحاكموا أمام محاكم عادلة، وأنه لا يمكن منحهم عفواً شاملاً أو إدماجهم في العملية السياسية دون محاكمة. كما تنص مبادئ العدالة الانتقالية، التي تم تطويرها من تجارب عديدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية وأفريقيا الجنوبية، على أن السلام الدائم لا يمكن أن يبنى على أنقاض العدالة. أربعة أركان لا غنى عنها لأي انتقال ناجح: معرفة الحقيقة كاملة حول ما حدث، مقاضاة الجناة أمام محاكم مستقلة ونزيهة، تعويض الضحايا بشكل كافٍ وعادل، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بارتكاب الانتهاكات لضمان عدم تكرارها. حركة/ جيش تحرير السودان تتبنى هذه المبادئ وتصر على تطبيقها في السودان. ومن هنا يأتي شرط استبعاد المؤتمر الوطني: كيف يمكن مقاضاة مجرمي الحرب وهم يجلسون في قاعات التفاوض أو في مناصب حكومية؟ كيف يمكن معرفة الحقيقة والجناة هم من يتحكمون في أجهزة الإعلام والاستخبارات؟ كيف يمكن تعويض الضحايا وأموالهم المنهوبة لا تزال في جيوب الجناة؟ كيف يمكن إصلاح المؤسسة العسكرية أو القضائية أو الأمنية وخلايا المؤتمر الوطني لا تزال نائمة في داخلها؟ ببساطة، لا يمكن. لذلك فإن الاستبعاد والتجريد ليس مجرد خيار سياسي، بل هو واجب قانوني وأخلاقي تفرضه المواثيق الدولية ومبادئ العدالة الانتقالية.
عندما ننتقل إلى تاريخ اتفاقيات السلام السابقة، نجد الدليل العملي الأكثر إقناعاً على صحة موقف حركة/ جيش تحرير السودان. منذ اندلاع الحرب في دارفور عام 2003م، تم توقيع عدة اتفاقيات سلام كانت المؤتمر الوطني طرفاً أصيلاً فيها، إما كحكومة حاكمة أو كطرف أساسي في المفاوضات. لنستعرض هذه الاتفاقيات سريعاً. اتفاقية أبوجا للسلام في دارفور عام 2006م، التي توسطت فيها الاتحاد الأفريقي، وكان المؤتمر الوطني هو الطرف الحكومي الرئيسي. الاتفاقية لم تصمد، والسبب الرئيسي هو أنها لم تعالج الأسباب الجذرية للنزاع، وظل المؤتمر الوطني يتحكم في تنفيذها حسب مصلحته الضيقة. وقعت الاتفاقية حركات عدة، لكن حركة/ جيش تحرير السودان رفضت التوقيع لأنها رأت أن الاتفاقية أشبه بهدنة مؤقتة وليس سلاماً حقيقياً. وماذا حدث بعد سنوات قليلة؟ عادت الحرب لتشتعل مجدداً، وتجددت المعاناة، وتأكد أن الحركة كانت على حق. ثم جاءت اتفاقية الدوحة للسلام في دارفور عام 2011م، برعاية قطر والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. مرة أخرى، كان المؤتمر الوطني طرفاً أساسياً. تم توقيع الاتفاقية من قبل بعض الحركات، وتضمنت بعض الترتيبات المالية والإدارية، لكن جوهر القضايا المتعلقة بالعدالة والمساءلة وتفكيك الميليشيات وتسليم الجناة للمحاكمة ظل معلقاً أو مهملاً. حركة/ جيش تحرير السودان رفضت التوقيع مرة أخرى، واتهمت الوسطاء بالانحياز للنظام والضغط على الحركات لقبول صفقة سياسية لا تلبي الحد الأدنى من مطالب الضحايا. والنتيجة كانت أن الاتفاقية لم توقف الحرب بشكل كامل، ولم تحقق السلام المنشود. بعد سقوط نظام البشير في 2019م، جاءت اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020م، برعاية جنوب السودان وبمشاركة واسعة من الحركات المسلحة السودانية، بينها حركات زات نشأة جغرافيا في دارفوربصورة كبيرة. هذه الاتفاقية كانت مختلفة في ظروفها، لأنها تمت بعد سقوط البشير وفي سياق انتقال سياسي وعد بتغيير جذري. لكن المؤتمر الوطني لم يختفِ من الاتفاقية، بل كان حاضراً عبر أوجهاته وخلاياه النائمة التي لا تزال تتحكم في مفاصل الدولة. القوى التي وقعت الاتفاقية وجدت نفسها بعد التوقيع تواجه نفس العقبات التي واجهتها الاتفاقيات السابقة: جيش خارق للسيطرة، أجهزة أمنية تعمل بمعزل عن السلطة المدنية، قضاء غير مستقل، إدارة مدنية يعمل فيها آلاف الموظفين الموالين للنظام القديم، وميليشيات مسلحة لم تُحل أو تدمج بشكل حقيقي. النتيجة كانت أن اتفاقية جوبا ظلت حبراً على ورق في كثير من بنودها، ثم انهارت تماماً مع اندلاع الحرب الحالية في أبريل 2023م بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ثلاث اتفاقيات كبرى، ثلاث محاولات سلام، ثلاث إخفاقات، والقاسم المشترك بينها جميعاً هو أن المؤتمر الوطني كان حاضرا فيها، إما كطرف رئيسي أو كقوة خفية تتحكم في مفاصل الدولة. حركة/ جيش تحرير السودان كانت الوحيدة تقريباً التي تمسكت برفضها للمشاركة في هذه الاتفاقيات ما لم يُستبعد المؤتمر الوطني، واتُهمت بسبب ذلك بالتعنت والتشدد. لكن الزمن أثبت صحة رؤيتها، وأثبت أن أي سلام لا يستبعد المؤتمر الوطني هو سلام هش ومؤقت ومصيره الفشل حتماً. هذه هي الدروس المستفادة من تاريخ طويل من المفاوضين والاتفاقات والتجارب المريرة.
● أما البعد السياسي، المستفاد من الخبرات البشرية والتجارب المتراكمة لكل القوى السياسية السودانية التي ناضلت ضد الإنقاذ لعقود، فيقدم فهماً أعمق لطبيعة التحدي. حركة /جيش تحرير السودان لم تأتِ بموقفها من فراغ، بل بنته على دراسة واعية لتجارب كل من سبقها من قوى المعارضة السودانية، ولتجارب التحول السياسي في بلدان أخرى حول العالم. لنتأمل تجربة جبهة الإنقاذ الوطني، وهي إطار معارض واسع تشكل في التسعينات جمع أحزاباً تاريخية ونقابات مهنية ومنظمات مجتمع مدني، وخاض نضالاً طويلاً ضد نظام الإنقاذ. ماذا كانت حصيلة هذا النضال؟ بعد ثلاثين عاماً، لم يستطع هذا الإطار إسقاط النظام، بل اخترقه النظام واستقطب بعض قياداته، وانقسمت الجبهة على نفسها، وانتهى بها الأمر إلى المشاركة في حكومات انتقالية هشة لم تحدث تغييراً جذرياً. لماذا فشلت تجربة جبهة الإنقاذ؟ لأنها تعاملت مع المؤتمر الوطني كحزب سياسي عادي يمكن هزيمته في انتخابات أو التفاوض معه للوصول إلى تسوية، ولم تدرك مبكراً أن هذا الحزب تحول إلى دولة عميقة تملك أدوات النفوذ والترهيب والشراء، وأنه لا يمكن هزيمته بالوسائل السلمية التقليدية فقط. تجربة قوى إعلان الحرية والتغيير، التي استغلت الفراغ السياسي والقيادي للثورة الشعبية وتولت القيادة وقادت الثورة الشعبية في 2018م-2019م وأطاحت بالبشير، كانت أكثر قرباً من النجاح لكنها وقعت في نفس الفخ: قبلت بشراكة في الحكم مع الجيش الذي كان لا يزال يحمل في طياته عناصر النظام القديم، وأهملت ملف العدالة الانتقالية وتفكيك المؤتمر الوطني، وسمحت بعودة بعض وجوه النظام وبروز أوجهات جديدة تحت غطاء قوى مدنية وهمية. النتيجة كانت فشل الفترة الانتقالية وانقلاب عسكري في أكتوبر 2021م، ثم انهيار كامل واندلاع الحرب الأهلية الحالية. هاتان التجربتان الكبيرتان، وغيرهما من التجارب الصغرى، علّمتا حركة /جيش تحرير السودان دروساً قاسية لكنها ضرورية: لا يمكن الإطاحة بالمؤتمر الوطني أو تفكيك نفوذه من خلال شراكة أو حوار أو تفاوض يتركه في المعادلة. الحل الوحيد هو استبعاده كلياً وتجريده من أدواته، ثم بناء مؤسسات دولة جديدة من الصفر تقريباً على أسس مهنية ووطنية لا حزبية. هذا ليس موقفاً متطرفاً أو غير واقعي، بل هو خلاصة عقلانية لكل الخبرات البشرية التي راكمها السودانيين في نضالهم الطويل ضد هذا التنظيم الفريد في قدرته على التمدد والتخفي وإعادة إنتاج نفسه. الحركة إذن لا تنطلق من أيديولوجيا جامدة أو من عاطفة انتقامية، بل من تحليل بارد ومؤسس لتجارب فشلت مراراً لأنها لم تتعامل مع جذور الشر. وهي تقدم نفسها الآن كبديل مختلف، كحركة تعلمت من الماضي وتريد أن تبني مستقبلاً مختلفاً حقاً، وليس مجرد إعادة تدوير للوجوه والأسماء مع بقاء نفس الآليات الخفية للهيمنة.
الآن، وقد استعرضنا الأبعاد الأربعة، نصل إلى السؤال الأهم: كيف يمكن لاستبعاد المؤتمر الوطني وتجريده من خلاياه أن يقود إلى بناء دولة المواطنة المتساوية ودولة القانون؟ الإجابة تحتاج إلى تفصيل، لكن يمكن إجمالها في النقاط التالية.
● أولاً، تجريد المؤتمر الوطني من خلاياه في الجيش يعني تحويل المؤسسة العسكرية من أداة حزبية للقمع إلى جيش وطني مهني يحمي البلاد من التهديدات الخارجية ولا يتدخل في السياسة، وهو شرط أساسي لأي ديمقراطية حقيقية.
● ثانياً، تطهير القضاء من القضاة الموالين للمؤتمر الوطني يعني استقلال القضاء وضمان محاكمات عادلة لمرتكبي الجرائم وردع أي فاسد أو معتدي في المستقبل.
● ثالثاً، تفكيك الأجهزة الأمنية الموازية وإعادة هيكلتها يعني إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب والخوف والترهيب التي طبعت حكم المؤتمر الوطني.
● رابعاً، حل المنظمات والجمعيات والأحزاب الواجهة يعني فتح المجال لتعددية حقيقية قائمة على أسس برامجية وليس على ولاءات خفية لنظام ساقط.
● خامساً، مصادرة الأصول المنهوبة وإعادة توجيهها لخدمة الدولة يعني توفير موارد ضخمة لإعادة الإعمار والتنمية ولتعويض الضحايا الذين نهبت أراضيهم وممتلكاتهم.
● سادساً، كل هذه الإجراءات مجتمعة تخلق مناخاً من الثقة بين المواطن والدولة، وتجعل المواطن يشعر لأول مرة أن القانون يسري على الجميع دون استثناء، وأن العدالة ممكنة، وأن الدولة لم تعد ملكاً لفئة أو حزب أو قبيلة، بل هي ملك لكل السودانيين بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو منطقة أصلهم. هذه هي دولة المواطنة المتساوية، حيث الحقوق والواجبات واحدة للجميع، حيث لا أحد فوق القانون، حيث الجميع سواء أمام القضاء، حيث الكرامة الإنسانية خط أحمر لا يمكن تجاوزه. هذه الدولة التي حلم بها السودانيين منذ الاستقلال المشؤوم وماقبليها، والتي لم تتحقق أبداً تحت أي نظام حكم سابق، سواء العسكري أو المدني أو الذي خلط بينهما. هذه الدولة هي الهدف الاستراتيجي لحركة/ جيش تحرير السودان، واستبعاد المؤتمر الوطني وتجريده ليس غاية في حد ذاته، بل هو الوسيلة التي تتيح الانطلاق في الطريق الطويل والشاق نحو تحقيق هذه الدولة. بدون هذه الوسيلة، سيبقى الطريق مسدوداً، وستبقى الأحلام أحلاماً، وسيبقى السودان أسيراً لدورته المفرغة من الديكتاتورية والثورة والفوضى وعودة الديكتاتورية من جديد.
في الختام، نؤكد أن ما تطلبه حركة/ جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور ليس “شرطاً مستحيلاً” ولا “تعطيلاً للسلام”، بل هو الشرط الوحيد لسلام حقيقي ومستدام. هذا الموقف مؤسس على أربعة أبعاد لا يمكن فصلها: بعد إنساني ينبع من معاناة ملايين الضحايا الذين لا يمكن أن يجلسوا مع جلاديهم تحت سقف واحد، وبعد قانوني يستند إلى مبادئ العدالة الانتقالية والمواثيق الدولية التي تمنع إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، وتاريخ اتفاقيات فشلت جميعها لأن المؤتمر الوطني كان جزءاً أصيلاً فيها، وبعد سياسي مستخلص من الخبرات البشرية والتجارب المتراكبة التي أثبتت أن أي تعامل مع المؤتمر الوطني كطرف عادي محكوم عليه بالفشل. العالم والمنطقة والمجتمع السوداني مدعوون اليوم إلى فهم هذا الموقف بجدية، وليس إلى محاولة تجاوزه أو تخفيفه أو الضغط على الحركة لتعديله. لأن الضغط على الضحايا للقبول بوجود الجلادين ليس دبلوماسية واقعية، بل هو استمرار للظلم بأدوات جديدة. حركة/ جيش تحرير السودان تقدم نموذجاً نادراً في تاريخ الصراعات الأفريقية: نموذجاً يضع العدالة الإنسانية قبل المصالح السياسية الضيقة، ويصر على أن السلام الذي لا يبدأ بالاعتراف بالظلم وبالضحايا هو سلام زائف لا يستحق العناء. هذا النموذج يستحق أن يُدعم، أو على الأقل أن يُفهم. لأن مستقبل السودان، ومستقبل السلام في السودان، يتوقف على مدى قدرة العالم على استيعاب رسالة واحدة بسيطة وواضحة: لا سلام في السودان ما لم يُستبعد المؤتمر الوطني وأوجهاته ويُجرد من خلاياه في الجيش والدولة. هذه ليست أيديولوجيا، هذه حقيقة أثبتها التاريخ والتجربة والمعاناة .
بتاريخ8يونيو2026م



