مقالات الرأي

تحالف الأقنعة الزائفة والقراءات الخاطئة: مني أركو مناوي وموسى هلال بين ماضي الجنجويد وحاضر الحرب

بقلم: عبدالعزيز زكريا (الحلو)

ظلت القبيلة في السودان، وخاصة في إقليم دارفور، تمثل أداة مزدوجة الاستخدام؛ فهي من جهة الملاذ الأخير للفرد للحماية والانتماء، ومن جهة أخرى أصبحت ورقة ضغط بيد النخبة السياسية والعسكرية لتمرير أجنداتها. استغل النظام المركزي في الخرطوم، منذ حقبة الإنقاذ وحتى اليوم، هذا المكون المجتمعي الهش لخدمة مشاريعه السلطوية. لم تكن النخبة الحاكمة تنظر إلى دارفور بوصفها إقليماً له خصوصيته الثقافية والاقتصادية، بل كخزان بشري يمكن تسليحه وتوجيهه ضد أي تهديد لسلطتها المركزية. مع انتقال مركز الثقل السياسي من الخرطوم إلى بورتسودان بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023، تكرس ذات المنطق القديم. فقد أعادت الحرب إنتاج الوجوه ذاتها التي قادت الصراع منذ عام 2003، وإن تبدلت التحالفات وتغيرت الأسماء. في هذا المشهد المعقد، يظل المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر، بينما يتاجر القادة بمصائر مجتمعاتهم تحت عناوين عريضة مثل “حقوق الإنسان” أو “الدفاع عن الهوية”.

يُعد إقليم دارفور مسرحاً للصراع الممتد منذ أكثر من عقدين. في تلك الفترة، ظهرت نخبة من القادة العسكريين الذين تناوبوا على أدوار البطولة والعداء والخيانة السياسية. باستثناء الزعيم التاريخي عبد الواحد محمد نور، الذي تمسك بثوابته المبدئية وحنكته السياسية، سقط جميع قادة الحركات المسلحة في فخ المصالح الشخصية. إن التمايز بين هؤلاء القادة لا يكمن في الاختلاف حول المطالب الإنمائية أو السياسية بقدر ما يكمن في الطريقة التي وظفوا بها ولاءات مجتمعاتهم لخدمة طموحاتهم الفردية. فبينما ظل عبد الواحد بعيداً عن “تجارة الدماء”، انخرط آخرون في صفقات سياسية مع النظام السابق أو مع القوى الجديدة، ودفع مجتمعاتهم الثمن غالياً.

بعد مؤتمر حسكنيتة الشهير الذي شهد انقساماً حاداً في صفوف حركة تحرير السودان، انشق مني أركو مناوي عن عبد الواحد محمد نور ليشكل جناحه الخاص. كان هذا الانشقاق بمثابة أول مفترق طرق في مسار مناوي، حيث انتقل من العمل تحت راية مطلب وحدوي إلى تبني مشروع سياسي شخصي. في عام 2006، وقع مناوي على اتفاقية أبوجا للسلام، التي منحته منصب مساعد رئيس الجمهورية ورئاسة سلطة دارفور الانتقالية. كان هذا القرار بمثابة تحول جذري؛ فبدلاً من أن يكون صوتاً للفئات المهمشة، أصبح مناوي جزءاً من منظومة الحكم التي كانت تتهم بارتكاب انتهاكات واسعة في الإقليم. لم تغير هذه الخطوة واقع مجتمعه شيئاً؛ فالمخيمات ظلت مكتظة بالنازحين حول الفاشر، والمعسكرات الحدودية في تشاد ظلت تعج باللاجئين. بعد ثورة ديسمبر 2019 التي أطاحت بالبشير، عاد مناوي إلى الواجهة عبر اتفاقية جوبا للسلام. لكن بدلاً من أن يؤازر المسار المدني الديمقراطي الذي أنتجته الثورة، انضم إلى تجمع انتهازي تحالف مع المجلس العسكري الانتقالي، مما أضعف التحول الديمقراطي ومهد الطريق للانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021. وعند اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، التزم مناوي الحياد لأشهر. كان بإمكانه، بصفته حاكماً للإقليم وقائداً لحركة مسلحة ذات ثقل، أن يشكل قوة موازنة لحماية المدنيين، خاصة في الفاشر التي تمثل مركز الثقل السياسي لدارفور. لكنه اختار الانحياز الكامل لأحد طرفي الصراع، ليرطن قواته في معارك خاسرة أضعفت نفوذه وكبدت أهله خسائر فادحة.

أما موسى هلال، فكان الرمز الأشهر للمليشيات العربية التي وظفها نظام الإنقاذ لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد المدنيين في دارفور منذ عام 2003. استخدم النظام مصطلح “الصراع العربي – الزرقي” القذر لتبرير حملات منهجية من القتل والتهجير. ارتبط اسم هلال بجرائم دولية جعلته واحداً من المطلوبين للعدالة الجنائية. في تطور مثير، ظهر موسى هلال في لقاءات مع مسؤولين في السفارة الأمريكية، حيث قدم معلومات عن النظام السابق. بعد ذلك، تحول وصفه في الإعلام الأمريكي من “زعيم الجنجويد” إلى “الزعيم القبلي القوي”. هذه الخطوة كانت بداية نهاية علاقته بالخرطوم. انتقاماً منه، قام نظام الخرطوم بسحب أعداد كبيرة من قواته في قوات حرس الحدود، وتحويلها إلى نواة لتشكيل “الدعم السريع” بقيادة حميدتي. عندما حاول هلال التحدي، أرسل النظام قوة من الدعم السريع ألقت القبض عليه من منطقة “مستريحة” ونقلته إلى الخرطوم. خلال فترة سجنه، تشكلت حركة متمردة تابعة له انضمت لحركات دارفور المعارضة في الخارج. أفرج عنه بفضل ثورة ديسمبر، ليكون بذلك قد تلقى درساً قاسياً في طبيعة الصراع مع المركز. عشية اندلاع الحرب الحالية، خرج هلال من الخرطوم إلى دارفور بحماية من قوات الدعم السريع، في مشهد دراماتيكي مماثل لخروج مناوي. سرعان ما اصطفت حركاته (مجلس الصحوة الثوري) إلى جانب الدعم السريع، مستخدماً لغة قبلية خطيرة في التعبئة العسكرية.

في مشهد كان من الصعب تخيله قبل سنوات، يبرز اليوم تحالف سياسي وعسكري بين موسى هلال، عدو الأمس الأول، ومني أركو مناوي، خصم الأمس. هذا التحالف لم ينشأ عن قناعات أيديولوجية أو رؤية وحدوية لدارفور، بل جاء كاستجابة مباشرة للمتغيرات التي فرضتها الحرب الحالية، وتحت مبدأ “عدو عدوي صديقي”. يجمع الطرفين هدف واحد واضح هو تحجيم نفوذ آل دقلو. فموسى هلال يرى في حميدتي منافساً تاريخياً سلبه زعامة المكونات العربية في دارفور وكان سبباً في سجنه لسنوات، بينما يرى مني أركو مناوي في تمدد الدعم السريع تهديداً وجودياً لسلطته كحاكم للإقليم ولوجوده كقائد لحركة مسلحة. ويميل الطرفان حالياً لدعم الجيش السوداني كغطاء شرعي خوفاً من انهيار الدولة وتحول دارفور إلى إقطاعيات عسكرية تسيطر عليها الدعم السريع.

ورغم الضجة الإعلامية التي صاحبت هذا التحالف، إلا أنه يواجه عقبات جوهرية تهدد استدامته. فأول هذه العقبات هو إرث الدماء؛ فالذاكرة الجمعية لمواطني دارفور لا تزال تستحضر الصراعات الدامية بين حركات الكفاح المسلح التي يمثلها مناوي والمجموعات العربية التي كان يقودها هلال، مما يجعل من الصعب على القواعد الشعبية للرجلين القتال معاً بثقة. كما أن الرؤى المستقبلية لإدارة الإقليم وتوزيع الثروة والسلطة تختلف جذرياً بين الرجلين؛ فالأول ينتمي لتيار الحركات المسلحة التاريخية التي تطالب بتغيير جذري، بينما الثاني يمثل مشروعاً قبلانياً يتطلع لاستعادة النفوذ القديم. إضافة إلى ذلك، فإن سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من ولايات دارفور تجعل من التحرك العسكري المشترك تحدياً لوجستياً كبيراً، وتضعف فرص التواصل المباشر بين القيادات وقواعدها.

يُعد مقتل خميس كندم، والي غرب دارفور، نقطة تحول مهمة في مسار الحرب. كان كندم واحداً من القادة الذين تم تهميشهم ضمن اتفاقية جوبا، حتى فرضه حميدتي والياً للجنينة كمعادلة إثنية ترضية للمساليت. عندما انحاز للجيش، لم تستطع الفرقة العسكرية الموجودة في الجنينة حمايته، وتم تصفيته في ظل صمت مريب. هذه الحادثة حملت عبرة واضحة للآخرين: التحالف مع طرف في هذه الحرب ليس ضماناً للحماية، بل قد يكون ورقة للمتاجرة السياسية. وتتميز الأجهزة الاستخباراتية السودانية بقدرتها على إشعال الصراعات القبلية وتوظيف الإعلام لصب الزيت على النار. فبينما كانت هذه الأجهزة تصور المذابح في الجنينة على أنها “صراع عربي ضد مساليت”، وفي الفاشر “عرب ضد زغاوة”، فإنها اليوم تضخ آلاف الصفحات لتحريض الماهرية ضد المحاميد، متناسية أن هذه المليشيات ذاتها كانت جزءاً من آلتها القمعية التي قتلت أكثر من 300 ألف شخص في دارفور. لقد أصبح البشير وأحمد هارون وموسى هلال أبطالاً يتم تمجيدهم اليوم، حتى من بعض ضحاياهم السابقين، بحجة أنهم “يتصدون للجنجويد الجدد”. هذا الانقلاب في الوعي هو أخطر ما أنتجته الحرب.

تحالف موسى هلال ومني أركو مناوي ليس تحالفاً استراتيجياً بقدر ما هو تحالف ظرفي ناتج عن أزمة وجودية يشعر بها الطرفان أمام تمدد الدعم السريع. لكن الإقحام المستمر للقبائل في صراعات سياسية مسلحة أمام قوة عسكرية كبيرة، مثل الدعم السريع التي واجهت الجيش في عقر داره، هو مغامرة غير محسوبة العواقب. يظل السؤال الأكبر: ماذا بعد انتهاء الحرب؟ هل سيعود هؤلاء القادة إلى تحالفاتهم القديمة، أم أن دارفور ستشهد جولة جديدة من الصراع بين حلفاء اليوم وأعداء الأمس؟ في النهاية، يدفع المواطن البسيط ثمن هذه “الأقنعة الزائفة” و”القراءات الخاطئة”. فما لم تخرج النخب السودانية من دائرة استغلال القبيلة لخدمة الطموحات الشخصية، ستبقى دارفور ترزح تحت وطأة حروب لا تنتهي، وأمراء حرب يتغيرون لكن الدماء التي تسفك تبقى دارفورية بامتياز.

بتاريخ السبت 21 مارس 2026.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x