تخريج ضباط حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور في الأكاديمية العسكرية بجبل مرة – 21 إكتوبر 2025م

بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)
● الجبل الذي ظلّ شاهداً على عناد الأرض وحيات الإنسان
في صباحٍ يفيض بالرمزية والصلابة، وفي قلب جبل مرة، الجبل الذي عرفته الإنسانية من صدى البنادق إلى نُبل الوعي، أقامت حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور حفل تخريج دفعة جديدة من ضباطها بالأكاديمية العسكرية التابعة للحركة في يوم 21 أكتوبر 2025.
لم يكن ذلك اليوم مجرد مناسبة تنظيمية داخلية، بل حدثاً سياسياً بامتياز حمل في مضامينه إشاراتٍ عميقة عن طبيعة المرحلة التي تمر بها الحركة، وعن رؤيتها لمستقبل السودان في ظلّ واقعٍ مضطرب تتنازع فيه القوى على السلطة بينما تظلّ فكرة الوطن تبحث عن من يحملها بصدق.
لقد اختارت الحركة أن يكون مسرح الاحتفال جبل مرة، وهو ليس مكاناً عادياً، بل أحد رموز الوجدان الدارفوري والمقاومة السودانية. كما اختارت أن يتزامن مع ذكرى 21 أكتوبر، في استحضارٍ لروح ثورة 1964 التي أطاحت بالديكتاتورية وأعلنت أن الشعب هو مصدر الشرعية.
بهذا المزج بين المكان والتاريخ، أرسلت الحركة رسالة بليغة: أن جذوة الثورة لم تنطفئ، وأن البناء المؤسسي داخلها يسير بخطى ثابتة رغم القطيعة الإعلامية والتهميش السياسي.
● بين التدريب والانتماء للمبدأ
جاء الحفل منظماً بعنايةٍ تليق بجيشٍ تمرّس في الميدان ولم يفقد حسّه الوطني. شهدت ساحة الأكاديمية استعراضاً للضباط الجدد الذين أنهوا فترة تدريبهم بنجاح، وسط حضور قيادات الحركة العسكرية والسياسية.
وقد ألقى اللواء ركن يوسف أحمد يوسف (كرجكولا)، رئيس هيئة الأركان، كلمةً مؤثرة هنأ فيها الخريجين وأكد أن الانضباط والولاء للمبدأ هما الركيزتان الأساسيتان لأي قوة تحمل مشروع التغيير.
وفي كلمته شدّد على أن الأكاديمية لم تُنشأ لتكريس فكرة الحرب، بل لإنتاج كوادر عسكرية تؤمن بأن السلاح وسيلةٌ لحماية المواطن، لا أداة لقمعه.
بدا المشهد مهيباً: شبابٌ من مختلف أقاليم دارفور، وبعضهم من مناطق النزوح واللجوء، يؤدون القسم أمام قادتهم بأن يكونوا حماةً للسلام العادل، لا جنوداً في صراعات السلطة. كانت في عيونهم ملامح الصبر ووهج الانتماء لقضيةٍ تتجاوز الجغرافيا، لتصل إلى عمق فكرة الحرية والكرامة الإنسانية.
● الثورة تبني مؤسساتها
من منظورٍ سياسي، يُمكن قراءة تخريج هذه الدفعة كإشارة قوية على أن الحركة، رغم التحديات، تسعى إلى الانتقال من مرحلة المقاومة العفوية إلى مرحلة التنظيم المؤسسي.
فقد أدركت القيادة أن أي حركة تحررٍ لا تستند إلى الانضباط والتأهيل المهني، ستظلّ رهينة الشعارات، ولهذا جاء تأسيس الأكاديمية العسكرية كخطوة لبناء جيشٍ وطنيٍ مؤهلٍ فكرياً ومهنياً، لا يتبع لأشخاص بل لمبادئ.
يقول الأستاذ: عبدالواحد محمد أحمد النور في إحدى خطبه الثابتة: «لسنا جيشاً يسعى إلى سلطة، بل حركة تحرّرٍ تسعى إلى عدالةٍ تصون إنسان هذا الوطن.»
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى بين مفهوم “العسكرة الثورية” كما تراها الحركة، ومفهوم “المليشيا” كما تمارسه قوى السلطة. فالأولى تقوم على مبدأ الدفاع عن القيم والمواطنين، بينما الثانية تقوم على حماية الكراسي والمصالح.
إن بناء أكاديميةٍ للتأهيل داخل مناطق الحركة هو إعلان عن رؤية طويلة المدى لبناء مؤسسة عسكرية قادرة على الاندماج مستقبلاً في جيشٍ وطني مهني بعد تحقيق السلام العادل.
● أكتوبر الثورة وأكتوبر البناء
ليس اختيار 21 أكتوبر مصادفة؛ فذلك اليوم من العام 1964 شهد انتفاضةً شعبية أسقطت أول نظام عسكري في السودان، وكانت أول صوتٍ جماهيريٍ يقول: لا للاستبداد.
وبتخريج الضباط في ذات اليوم، أرادت الحركة أن تقول إن جذور المقاومة السودانية تمتد من الماضي إلى الحاضر، وإن روح أكتوبر لا تزال تنبض في دماء جيلٍ جديدٍ من أبناء دارفور والسودان الذين لم يُهزموا رغم الجراح.
هنا تتلاقى رمزية الثورة الوطنية الكبرى مع الثورة التحرّرية في الهامش، في وحدةٍ موضوعيةٍ تقول إن معركة الكرامة واحدة، وإن العدل ليس جغرافيا بل قيمةٌ أخلاقية.
● الأكاديمية العسكرية كمؤشر على النضج التنظيمي
من الناحية التحليلية، يُمكن النظر إلى الأكاديمية العسكرية للحركة باعتبارها تحوّلاً هيكلياً في مسارها. فبعد سنواتٍ من النضال الميداني المفتوح، تأتي هذه الخطوة لتؤكد أن الحركة تتجه نحو بناء مؤسساتٍ دائمة، تُدرّب كوادرها وتؤهلهم وفق رؤية فكرية واضحة.
وهذا التحول يُعبّر عن إدراكٍ عميقٍ من قيادة الحركة أن الثورة التي لا تمتلك مؤسسات تنتهي إلى العدم، وأن الدفاع عن الحقوق يحتاج إلى بنيةٍ فكرية وتنظيمية قبل أن يكون مجرد معركة عسكرية.
كما أن الأكاديمية تحمل طابعاً تربوياً واضحاً: فهي لا تُعلّم استخدام السلاح فقط، بل تُدرّس مبادئ القانون الإنساني، حقوق المدنيين، وقيم العدالة الاجتماعية. وهو ما يجعلها تختلف جذرياً عن مدارس العنف التقليدية في النزاعات الإفريقية.
بهذه المقاربة، يمكن القول إن الحركة تسعى لخلق جيشٍ يحمل مشروع “دولة المواطنة المتساوية”، حيث لا فرق بين مركزٍ وهامش، بين قبيلةٍ وأخرى، بين دينٍ أو لونٍ أو منطقة.
● بين تحديات الواقع وأفق الأمل
لا يمكن تجاهل التحديات التي تواجه الحركة في هذا المسار؛ فالوضع الإنساني في دارفور معقّد، والبيئة السياسية في السودان مشبعة بالانقسامات، والمجتمع الدولي ما يزال ينظر إلى قضايا الهامش بعدسةٍ أمنيةٍ ضيقة.
لكن ما يميّز حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد هو ثباتها على المبادئ رغم العزلة، ورفضها المساومة على حساب العدالة.
كما قال الأستاذ عبدالواحد في أكثر من مناسبة:«لسنا ضد السلام، نحن ضد الزيف الذي يُسمّى سلاماً دون معالجة جذور المأساة.»
بهذا الموقف، تضع الحركة نفسها في خانة القوى الوطنية الأخلاقية التي تؤمن بأن السلام الحقيقي يبدأ من العدالة، وأن بناء الجيش والإنسان معاً هو الطريق الوحيد لإنقاذ السودان من دورات الانقسام والعنف.
● فرحة النضال وبشارة البناء
في خضمّ هذا الحدث، تتوجه أسمى التهاني إلى قيادة الحركة العامة وعلى رأسها الأستاذ عبدالواحد محمد أحمد النور، وإلى هيئة الأركان، وضباط الأكاديمية، والرفاق والرفيقات الذين جعلوا من الانضباط والتدريب فعلاً وطنياً يضاهي في رمزيته ميادين الثورة الأولى.
إن تخرّج هذه الدفعة ليس مجرد نجاحٍ تنظيمي، بل شهادة بأن الإيمان بالمبدأ ما زال قادراً على إنتاج الأمل.
ولكل رفيقٍ ورفيقةٍ شاركوا في هذا الإنجاز، تُرفع التحية تقديراً لصبرهم وإخلاصهم وإيمانهم بأن الوطن لا يُبنى إلا بسواعدٍ نظيفةٍ وقلوبٍ مؤمنةٍ بالمواطنة المتساوية.
● نحو جيشٍ وطنيٍ يحرس العدالة
في ضوء هذه الخطوة، تبدو ملامح رؤية الحركة أكثر وضوحاً:جيشٌ واحدٌ مهنيّ، يخضع للقيادة المدنية، يحمي الدستور لا الحاكم، ويكون مرآةً لوحدة الوطن لا انقسامه.
تلك الرؤية ليست شعاراً بل مشروعاً تاريخياً لإعادة تعريف “القوة” في الوعي السوداني: فالقوة ليست في السيطرة بل في الخدمة، وليست في القمع بل في حماية الإنسان.
وبهذا المعنى، فإن تخريج الضباط في جبل مرة يُعدّ إعلاناً عن ولادة نواةٍ أولى لجيش المستقبل – جيشٍ عقيدته حماية الشعب لا حماية النظام، وجوهره العدالة لا الولاء السياسي.
● بارقة أمل نحو دولة المواطنة المتساوية
يوم 21 أكتوبر 2025 سيبقى محفوراً في ذاكرة الثورة السودانية كرمزٍ لانبعاث الوعي من رماد الحرب.
ومن بين صخور جبل مرة ووديانها الخضراء، خرجت كوكبةٌ جديدة من أبناء السودان، تحمل في عقولها فكر الثورة، وفي صدورها قسم الانتماء للحق.
إنها بارقة أمل في زمنٍ يوشك فيه الوطن على التيه، لكنها تقول بوضوح: لا يزال هناك من يؤمن أن السودان يمكن أن يولد من جديد.
كما قال الرفيق عبدالواحد محمد أحمد النور:«سنعمل على بناء دولةٍ تُساوي بين مواطنيها، نمدّ يدنا للسلام ونحمل وجداننا للدفاع عن العدالة.»
وهكذا، من قلب الجبل، يتجدّد النداء:
أن النضال لم يكن يوماً دعوةً للحرب، بل طريقاً نحو سلامٍ يقوم على المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.
وفي تخريج هؤلاء الضباط، تتجسّد معاني الصبر والإصرار والوفاء، وتتأكد أن الثورة السودانية – رغم الدم والخذلان – ما تزال تسير بخطى ثابتة نحو فجرٍ جديدٍ من العدالة والسلام.
الحرية – العدل – السلام – الديمقراطية
هي ليست شعاراتٍ للحركة فحسب، بل مشروع حياةٍ لوطنٍ يبحث عن نفسه منذ عقود.
بتاريخ: 23 إكتوبر 2025م


