تحليل محتوى مناهج التربية الوطنية في ضوء مبادئ المواطنة المتساوية في السودان

بقلم : عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
تمثل التربية الوطنية إحدى الأدوات المركزية التي تسعى الدول من خلالها إلى بناء الوعي الجمعي وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة، وذلك عبر المناهج الدراسية التي تصمم لتشكل وجدان النشء وتوجه تصوراتهم حول هويتهم وعلاقتهم بالدولة والمجتمع.
وفي سياق السودان، وهو بلد يمتاز بتنوع عرقي وثقافي وديني ولغوي عميق، تبرز أهمية تحليل مناهج التربية الوطنية لمعرفة مدى نجاحها في ترسيخ مبادئ المواطنة المتساوية التي لا تميز على أساس الأصل أو المنطقة أو الثقافة أو الدين. فالمواطنة المتساوية تقوم على مبدأ أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية، وهي بهذا المعنى تشكل إطاراً جامعاً قادراً على احتواء التنوع وتحويله من عامل صراع إلى مصدر قوة وثراء حضاري. غير أن الواقع السوداني يشهد منذ عقود طويلة صراعات مسلحة ونزاعات سياسية وحروب أهلية، كثير منها كان مرتبطاً بشكل أو بآخر بقضايا التهميش والإقصاء الثقافي والجهوي، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول دور المؤسسة التعليمية عموماً ومناهج التربية الوطنية خصوصاً في معالجة هذه الإشكاليات أو ربما في تعميقها. إن غياب فلسفة تربوية وطنية ثابتة ومستقلة جعل المناهج رهينة للتوجهات الحزبية والأيديولوجية للنظم المتعاقبة، فتحولت المدرسة من فضاء للتنوير والمواطنة إلى ساحة لتجييش الأجيال وفق رؤى ضيقة تخدم مشاريع سياسية لحظية بدلاً من خدمة مشروع وطني طويل الأمد قائم على الاعتراف بالتنوع والبناء على الاختلاف. تتمثل الإشكالية الرئيسية لهذه الورقة في السؤال المحوري التالي: إلى أي مدى تعكس مناهج التربية الوطنية في السودان مبادئ المواطنة المتساوية، بوصفها إطاراً جامعاً يعترف بالتنوع ويكافح خطاب الكراهية والإقصاء؟ وللإجابة عن هذا السؤال، ستتناول الورقة بالتحليل واقع المناهج السودانية وتطورها التاريخي، مع التركيز على الكتب المدرسية لمادة التربية الوطنية والدراسات الاجتماعية في المراحل الأساسية والثانوية، مستعينة بالدراسات السابقة والتقارير المحلية والدولية، كما ستناقش العوائق التي تحول دون تحقيق هذه المناهج لمبادئ المواطنة المتساوية، وتقترح في ختامها رؤية إصلاحية قابلة للتطبيق في سياق السودان الراهن الذي يعاني من حرب مدمرة وانقسام مجتمعي حاد.
لطالما ارتبط الجدل حول المناهج في السودان بالصراعات السياسية والأيديولوجية، حيث شهدت عمليات مراجعة متكررة تزامنت مع كل تحول سياسي أو انقلاب عسكري، مما أدى إلى حالة من الارتباك في العملية التعليمية وفقدان الاستقرار التربوي الضروري لبناء أجيال متزنة. فمنذ الاستقلال المعدوم في عام 1956م، تناوب على حكم السودان أنظمة مدنية وعسكرية مختلفة التوجهات، من حكومات ديمقراطية قصيرة العمر إلى أنظمة شمولية طويلة الأمد، وكلها سعت إلى توظيف التعليم لخدمة أهدافها السياسية. في الحقبة الأولى بعد الاستقلال، كانت المناهج السودانية لا تزال متأثرة إلى حد كبير بالنموذج الاستعماري البريطاني، لكنها حاولت تدريجياً بناء هوية سودانية خالصة قائمة على التوفيق بين المكون العربي الإسلامي والمكون الإفريقي. ثم جاءت مرحلة حكومة مايو بقيادة جعفر النميري (1969-1985م) التي حاولت فرض توجهات اشتراكية قومية على المناهج، مع تركيز على القومية السودانية الجامعة التي تذيب الخصوصيات في بوتقة هوية وطنية واحدة. لكن هذه المحاولة سرعان ما اصطدمت بتناقضات داخلية وتغيرت مع تحول النميري نحو التطبيق التدريجي للشريعة الإسلامية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، مما أدى إلى إدخال مفاهيم دينية في مناهج التربية الوطنية بشكل متزايد. غير أن أعمق تدخل وأكثرها إثارة للجدل حدث في عهد نظام الإنقاذ (1989-2019م) بقيادة عمر البشير، حيث تم إعادة هيكلة كاملة للمناهج الدراسية وفق رؤية إسلامية متشددة. ففي هذه الحقبة، لم تعد التربية الوطنية مجرد مادة دراسية تعنى بتنشئة المواطن الصالح، بل تحولت إلى أداة أيديولوجية صارمة تهدف إلى إعادة هندسة الوعي العام وفرض رؤية أحادية على مجتمع هش ومتنوع ثقافياً ولغوياً، وهو ما وصفه خبراء بأنه تسبب في أضرار جسيمة لهيكل النظام التعليمي السوداني. فقد تم إدخال مفاهيم مثل “الحكم الإسلامي” و”الولاء والبراء” و”الجهاد” في كتب التربية الوطنية، كما تم التركيز على الهوية العربية الإسلامية باعتبارها الهوية السودانية الأصيلة، في مقابل تهميش أو تجاهل الهويات الإفريقية والمسيحية والديانات والثقافات المحلية الأخرى. هذه التغييرات المتكررة لم تقوض فقط استقرار التعليم، بل أسهمت في إنتاج أجيال متصارعة فكرياً وسياسياً، وخلقت شرخاً عميقاً بين السودانيين لا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم في ظل الحرب الدائرة. ومع سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019م وقيام الفترة الانتقالية، بدأت تطلعات جديدة لإصلاح المناهج، لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023م أوقفت كل هذه الجهود وأغرقت البلاد في فوضى عارمة.
تعد قضية الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والجهوي من أبرز التحديات التي تواجه مناهج التربية الوطنية السودانية. فقد كشفت دراسة تحليلية موسعة أجراها باحثون سودانيين واجانب، حيث تم تحليل 45 كتاباً دراسياً في المواد الإنسانية والاجتماعية بالمرحلتين الأساسية والثانوية، أن النصوص والصور في الكتب المدرسية السودانية تؤكد بشكل منهجي على الهوية العربية على حساب الهوية الإفريقية أو السودانية الجامعة. فالكتب المدرسية، على سبيل المثال، تقدم التاريخ السوداني وكأنه يبدأ مع وصول العرب والمسلمين إلى المنطقة، في حين يتم تجاهل أو تقليص دور الممالك الإفريقية القديمة مثل مملكة مروي ومملكة علوة ومملكة المقرة والممالك النوبية الأخرى التي ازدهرت في وادي النيل لآلاف السنين قبل الإسلام. كما أن محتوى كتب التربية الوطنية يخلو تقريباً من أي إشارات إيجابية إلى الثقافات المحلية الأفريقية، مثل لغات النوبة والفور والزغاوة والمساليت والعديد من المجموعات العرقية الأخرى، أو إلى عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السوداني. بل الأكثر من ذلك، تحتوي بعض الكتب المدرسية على تحيزات واضحة ومعلومات مغلوطة أو صور نمطية سلبية حول الجماعات غير العربية أو غير المسلمة، مما يعزز مشاعر الدونية لدى الطلاب المنتمين لهذه الجماعات، ويغذي في المقابل مشاعر التفوق العرقي والثقافي لدى الطلاب المنتمين للجماعة العربية المسلمة المسيطرة. وبالمثل، أظهرت دراسة تحليلية سابقة أجرتها الباحثة هالة أسمينة إبراهيم عام 2008م أن المناهج الأساسية السودانية تحرم قطاعات واسعة من السكان من هويتهم وثقافتهم، وتقوم بدور فعال في استقطاب المجتمع بدلاً من توحيده، مما يجعل التعليم أداة للصراع وليس للتماسك الاجتماعي. فقد وجدت الدراسة أن الأطفال من مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ومناطق شرق السودان التي يسكنها مجموعات غير عربية بصورة واسع، عندما يذهبون إلى المدرسة ويقرأون كتب التربية الوطنية، لا يجدون أي تمثيل لثقافتهم أو لغتهم أو تاريخهم، بل يجدون أن ما يقدم على أنه “تراث وطني” هو في حقيقة الأمر تراث عربي إسلامي لا علاقة له بهويتهم الأصلية. هذا الشعور بالاغتراب والرفض الثقافي يدفع كثيراً من هؤلاء الأطفال إما إلى الانقطاع عن التعليم أو إلى تطوير مشاعر سلبية تجاه الدولة والمجتمع، مما يخلق أرضاً خصبة للتطرف والعنف والتمرد. كما أن هذه السياسة التعليمية تؤدي إلى إنتاج مواطنين من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية، حيث يتمتع الأولون بهويتهم المعترف بها والمدعومة من المناهج، بينما يعاني الآخرون من شعور دائم بالنقص والاستبعاد. هذا التمييز المنهجي في المحتوى التعليمي يتناقض بشكل صارخ مع مبادئ المواطنة المتساوية التي تقوم على الاعتراف بجميع المواطنين كأعضاء كاملي العضوية في المجتمع السياسي، بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية.
إلى جانب إقصاء التنوع الثقافي والجهوي، تعاني مناهج التربية الوطنية السودانية أيضاً من إشكالية خطيرة تتعلق بمعالجة قضايا الدين والمواطنة. فالسودان بلد يتسم بتنوع ديني كبير، حيث يشكل المسلمين الأغلبية لكن توجد أيضاً أقليات مسيحية كبيرة في جنوب السودان (قبل الانفصال) وفي مناطق جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق واخيرا دارفور، بالإضافة إلى وجود معتقدات تقليدية أفريقية في مناطق واسعة من غرب السودان وشرقه وجنوبه. غير أن مناهج التربية الوطنية، خاصة في عهد نظام الإنقاذ، صُممت على أساس أن السودان دولة إسلامية وأن جميع المواطنين مسلمون، أو على الأقل أن الإسلام هو الإطار المرجعي الوحيد المعترف به للمواطنة. ففي كتب التربية الوطنية، تم تعريف المواطنة الصالحة بأنها تلك التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية وتقدس الحاكم المسلم وتقبل بالولاء للدولة الإسلامية. بالنسبة للطلاب غير المسلمين، هذا التعريف يضعهم في موقع مستحيل، لأنه يطلب منهم إما التنازل عن هويتهم الدينية واعتناق الإسلام، أو قبول أنهم مواطنون من الدرجة الثانية ليس لهم نفس الحقوق والواجبات. بطبيعة الحال، هذا النوع من المحتوى يغذي مشاعر التهميش والإحباط لدى الأقليات الدينية، ويدفع بعضهم إلى البحث عن حلول خارج إطار الدولة السودانية، سواء بالهجرة أو بالتمرد المسلح أو بالمطالبة بالانفصال. وقد كان هذا أحد العوامل المساهمة في الحرب الطويلة في جنوب السودان والتي انتهت بانفصال الجنوب عام 2011م، وما زالت أثاره مستمرة في مناطق مثل جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق حيث لا تزال حركات مسلحة تخوض حرباً ضد الحكومة المركزية. حتى اليوم، ورغم انفصال الجنوب، توجد أقليات مسيحية كبيرة في شمال السودان، خصوصاً في الخرطوم والمدن الكبرى وفي مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق، وهؤلاء المواطنون ما زالوا يعانون من نفس الإقصاء والتمييز في المناهج الدراسية. من جهة أخرى، حتى داخل الأغلبية المسلمة نفسها، هناك تنوع مذهبي وفقهي وثقافي كبير، فالسودان يضم مسلمين من مذاهب مختلفة (مالكية وحنفية وشافعية وأتباع طرق صوفية متنوعة وتيارات إسلامية أخرى)، كما أن الثقافة الإسلامية السودانية تتشابك مع تقاليد وعادات محلية أفريقية قديمة تشكل ما يعرف بـ”الإسلام الأفريقي” الذي يتميز بالتسامح والانفتاح على الآخر. لكن مناهج التربية الوطنية، خاصة في الفترة الأكثر تشدداً، تجاهلت هذا التنوع الداخلي وقدمت صورة أحادية وتصلبية للإسلام تتعارض مع واقع التعددية والتعايش السلمي الذي ظل سمة مميزة للمجتمع السوداني لقرون. هذا التقليل من شأن التنوع داخل الإسلام نفسه ساهم في خلق مناخ من التعصب والجمود الفكري، مما جعل من الصعب على المناهج أن تعزز قيماً مثل الحوار والتسامح واحترام الاختلاف، وهي قيم جوهرية لأي مواطنة متساوية.
يتفاقم أثر هذه الإشكاليات التعليمية في سياق تاريخي من الصراعات المسلحة والانقسامات الاجتماعية العميقة. فالسودان عانى منذ استقلاله من حروب أهلية متعاقبة: الحرب الأهلية الأولى (1955-1972م) والحرب الأهلية الثانية (1983-2005م) التي أدت إلى انفصال جنوب السودان، ثم حرب دارفور (2003-2020م) التي اتهمت فيها الحكومة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، ثم حرب جبال النوبة والنيل الأزرق (2011-2020م)، وأخيراً الحرب الحالية التي اندلعت في أبريل 2023م بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي تسببت في مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من عشرة ملايين شخص داخل السودان وخارجه. في كل هذه الصراعات، كان خطاب الإقصاء والتهميش الثقافي والسياسي حاضراً بقوة. كثير من الحركات المسلحة، خاصة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، رفعت شعارات تطالب بالاعتراف بالتنوع والمساواة في الحقوق والمواطنة المتساوية، بمعنى أن يكون كل السودانيين متساوين أمام القانون بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو منطقتهم. لكن مناهج التربية الوطنية، بدلاً من أن تعالج جذور هذه المظالم، ظلت تتجاهلها أو تنكر وجودها أو تقدمها كتهديد للوحدة الوطنية. هذا الموقف التعليمي جعل من المستحيل بناء ثقافة سلام حقيقية قائمة على الاعتراف بالمظالم التاريخية ومعالجتها بطرق سلمية. فبدلاً من أن تعلم المدرسة الطلاب كيفية نقد التمييز والظلم والتحرك لإصلاحه بالوسائل الديمقراطية، علمتهم أن الولاء المطلق للدولة والأيديولوجية الحاكمة هو جوهر المواطنة الصالحة. هذا النوع من التعليم الأعمى يخلق مواطنين إما مذعنين ومسالمين بشكل سلبي، أو متمردين وثائرين بشكل عنيف، لكنه نادراً ما يخلق مواطنين ناقدين مستنيرين قادرين على الإصلاح التدريجي السلمي. وفي ظل غياب قنوات التعبير السياسي الديمقراطية، تحولت الساحة التعليمية إلى ساحة صراع أخرى، حيث يصبح تغيير المناهج هدفاً سياسياً بقدر ما هو هدفاً تربوياً. كل نظام جديد يحاول إعادة كتابة التاريخ وصياغة الهوية الوطنية وفق رؤيته الخاصة، مما يخلق حالة من الانقطاع المعرفي والتربوي، ويجعل الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة تعيش في عوالم ثقافية مختلفة ومتناقضة، وهذا بدوره يضعف التماسك الاجتماعي عبر الأجيال ويجعل من الصعب بناء ذاكرة وطنية مشتركة.
في هذا السياق المضطرب، جاءت الحرب الحالية التي اندلعت في أبريل 2023م لتدمر أي بقايا من نظام تعليمي كان قائماً. فقد تم تدمير آلاف المدارس والجامعات بشكل كامل أو جزئي بسبب القصف والقصف المدفعي والاشتباكات العسكرية، إما بشكل مباشر أو لأنها تحولت إلى معسكرات لقوات الجيش والدعم السريع أو إلى ملاجئ للنازحين. أكثر من تسعة عشر مليون طفل سوداني خارج المدارس حالياً، وفقاً لتقارير اليونيسف، وهؤلاء الأطفال لا يعانون فقط من فقدان التعليم، بل أيضاً من صدمات نفسية عميقة بسبب العنف الذي عايشوه أو شهدوه أو سمعوا عنه. في هذا الوضع الكارثي، يتساءل خبراء التربية والمراقبون: كيف يمكن الحديث عن تطوير مناهج التربية الوطنية في ظل انهيار كامل للبنية التحتية للتعليم؟ كيف يمكن بناء مواطنة متساوية عندما يكون المجتمع نفسه ممزقاً بحرب أهلية طائفية ذات أبعاد إقليمية وعرقية واضحة؟ لكن على الجانب الآخر، يرى بعض المختصين أن الحرب بالذات تخلق حاجة ماسة لإصلاح المناهج بشكل جذري، لأنها كشفت بشكل صارخ فشل النموذج التعليمي القديم في بناء مجتمع متماسك قادر على حل خلافاته بالحوار والطرق السلمية. فالحرب الحالية، التي بدأت كصراع على السلطة بين الجنرالات، سرعان ما تحولت إلى صراع له أبعاد جهوية وعرقية، حيث انقسمت القوات المسلحة على أسس مناطقية وقبلية، وظهرت ميليشيات قبلية في دارفور وغيرها تقاتل إلى جانب كل طرف. هذا الانقسام يعكس فشل المناهج التعليمية القديمة في خلق هوية وطنية قوية تتجاوز الانتماءات الضيقة. وبالتالي، فإن أي عملية سلام مستقبلية في السودان، مهما كانت صعبة، يجب أن تشمل إصلاحاً شاملاً للمناهج الدراسية كجزء لا يتجزأ من بناء السلام المستدام. فكما أن المحكمة الجنائية ولجان التحقيق والمصالحة مهمة لمعالجة ماضي الحرب، فإن المدرسة مهمة لبناء مستقبل السلام. يجب أن تعلم مناهج التربية الوطنية الجديدة الطلاب كيف يفكرون بشكل نقدي في أسباب الحرب وكيف يمكن منع تكرارها، ويجب أن تعترف بالألم والمعاناة التي عانى منها جميع السودانيين بغض النظر عن انتماءاتهم، ويجب أن تعزز قيم التسامح واللاعنف وحل النزاعات بالطرق السلمية. هذه المناهج يجب أن تكون من صنع السودانيين أنفسهم من خلال حوار وطني شامل، وليس مفروضة من أعلى من قبل حكومة أو أيديولوجية معينة.
بالنظر إلى الجهود المحلية والدولية التي بذلت قبل الحرب لإصلاح المناهج في ضوء قيم المواطنة العالمية والمواطنة المتساوية، نجد أن هناك مبادرات مهمة لكنها ظلت محدودة وغير قادرة على إحداث تغيير جذري. فقد نظمت منظمة اليونسكو، بالتعاون مع المركز القومي للمناهج والبحوث التربوية في السودان، سلسلة من ورش العمل التدريبية لمطوري المناهج حول كيفية دمج قيم المواطنة العالمية (Global Citizenship Education) في المقررات الدراسية. كما قامت منظمة الإيسيسكو (ICESCO) بتنظيم فعاليات مماثلة ركزت على تعزيز قيم الاعتدال والتسامح والتعايش السلمي في مناهج التربية الوطنية في الدول الأعضاء، بما فيها السودان. وقد شارك في هذه الورش عدد من الخبراء والأكاديميين السودانيين، وتم إنتاج بعض المواد التدريبية والتوجيهية التي تشرح كيفية تحليل المحتوى الحالي وتحديد مواطن التحيز والإقصاء، وكيفية تطوير محتوى جديد أكثر شمولاً وتوازناً. غير أن هذه الجهود واجهت عدة تحديات رئيسية.
● أولاً، ضعف الحوكمة وغياب الشفافية في المؤسسات التعليمية السودانية جعل من الصعب تطبيق هذه التوصيات بشكل فعلي على أرض الواقع. فالنظام المدرسي في السودان لا يزال يتسم بالسلطوية والجمود، حيث لا يملك المعلمون أو الطلاب أو أولياء الأمور أي سلطة حقيقية في تقرير محتوى المناهج أو طرق تدريسها. القرارات تصدر من أعلى الهرم (الوزارة والمجلس القومي للمناهج) ويتم تنفيذها بشكل إملائي في القاع، دون أي مرونة أو استجابة للسياقات المحلية المختلفة.
● ثانياً، غياب الإرادة السياسية المستقرة والمستدامة: أي إصلاح للمناهج في السودان يظل مهدداً بالاستغلال السياسي والتراجع ما لم يتم تسليمه لهيئة مهنية مستقلة محصنة ضد التغييرات الدورية للحكومات. فكل حكومة جديدة ترى أنه من حقها إعادة كتابة المناهج بما يتوافق مع رؤيتها الأيديولوجية، وهذا يجعل أي إصلاح مؤقتاً وغير قابل للاستدامة.
● ثالثاً، ندرة الموارد المالية والبشرية: تتطلب عملية تطوير المناهج تمويلاً كبيراً لطباعة الكتب الجديدة وتوزيعها وتدريب المعلمين وتأهيلهم، وهي موارد تتنافس مع أولويات إنسانية أكثر إلحاحاً في خضم الأزمة الاقتصادية والحرب. ففي الوقت الحالي، حتى توفير الحد الأدنى من الكتب المدرسية والقرطاسية للطلاب أصبح صعباً، فكيف بالتفكير في إصلاح شامل؟
● رابعاً، غياب الإرادة المجتمعية الواسعة: رغم أن الكثير من السودانيين يدركون مشاكل المناهج الحالية، إلا أن هناك انقساماً حول ما يجب أن تحل محله. فبعض القوى السياسية والاجتماعية تريد مناهج أكثر علمانية وحداثية، وأخرى تريد مناهج أكثر إسلامية، وثالثة تريد مناهج أكثر جهوية وتعددية. هذا الانقسام يعكس الصراع الأعمق حول هوية الدولة السودانية نفسها، وهو صراع لا يمكن حله من خلال المناهج وحدها، بل يحتاج إلى حوار وطني شامل حول مستقبل السودان كدولة.
في الختام، يمكن القول إن مناهج التربية الوطنية في السودان لا تعكس بشكل كافٍ مبادئ المواطنة المتساوية، بل ظلت لعقود أداة بيد النخب السياسية لفرض رؤيتها الأحادية على مجتمع متعدد، مما أسهم في تعميق خطاب الإقصاء والتهميش الذي غذى الصراعات المسلحة. إن المشكلة ليست فقط في محتوى الكتب المدرسية، بل في فلسفة التعليم ذاتها وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع وفي غياب الديمقراطية الحقيقية والاعتراف بالآخر. إن التحدي الحقيقي لا يقتصر فقط على تعديل النصوص، بل يتطلب تغييراً جذرياً في طريقة التفكير حول التعليم والمواطنة والهوية الوطنية. فبدلاً من أن تكون المدرسة معقلاً للأيديولوجيا والقمع، يجب أن تكون فضاءً مفتوحاً للحوار والنقد والاختلاف البناء، حيث يتعلم الطلاب ليس فقط حقوقهم وواجباتهم، بل أيضاً كيف يفكرون بشكل مستقل، كيف يحترمون آراء الآخرين، كيف يحلون خلافاتهم بالطرق السلمية، كيف يوازنون بين ولائهم لجماعاتهم المحلية وولائهم للوطن الجامع. هذا النوع من التعليم يحتاج إلى معلمين مؤهلين تأهيلاً جيداً، ومناهج مرنة قابلة للتكيف مع السياقات المحلية، ونظام إدارة مدرسي ديمقراطي يشرك الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور في صنع القرار. كما يحتاج إلى دولة قانون تحترم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وإلى مجتمع مدني نشط يضغط من أجل الإصلاح ويمسك الحكومة بالمساءلة. في ظل الحرب الحالية، تبدو هذه الرؤية بعيدة المنال، لكنها في الوقت نفسه أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لأن الحرب كشفت أن النظام القديم لم يعد صالحاً للاستمرار، وأن السودان بحاجة إلى بناء جديد من الألف إلى الياء، ويبدأ هذا البناء من المدرسة.
تحقيقاً لهذه الرؤية، يمكن اقتراح عدد من التوصيات العملية:
● أولاً، يجب العمل على صياغة فلسفة تربوية وطنية جامعة بالاستناد إلى حوار وطني شامل يشارك فيه الخبراء وأولياء الأمور والمجتمع المدني والقوى السياسية والمجموعات الثقافية والدينية المختلفة. يتم في هذا الحوار الاتفاق على مبادئ ثابتة للمناهج لا تتغير بتغير الحكومات، ترتكز على الاعتراف بالتنوع الثقافي والجهوي كأساس للوحدة الوطنية، وعلى تعزيز قيم المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان والسلام والديمقراطية.
● ثانياً، تشكيل لجنة مهنية مستقلة لتحليل كل الكتب المدرسية الحالية، لا سيما كتب التربية الوطنية والتاريخ والدراسات الاجتماعية، بهدف تنقيح أي محتوى يحرض على الكراهية أو العنصرية أو التمييز، أو يهمش هويات بعينها، أو يقدم صورة نمطية سلبية عن أي مجموعة من السودانيين. هذه اللجنة يجب أن تكون متنوعة في عضويتها (رجال ونساء، من خلفيات عرقية ودينية وجهوية مختلفة) وأن تعمل بشفافية ونزاهة.
● ثالثاً، دمج قيم المواطنة المتساوية بطرق غير مباشرة وجاذبة، مثل الأساليب القصصية والفنية والمسرحية والألعاب التعليمية، بدلاً من الوعظ والإرشاد المباشر الذي غالباً ما يكون غير فعال. الطلاب يتعلمون بشكل أفضل عندما يشاركون بنشاط في عملية التعلم، وعندما يرون أنفسهم وثقافاتهم ممثلة في المواد الدراسية.
● رابعاً، إعادة بناء المدرسة كفضاء للسلام، وذلك قبل أي إصلاح للمناهج وبالتوازي معه. يجب العمل على إيقاف الحرب فوراً وإعادة فتح المدارس في المناطق الآمنة، وتأمين بيئة تعليمية مستقرة وآمنة تدعم الصحة النفسية للطلاب والمعلمين الذين عانوا من صدمات الحرب. المدارس يجب أن تصبح مراكز مجتمعية تقدم الدعم النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى التعليم الأكاديمي.
● خامساً، الاستثمار في تدريب المعلمين وتأهيلهم، لأن المعلم هو العنصر الأهم في أي إصلاح تعليمي، بغض النظر عن جودة المناهج. المعلمين السودانيين يحتاجون إلى تدريب في مجالات متعددة: طرق التدريس التفاعلية، إدارة الصف الديمقراطية، حل النزاعات، تعزيز التسامح، الاعتراف بالتنوع، الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، وغيرها. بدون معلمين مؤهلين ومتحمسين، ستبقى أفضل المناهج مجرد حبر على ورق.
● سادساً، إشراك الطلاب أنفسهم في عملية تطوير المناهج، من خلال استطلاعات الرأي ومجموعات التركيز والبرامج التجريبية. الطلاب هم المستفيدون الأساسيون من التعليم، وآراؤهم وتجاربهم يمكن أن تقدم رؤى قيمة حول ما ينجح وما لا ينجح في المناهج الحالية.
● سابعاً، بناء شراكات مع المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الدولية والخبرات الإقليمية والدولية للاستفادة من أفضل الممارسات في مجال تطوير مناهج التربية الوطنية والمواطنة المتساوية، مع مراعاة خصوصية السياق السوداني وعدم استيراد حلول جاهزة لا تتناسب مع الواقع المحلي.
● ثامناً، تخصيص ميزانية كافية ومستدامة لعملية إصلاح المناهج، لأن التعليم الجيد يتطلب استثماراً حقيقياً، ليس فقط في الكتب والمواد، بل أيضاً في البنية التحتية للمدارس، وفي رواتب المعلمين، وفي أنظمة التقييم والمتابعة. في النهاية، يجب أن نتذكر أن بناء المواطنة المتساوية من خلال التعليم هو مشروع طويل الأجل قد يستغرق عقوداً، لكنه المشروع الوحيد القادر على إنقاذ السودان من دوامة العنف والصراع التي يعيشها منذ استقلاله. الاستمرار في سياسات الإقصاء والتمييز في المناهج، كما تفعل بعض الأطراف المتشددة اليوم، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الحرب والدمار. أما التحول نحو مناهج تعترف بالتنوع وتعزز المساواة والتسامح، فهو السبيل الوحيد لبناء سودان جديد يسع الجميع، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأفارقة، شماليين وجنوبيين وشرقيين وغربيين، كلنا سواسية في المواطنة وحقوق الإنسان والكرامة.
بتاريخ 14أبريل2026م



