مقالات الرأي

تشكيل الحكومة الجديدة في تشاد: هل تبدأ مرحلة المواطنة المتساوية أم يعيد التاريخ نفسه؟


بقلم:عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


في خطوة سياسية وصفت بأنها تاريخية على المستوى التشادي والإقليمي، شهدت جمهورية تشاد يوم أمس الأول الموافق الأول من أبريل عام 2026م تشكيل حكومة جديدة تضم تسعة وثلاثين عضواً، في مشهد سياسي معقد يبعث على التساؤلات الجادة حول مسار الدولة التشادية في المرحلة المقبلة. فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة على جميع الأصعدة الأكاديمية والسياسية والشعبية هو: هل ستنجح هذه الحكومة الجديدة المؤلفة من تسعة وثلاثين وزيراً وكاتب دولة في ترسيخ دعائم “دولة المواطنة المتساوية” التي طالما حلم بها التشاديين على مر العقود الماضية، أم أن التاريخ السياسي التشادي، بإرثه الثقيل من الانقلابات والحروب الأهلية والهيمنة الإقليمية والقبلية، سيعيد نفسه مجدداً، لتبقى تشاد تراوح في مكانها بين طموحات شعوبها وواقع نخبها المستفيدة من استمرار الأوضاع كما هي عليه؟
لفهم الإجابة عن هذا السؤال المصيري، لا بد من الغوص بعمق في البنية التاريخية والسياسية والاجتماعية التي تشكلت عليها تشاد الحديثة، بدءاً من الحقبة الاستعمارية الفرنسية التي وضعت الأسس الأولى لنظام حكم قائم على تقسيم المجتمع إلى نخب محلية معترف بها وآخرين مهمشين، مروراً بفترة ما بعد الاستقلال التي شهدت صراعات دموية على السلطة بين الشمال والجنوب، ووصولاً إلى العقدين الأخيرين اللذين شكلا فيهما المشير إدريس ديبي وحلفاؤه النظام الحاكم، قبل أن تتحرك الأحداث بسرعة في السنوات القليلة الماضية نحو تشكيل حكومة جديدة تحمل في طياتها وعوداً كبيرة وتحديات أكبر. إن حكومة الأول من أبريل عام 2026م ليست مجرد تشكيلة وزارية عابرة، بل هي اختبار حقيقي لقدرة تشاد على الخروج من عنق الزجاجة التاريخي الذي حاصرها لعقود، وهو اختبار ستراقبه بعناية ليس فقط الدوائر الداخلية في تشاد، بل أيضاً القوى الإقليمية والدولية التي تستثمر في استقرار هذا البلد ذي الموقع الجيواستراتيجي الحساس في قلب أفريقيا.
لقد كانت تشاد، منذ حصولها على الاستقلال عن فرنسا في الحادي عشر من أغسطس عام 1960م، تعاني من أزمة هوية وطنية حادة، فهي بلد يمتد على مساحة شاسعة تزيد عن مليون ومائتين وثمانين ألف كيلومتر مربع، وتقطنه أكثر من مائتي مجموعة إثنية وقبلية مختلفة، يتحدث سكانها أكثر من مائة لغة ولهجة محلية، موزعين بين شمال صحراوي وجنوب سافاني غني بالموارد الزراعية والحيوانية. هذه التعددية التي يمكن أن تكون مصدر قوة وإثراء ثقافي، تحولت في ظل سوء الإدارة السياسية والإرث الاستعماري إلى مصدر صراع وتشرذم. فالحكم الاستعماري الفرنسي اتبع سياسة “فرق تسد” الكلاسيكية، حيث تم الاعتراف ببعض السلطنات والإمارات والزعامات القبلية في الشمال والوسط، ومنحت صلاحيات إدارية وقضائية واسعة، بينما أهملت مناطق الجنوب أو مارست عليها أشكالاً مختلفة من السيطرة غير المباشرة. هذه السياسة خلقت ما يمكن وصفه بـ “مواطنين من الدرجة الأولى” يتمتعون بحقوقهم من خلال انتمائهم القبلي المعترف به، وآخرين من الدرجة الثانية أو الثالثة ليس لهم وجود فعلي أمام الدولة إلا من خلال وساطة هذه النخب التقليدية. وبحسب بعض المصادر التاريخية، فإن مناطق مثل غويرا كانت تعتبر “مستودع عبيد” لسلطنات الجوار المسلمة قبل الاستعمار، واستمرت هذه العلاقات الهرمية القاسية داخل المجتمع حتى بعد التحرر، حيث لا يزال الانتماء إلى سلالة معترف بها شرطاً لقبول الفرد كمواطن كامل.
عندما ننتقل إلى فترة ما بعد الاستقلال، نجد أن فرانسوا تومبالباي، أول رئيس لتشاد، والذي ينتمي إلى الجنوب المسيحي والوثني، ارتكب خطأً فادحاً عندما فضل أبناء منطقته وإثنيته في المناصب الحكومية والجيش والإدارة، مما أثار حفيظة الشمال المسلم الذي شعر بأنه مهمش ومقصي. هذا التهميش أدى إلى اندلاع حرب أهلية طويلة ومعقدة بدأت في منتصف الستينيات واستمرت لعقود، وتخللتها تدخلات خارجية، أبرزها التدخل الليبي لدعم قوات الشمال، والتدخل الفرنسي لحماية الأنظمة الموالية لها في أنجامينا. خلال هذه الفترة، تعمقت الجروح القبلية والمناطقية، وتحولت المواطنة إلى مجرد كلمة فارغة لا معنى لها في ظل واقع مرير من الانقلابات والاغتيالات والتحالفات المتغيرة. ففي عام 1975م، أطيح بتومبالباي وقتل، وتولى الجنرال فيليكس معلوم الحكم، ثم تلاه حكم انتقالي فوضوي، ثم صعود حسين حبري إلى السلطة عام 1982م، والذي انتهى بانقلابه هو الآخر عام 1990م على يد إدريس ديبي، الذي ظل في السلطة حتى مقتله على يد المتمردين في أبريل عام 2021م.
هذا التاريخ المضطرب، المليء بالصراعات المسلحة والخيانات السياسية، خلق ثقافة سياسية خاصة في تشاد، ثقافة تقوم على أن الوصول إلى السلطة لا يكون عبر صناديق الاقتراع بقدر ما يكون عبر قوة السلاح والتحالفات القبلية والإقليمية. فالجيش التشادي، الذي يشكل العمود الفقري للنظام السياسي، كان دائماً وأبداً مرآة للانقسامات المجتمعية، حيث تتصارع داخله مجموعات قبلية وإقليمية على النفوذ والموارد، ويكون الولاء للقبيلة والعشيرة والمنطقة قبل أن يكون للدولة والأمة. هذه الظاهرة ليست جديدة على تشاد، بل هي امتداد للنظام العرفي القديم الذي كان سائداً قبل الاستعمار، والذي عززته الإدارة الاستعمارية، ثم أعادت إنتاجه الأنظمة الوطنية تباعاً كلما كانت في موقع السلطة. وبحسب الدستور التشادي نفسه، والذي اعترف صراحة بهذه المشكلة، فإن “الأنظمة المختلفة التي تتابعت أوجدت ورسخت النزعة الإقليمية والقبلية والمحسوبية والتفاوتات الاجتماعية”، وهذا الاعتراف الرسمي من أعلى وثيقة قانونية في البلاد هو إقرار ضمني بأن الدولة التشادية فشلت تاريخياً في بناء مواطنة حقيقية قائمة على المساواة وليس على الولاءات الأولية.
من ناحية أخرى، وبالموازاة مع هذا الإرث الثقيل، نجد أن النص الدستوري التشادي لعام 1996م، والذي تم تعديله عدة مرات كان آخرها عام 2005م، ينص بوضوح وصراحة على مبادئ المساواة والمواطنة المتساوية بين جميع التشاديين. فالمادة الثالثة عشرة من هذا الدستور تقول حرفياً: “التشاديين من الجنسين لهم نفس الحقوق ونفس الواجبات. إنهم متساوين أمام القانون”، والمادة الرابعة عشرة تضيف: “تلتزم الدولة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”. كما يكرس الدستور مبدأ الفصل بين الدين والدولة، ويؤكد على رفض “أي نظام تقوم سياسته على التحكم والمحسوبية والعشائرية والطائفية”، بل ويتجاوز ذلك إلى إعلان حق الشعب “في المقاومة والعصيان لأي فرد أو مجموعة من الأفراد، أو أي هيئة من هيئات الدولة تغتصب السلطة بالقوة أو تمارسها بشكل ينتهك هذا الدستور”. هذه النصوص، لو طبقت بحذافيرها، لكانت كافية لتحويل تشاد إلى نموذج لدولة القانون والمواطنة في القارة الأفريقية، إلا أن الفجوة بين النص والواقع في تشاد كانت دائماً فجوة شاسعة، بل وكثيراً ما استخدمت النصوص الدستورية نفسها كغطاء لشرعية أنظمة كانت تمارس أبشع أشكال التمييز والإقصاء.
هنا يأتي دور حكومة الأول من أبريل 2026م المؤلفة من تسعة وثلاثين عضواً، فهذه الحكومة تواجه تحدياً وجودياً ليس فقط في تحقيق التنمية الاقتصادية أو تحسين الخدمات الأساسية، بل في تغيير النموذج الذهني والثقافة السياسية التي حكمت تشاد لأكثر من ستة عقود. السؤال ليس فقط عن أسماء الوزراء أو توزيع الحقائب بين المناطق والإثنيات المختلفة، بل عن المنهجية التي ستعتمدها هذه الحكومة في تعاملها مع الدولة والمجتمع. هل ستنظر إلى المواطن التشادي كفرد له حقوق كاملة ومباشرة لدى الدولة، أم ستبقى النظرة التقليدية قائمة على أن المواطن هو “رعية” في قبيلة أو إقليم معين، وعلى الدولة أن تتعامل معه من خلال وسيط هو الزعيم القبلي أو الإقليمي؟ الفرق بين النموذجين هو الفرق بين بناء دولة حديثة قادرة على تجاوز عثرات الماضي، وبين إعادة إنتاج النظام القديم ولكن بوجوه جديدة.
من التحديات الهيكلية الكبرى التي تواجه حكومة المواطنة المتساوية في تشاد، هو استمرار هيمنة النخب التقليدية التي تشكلت خلال الفترة الاستعمارية ولا تزال مسيطرة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حتى اليوم. هذه النخب، التي تتراوح بين سلاطين وأمراء وزعماء قبائل وكبار التجار والعسكريين، استفادت لعقود من نظام الوساطة هذا، حيث لا يمكن للفرد العادي الحصول على وظيفة في الدولة، أو تمويل لمشروعه، أو حتى حل نزاع له أمام القضاء، إلا من خلال التوسط لدى أحد هذه النخب أو الانتماء إليها. هذا الوضع خلق ما يشبه “الدولة العميقة” الموازية، التي تعمل خارج النصوص الدستورية والقوانين الرسمية، ولكنها تتحكم في مفاصل الحياة اليومية للمواطنين. وتشير الأبحاث الأكاديمية المتخصصة في الشأن التشادي إلى أن الأفراد في المناطق الريفية وحتى في المدن الكبرى بحاجة إلى التفاوض مع هذه النخب عند بناء مشاريع حياتهم الخاصة، سواء كانت زواجاً، أو عملاً، أو تعليماً، أو علاجاً طبياً. وهذا النظام غير الرسمي، الذي يعمل بمنطق المحسوبية والرشوة والولاءات المتقاطعة، هو عدو لدود لدولة المواطنة المتساوية، لأنه يقوم على فكرة أن حقوق الفرد ليست مستمدة من انتمائه للدولة والأمة، بل من انتمائه لقبيلة أو عائلة أو شبكة علاقات معينة.
أما التحدي الثاني، فهو الإرث التاريخي للرق والعبودية الذي لم يندثر تماماً من الذاكرة الجمعية والعلاقات الاجتماعية في تشاد. ففي مناطق مثل غويرا وسيلا وواداي، كانت العبودية مؤسسة اجتماعية واقتصادية قائمة قبل الاستعمار، وللأسف، فإن آثارها ما زالت قائمة حتى اليوم في شكل تمايزات طبقية صارمة، حيث ينظر إلى بعض المجموعات العرقية على أنها “أسياد” وبعضها الآخر على أنها “عبيد” أو “أحرار من الدرجة الثانية”. حتى بعد الاستقلال وإصدار القوانين التي تجرم الرق وتعتبره جريمة، بقيت هذه التصورات والعلاقات قوية في الأرياف وفي بعض المدن، حيث لا يزال أبناء بعض القبائل يواجهون صعوبات في الزواج من قبائل أخرى، أو في الحصول على مناصب قيادية، أو في المشاركة في صنع القرار السياسي. وإذا كانت حكومة 2026م جادة في تحقيق المواطنة المتساوية، فإنها ستحتاج إلى مواجهة هذا الإرث المسموم بجرأة ووضوح، من خلال حملات توعية مجتمعية، وتطبيق صارم للقوانين المجرمة للتمييز العنصري والطبقي، وإصلاح التعليم لتقديم رواية تاريخية تعترف بهذه الجرائم وتدينها، بدلاً من التغاضي عنها أو تبريرها تحت مسميات “العادات والتقاليد”.
أما التحدي الثالث، فهو ما يسمى بسياسات اللامركزية التي تم تبنيها في تشاد على غرار العديد من الدول الأفريقية، تحت شعار تقريب الحكم من المواطن وتحقيق التنمية المحلية. وللمفارقة، فإن تنفيذ هذه السياسات في تشاد أدى في كثير من الأحيان إلى تعزيز سلطة النخب المحلية بدلاً من تفكيكها. كيف حدث ذلك؟ عندما تم نقل الصلاحيات والموارد من المركز إلى الأقاليم والمحافظات، كانت الأقاليم والمحافظات نفسها تدار في معظمها من قبل أشخاص ينتمون إلى نفس العائلات والنخب التي كانت تحكم في النظام القديم، ولكن هذه المرة بغطاء ديمقراطي ولامركزي. فالمجالس المنتخبة محلياً، بدلاً من أن تكون أداة لتمكين المواطنين العاديين ومحاسبة المسؤولين، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحات جديدة لتنافس النخب التقليدية فيما بينها على النفوذ والموارد، بينما بقى المواطن العادي، خاصة في المناطق النائية والمهمشة، خارج دائرة الاهتمام الحقيقي. بل وأسوأ من ذلك، أن بعض هذه النخب استخدمت صلاحياتها اللامركزية لتعزيز هيمنتها القبلية والإقليمية، فزادت من التمييز ضد الأقليات الموجودة في مناطق نفوذها، وعمقت الانقسامات بدلاً من أن تعالجها. فبدلاً من أن تكون اللامركزية جسراً نحو دولة المواطنة المتساوية، أصبحت في بعض الأحيان سوراً جديداً يفصل بين المواطنين على أسس مناطقية وقبلية.
إلى جانب هذه التحديات الهيكلية الداخلية، هناك أيضاً عوامل خارجية تلعب دوراً مهماً في تحديد مسار تشاد نحو المواطنة المتساوية أو إعادة التاريخ نفسه. فتشاد دولة حبيسة، محاطة بدول تعاني جميعها من صراعات داخلية وعدم استقرار، مثل ليبيا شمالاً التي ظلت تعاني من فوضى مسلحة منذ سقوط نظام معمر القذافي، والسودان شرقاً الذي شهد صراعات دموية في دارفور ومناطق أخرى، وجمهورية أفريقيا الوسطى جنوباً التي تعاني من حروب أهلية متكررة، والنيجر ونيجيريا غرباً اللتين تواجهان تهديدات إرهابية من جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية. هذا الموقع الجيوسياسي الحساس جعل تشاد لاعبا أساسيا في مكافحة الإرهاب وحفظ الأمن الإقليمي، وجيشها التشادي يعتبر من أقوى الجيوش في المنطقة، وله سمعة كبيرة في القتال والفعالية. ولكن في المقابل، فإن هذا الدور الأمني والإقليمي أعطى النظام الحاكم في تشاد على الدوام ذريعة لتبرير مركزية الجيش في السياسة، وتأجيل الإصلاحات الديمقراطية وحقوق الإنسان تحت عنوان “أولوية الحرب على الإرهاب والحفاظ على الاستقرار”. ففي كل مرة يتم الحديث عن تحقيق المواطنة المتساوية وبناء دولة القانون، يظهر مسؤول عسكري أو مدني ليذكر بأن تشاد في حالة حرب، وأن هذه الرفاهيات الديمقراطية يجب أن تتأجل حتى ينتهي الخطر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ومتى ينتهي الخطر؟ هل سينتهي يوماً في منطقة تعج بالأسلحة والجماعات المسلحة والنزاعات الحدودية؟ أم أن هذا “التهديد الخارجي” سيبقى أداة بيد النخبة العسكرية لتعزيز قبضتها على السلطة وتبرير إخفاقاتها الداخلية؟
مع تشكيل حكومة الأول من أبريل 2026م، تثار أيضاً أسئلة حول تركيب هذه الحكومة وتمثيلها للمكونات التشادية المختلفة. هل تم اختيار أعضاء الحكومة بناء على كفاءاتهم وخبراتهم وقدرتهم على قيادة التغيير نحو المواطنة المتساوية؟ أم أن التوزيع تم وفق المحاصصة القبلية والإقليمية التقليدية التي عرفناها لعقود؟ هل تم إعطاء حقائب وزارية مهمة مثل الدفاع والداخلية والمالية والتخطيط لأشخاص معروفين بإصلاحاتهم واستقلاليتهم، أم أنها ذهبت كالعادة إلى الموالين للنظام ورجال الأعمال المقربين من دوائر السلطة؟ هل تم إشراك نساء وشباب وأشخاص من مناطق مهمشة تاريخياً مثل منطقة تيبستي الشمالية أو منطقة بوركو أو منطقة سلامات، أم أن الحكومة الجديدة تعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس التحالفات ولكن بغلاف جديد؟ كل هذه الأسئلة يجب أن تُطرح بجدية، لأن الإجابات عليها ستكون مؤشراً واضحاً على نوايا الحكومة الجديدة. فإذا كانت الحكومة الجديدة مجرد توزيع للحقائب بين العائلات والأحلاف السياسية المعتادة، فلا يمكن توقع أي تغيير حقيقي في مسار المواطنة المتساوية. أما إذا أتت الحكومة الجديدة بدماء جديدة وأفكار جديدة، وتم اختيار أعضائها على أسس الكفاءة والنزاهة والجرأة على الإصلاح، فهناك إذن أمل ولو ضئيل في أن تكون هذه الحكومة مختلفة.
من ناحية أخرى، يجب النظر إلى الدور المحتمل للمجتمع المدني والإعلام المستقل في الضغط على الحكومة الجديدة لتحقيق المواطنة المتساوية. فتشاد، رغم كل الصعوبات، شهدت في السنوات الأخيرة حراكاً مدنياً متنامياً، حيث بدأت تظهر منظمات غير حكومية ونقابات وهيئات حقوقية تطالب بالشفافية والمساءلة واحترام الحقوق الأساسية. كما أن شباب تشاد، الذي يشكل الغالبية العظمى من السكان، لم يعد يقبل بالأوضاع القائمة بسهولة، فقد رأى بأم عينيه كيف تعيش دول أخرى في القارة، حتى دول أقل منها موارد، تحقق تقدماً في مجالات الحكم الرشيد ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات. التكنولوجيا الحديثة، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، لعبت دوراً كبيراً في كسر احتكار النظام للمعلومة، وفي ربط الشباب التشادي بالتجارب العالمية، وفي كشف ممارسات الفساد والتمييز التي كانت تمر دون محاسبة. هذا المجتمع المدني الناشئ، رغم محاولات قمعه وتهميشه أحياناً، يمثل قوة ضغط حقيقية على أي حكومة تأتي إلى السلطة، ويمكن أن يكون حليفاً قوياً للإصلاحيين داخل الحكومة نفسهم، أو خصماً عنيداً في حالة العودة إلى الممارسات القديمة. وسيكون من المهم مراقبة كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع هذا المجتمع المدني: هل ستتعامل معه كشريك في بناء دولة المواطنة المتساوية، وتفتح له المجال للمشاركة والرقابة والمحاسبة؟ أم أنها ستعود إلى الأساليب التقليدية من التضييق والترهيب والاعتقالات، متهمة إياه بالخيانة أو العمل لأجندات خارجية؟ الإجابة على هذا السؤال ستكون مقياساً آخر لصدق نوايا الحكومة الجديدة.
وبالعودة إلى الدستور التشادي مرة أخرى، نجد أنه يمنح الشعب حق “المقاومة والعصيان” ضد أي فرد أو مجموعة تغتصب السلطة أو تمارسها بشكل ينتهك الدستور. هذه العبارة، التي قد تبدو نظرية أو طوباوية في بعض السياقات، تكتسب أهمية خاصة في تشاد حيث التاريخ مليء بالانقلابات والاغتصابات للسلطة. ومع ذلك، فإن “حق المقاومة والعصيان” ليس دعوة للعنف والفوضى، بل هو إعلان مبدئي بأن السيادة للشعب، وأن أي حكومة لا تحترم حقوق شعبها ولا تعمل لصالحه تفقد شرعيتها الأخلاقية والقانونية. في سياق حكومة الأول من أبريل 2026م، يمكن تفسير هذا المبدأ الدستوري على أنه تذكير للحكومة الجديدة بأن الشعب التشادي، الذي عانى لعقود من الوعود الكاذبة والخطابات الإنشائية، لن يقبل هذه المرة بأنصاف الحلول أو بإعادة تدوير النماذج الفاشلة. فإذا أرادت هذه الحكومة أن تنال شرعيتها الحقيقية، ليس فقط من القصر الرئاسي أو من الاعتراف الدولي، بل من قلوب وعقول التشاديين العاديين، فعليها أن تترجم وعودها إلى إجراءات ملموسة على الأرض في أسرع وقت ممكن.
على صعيد الإجراءات الملموسة التي يمكن أن تتخذها حكومة 2026م للابتعاد عن إعادة التاريخ نفسه والاتجاه نحو دولة المواطنة المتساوية، يمكن اقتراح عدد من الخطوات الأساسية.
● أولاً: البدء الفوري في حملة وطنية جادة لمكافحة الفساد والمحسوبية، تشمل ملاحقة المتورطين في قضايا فساد سابقة وحالية، بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو السياسية أو موقعهم في السلطة. فاستمرار الإفلات من العقاب هو الذي يغذي ثقافة التمييز وعدم المساواة، لأنه يعطي رسالة بأن هناك مواطنين “أكثر مساواة من غيرهم” لا يمكن مساءلتهم مهما فعلوا.
● ثانياً: إصلاح الجهاز القضائي بشكل جذري، وجعله مستقلاً حقاً عن السلطة التنفيذية، وتطبيق القانون على الجميع دون تمييز. فالقاضي المستقل والنزيه هو حامي المواطنة المتساوية، وهو الضمانة الوحيدة للفرد الضعيف أمام الدولة القوية أو أمام النخب التقليدية.
● ثالثاً: إصدار تشريعات جديدة تجرم بوضوح وبشدة أي خطاب أو ممارسة تقوم على التحريض القبلي أو الإقليمي أو الديني، ومعاقبة مرتكبيها بعقوبات رادعة، بما في ذلك المسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان وقادة الرأي. فحرية التعبير لا تعني حرية نشر الكراهية والتمييز.
● رابعاً: إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية على أسس مهنية ووطنية، بحيث يعكس تركيبها التنوع الاجتماعي للتشاد، ويكون الولاء فيها للمؤسسة والدستور وليس للأشخاص أو القبائل أو المناطق. هذه هي المهمة الأصعب والأخطر على الإطلاق، لأن الجيش كان دائماً أداة في أيدي النخب للحفاظ على السلطة، وجعله محايداً ومهنياً يتطلب شجاعة كبيرة وإرادة سياسية فائقة.
● خامساً: الاستثمار الجاد في التعليم المدني وحقوق الإنسان منذ المراحل المبكرة، بحيث ينشأ الأطفال التشاديين وهم يعرفون أن المواطنة المتساوية هي أساس الدولة الحديثة، وأن الاختلافات القبلية واللغوية والدينية هي تنوع يثري الوطن وليس عيباً أو سبباً للتفاضل.
هذا الاستثمار طويل الأمد، لكنه ربما الأكثر أهمية من أي إجراء آخر، لأنه يغير الثقافة من جذورها.
وإذا انتقلنا الآن إلى السيناريوهات المحتملة لمستقبل تشاد في ظل حكومة الأول من أبريل 2026م، يمكننا أن نرسم بوضوح سيناريوين رئيسيين متعارضين:
السيناريو الأول، وهو سيناريو “إعادة التاريخ نفسه”. في هذا السيناريو، الذي قد يكون الأكثر ترجيحاً بناءً على قراءة تاريخ تشاد الحديث، نجد أن حكومة 2026م لا تختلف كثيراً عن سابقاتها، على الرغم من الوجوه الجديدة والشعارات البراقة. فالسلطة الحقيقية تبقى في أيدي نفس النخب التقليدية والعسكرية التي حكمت لعقود، والحقائب الوزارية توزع كغنائم بين الأحلاف السياسية والعشائرية الموالية، دون أي اعتبار للكفاءة أو النزاهة أو برامج الإصلاح. يتم تهميش المجتمع المدني والإعلام المستقل، وتزداد حملات القمع ضد النقابات والأحزاب المعارضة والمحتجين السلميين. يظل المواطن التشادي العادي، خاصة في المناطق النائية، بحاجة إلى وسيط قبلي أو إقليمي ليحصل على أبسط حقوقه، سواء كان حقاً في التعليم، أو الصحة، أو العمل، أو العدالة. القضاء يظل خاضعاً للسلطة التنفيذية، والفساد ينتشر في كل مفاصل الدولة دون محاسبة. الخطاب السياسي يظل متمركزاً حول “التهديدات الخارجية” و”وحدة الصف الوطني” كذريعة لتبرير غياب الإصلاحات الحقيقية وتأجيل أي نقاش جدي حول المواطنة المتساوية. العلاقات بين المركز والأقاليم تبقى متوترة، مع استمرار التهميش لبعض المناطق ومحاولات إخضاعها بالقوة العسكرية تارة وبالرشاوى والوعود تارة أخرى. في هذا السيناريو، تشاد تستمر في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار المزمن، حيث تتغير الحكومات والنظم، ولكن تبقى العلاقات الأساسية للسلطة والمجتمع كما هي، ويكون المواطن مجرد أداة في يد حكامه وليس غاية وغرضاً من وجود الدولة. وفي هذا السيناريو، يمكن القول بأسف إن التاريخ يعيد نفسه، ليس بالضرورة بنفس الأسماء والتفاصيل، ولكن بنفس المنطق ونفس النتائج.
أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو “فجر المواطنة المتساوية”. هذا السيناريو، وإن بدو بعيد المنال أو مثاليًا بعض الشيء بناءً على التحديات الهائلة المذكورة أعلاه، إلا أنه ليس مستحيلاً تماماً. فالتاريخ يعرف أمثلة لدول تمكنت من تجاوز إرثها الاستعماري والصراعات الأهلية وانعدام الثقة بين مكوناتها الاجتماعية، وبناء دول مواطنة حديثة قائمة على المساواة وسيادة القانون. ليس بالضرورة أن تكون تشاد أول دولة تفعل ذلك، ولكنها يمكن أن تكون واحدة منها. في هذا السيناريو، نجد أن حكومة 2026م تتخذ قراراً شجاعاً وجريئاً بوضع المواطنة المتساوية على رأس أولوياتها، ليس كشعار انتخابي أو خطاب احتفالي، بل كبرنامج حكومي متكامل بآليات تنفيذ ومؤشرات قياس وميزانية مخصصة. يتم البدء بتنفيذ الإجراءات الخمسة التي ذكرناها سابقاً (مكافحة الفساد، إصلاح القضاء، تجريم التمييز، إصلاح الجيش، الاستثمار في التعليم المدني) بشكل متواز ومتزامن، مع متابعة دقيقة من قبل المجتمع المدني والبرلمان والإعلام. يتم الاعتراف رسمياً بالأخطاء التاريخية التي ارتكبت بحق مجموعات معينة (مثل مجتمعات العبيد السابقة أو الأقليات المهمشة)، ويتم تقديم اعتذار رسمي وبدء برامج للتعويض والمصالحة الوطنية. تصبح المرأة التشادية شريكاً حقيقياً في صنع القرار على كل المستويات، وليس مجرد نسبة شكلية في الحكومة أو البرلمان. الشباب يجدون فرصاً حقيقية للعمل والتعليم والمشاركة، ويتم كسر احتكار العائلات والنخب التقليدية للمناصب الرفيعة. الجيش يخضع لرقابة مدنية ديمقراطية، وتتم محاسبة أي فرد عسكري يخرق القانون أو يتدخل في السياسة. تشاد تتحول من دولة “حامية” لجماعات مسلحة إلى دولة “حامية” لحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية، ويكون جيشها جيشاً يدافع عن الوطن والدستور وليس عن فئة أو قبيلة أو نظام. في هذا السيناريو، تبدأ تشاد فعلياً في بناء مستقبل مختلف، مستقبل تكون فيه “تشاد” هي الهوية الجامعة فوق كل الانتماءات، ويشعر كل مواطن تشادي، أياً كان لونه أو لغته أو دينه أو منطقته، بأن الدولة تعمل لصالحه وبأنه مواطن كامل متساوٍ مع غيره في الحقوق والواجبات. هذا السيناريو ليس مجرد حلم، بل هو خيار سياسي، هو خيار حقيقي أمام الحكومة الجديدة، وهو خيار يحتاج إلى شجاعة نادرة وإرادة حديدية، ولكنه في النهاية الخيار الوحيد الذي يضمن مستقبلاً مستقراً ومزدهراً لتشاد وشعبها.
في الختام، إن تشكيل حكومة جديدة من تسعة وثلاثين عضواً في تشاد يوم الأول من أبريل 2026م يمثل اختباراً حقيقياً لإرادة التغيير لدى النخبة الحاكمة ولصبر الشعب التشادي. فالتاريخ التشادي يحمل إرثاً ثقيلاً من الهيمنة العرفية، والسياسات الإقليمية، والصراعات الدموية، والفساد المستشري، والإفلات من العقاب. لكن النصوص الدستورية، والوعي الشعبي المتزايد، والمجتمع المدني الناشئ، والضغوط الدولية، كلها توفر أدوات حقيقية للتغيير، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لاستخدامها. السؤال الحاسم الذي تنتظر الأيام والأشهر القادمة إجابته هو: هل ستتمكن هذه الحكومة من كسر دائرة إعادة إنتاج النخب التقليدية والأنظمة القمعية، والانتقال إلى نموذج جديد من المواطنة المتساوية وسيادة القانون، أم أن التاريخ، بأعبائه الثقيلة وقيوده المتينة، سيعيد نفسه مرة أخرى، تاركاً تشاد تراوح في مكانها بين طموحات شعبها وتطلعاته وواقع نخبها المستفيدة من استمرار الأوضاع كما هي عليه؟ الأيام والأشهر القادمة وحدها كافية للإجابة عن هذا السؤال، ولكن من الواضح أن الشعب التشادي، الذي عانى لعقود من ويلات الحروب وعدم الاستقرار والإقصاء والتهميش، يستحق أكثر من مجرد وعود خطابية وحكومات انتقالية لا تنتهي. إنه يستحق دولة المواطنة المتساوية التي كرسها دستوره، دولة القانون والمؤسسات التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز أو وساطة قبلية أو إقليمية أو عرقية. فهل ستكون حكومة الأول من أبريل 2026م هي البداية الحقيقية لهذه الدولة المنشودة، أم أنها ستكون مجرد محطة عابرة في مسار طويل ومليء بالعثرات؟ الإجابة ليست في طيات هذا المقال، بل في الميدان التشادي، في قلوب وعقول السياسيين والمواطنين، وفي الأفعال وليس الأقوال. فلننتظر ونرى، ولنأمل الأفضل لتشاد وشعبها الصابر العظيم.
بتاريخ 2أبريل2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x