مقالات الرأي

تفكيك المكونات الاجتماعية والسياسية في السودان تحليل بنيوي لسياسات التقسيم وإعادة إنتاج الهيمنة

بقلم: نجم الدين خميس (Najm)


25 ابريل 2026م
تتناول هذه الدراسة تحليل سياسات إعادة تشكيل المكونات الاجتماعية والسياسية في السودان، مع التركيز على كيفية توظيف الهويات الإثنية والدينية والثقافية كأدوات في إدارة السلطة وإعادة إنتاج أنماط الهيمنة. وتنطلق من فرضية أن الدولة السودانية لم تُبنَ على عقد اجتماعي جامع، بل تشكلت عبر أنماط حكم اعتمدت على الزبائنية السياسية وتسييس الهوية، مما أدى إلى إنتاج انقسامات اجتماعية قابلة لإعادة التوظيف ضمن دورات الصراع السياسي.

يُعرّف الإقصاء السياسي البنيوي بأنه نمط مستمر ومؤسسي من إعادة إنتاج عدم المساواة في الوصول إلى السلطة داخل الدولة، حيث لا يحدث الإقصاء كفعل سياسي مباشر أو ظرفي، بل كخاصية مدمجة داخل البنية المؤسسية نفسها. ويتسم هذا النمط بكونه لا يعتمد فقط على الإقصاء المباشر، بل على تصميم المؤسسات وآليات توزيع الموارد وشبكات الولاء، كما أنه يُعاد إنتاجه عبر الزمن بغض النظر عن تغير الحكومات، ويعمل من خلال أدوات ناعمة تشمل التمثيل السياسي وإعادة توزيع الموارد وإنتاج الشرعية السياسية.

وفي هذا السياق يتقاطع المفهوم مع تحليل Michel Foucault للسلطة بوصفها شبكة إنتاج معرفي، حيث لا تعمل السلطة عبر القمع المباشر فقط، بل عبر إنتاج أنظمة معرفة تحدد من يمتلك الشرعية ومن يُستبعد منها. كما يتقاطع مع تصور Antonio Gramsci للهيمنة الثقافية التي تُنتج قبولاً اجتماعياً بالبنية غير المتكافئة. ويُكمل ذلك تحليل Mahmood Mamdani للدولة ما بعد الاستعمار بوصفها بنية مزدوجة بين مركز مدني وأطراف تقليدية، وهو ما يفسر استمرارية أنماط التفاوت داخل الدولة السودانية.

كما يضيف Pierre Bourdieu بعداً تفسيرياً مهماً عبر مفهوم “رأس المال الرمزي” وإعادة إنتاج الهيمنة داخل المؤسسات التعليمية والإدارية والثقافية، حيث تتحول الشرعية السياسية إلى نتاج للبنية الاجتماعية نفسها. ويعزز Frantz Fanon هذا الفهم من خلال تحليله للعنف الاستعماري بوصفه بنية ممتدة داخل الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار، مما يفسر استمرار منطق الإقصاء حتى بعد الاستقلال.

ويقدم Achille Mbembe مفهوم “السيادة النكروسياسية” لفهم كيفية إدارة السلطة للحياة والموت بشكل غير متكافئ داخل المجتمعات الهامشية، بينما يوضح Charles Tilly أن الدولة الحديثة تشكلت تاريخياً عبر العنف المنظم واحتكار الموارد، وليس فقط عبر التعاقد الاجتماعي.

ومن جهة الهوية، يقدم Benedict Anderson مفهوم “الجماعات المتخيلة” الذي يوضح أن الهوية الوطنية ليست معطى طبيعياً بل بناء رمزي وسياسي قابل لإعادة التشكيل، وهو ما يفسر هشاشة الهوية الوطنية في السياق السوداني.

يسعى هذا التحليل إلى تفسير آليات تحول الهوية من انتماء اجتماعي إلى أداة سلطة، من خلال مقاربة بنيوية تربط بين الدولة والهوية والسلطة. ويقدم إطارًا تفسيرياً يوضح كيف تُعاد إنتاج الهيمنة عبر دورة متكررة تتكون من تسييس الهوية، والزبائنية السياسية، وإعادة إنتاج الشرعية.

يمثل السودان حالة نموذجية لتعدد إثني وثقافي وديني، إلا أن هذا التنوع لم يُدار ضمن إطار مؤسسي عادل، بل تم توظيفه سياسياً عبر مراحل تاريخية مختلفة. ولم تكن الانقسامات الاجتماعية ثابتة، بل أُعيد تشكيلها وفق مصالح النخب الحاكمة، مما يعكس خللاً بنيوياً في طبيعة الدولة.

ويعزز John Garang هذا التحليل من خلال طرحه لمفهوم “السودان الجديد” القائم على المواطنة المتساوية كمدخل لإعادة بناء الدولة، بينما يقدم Nelson Mandela نموذج العدالة الانتقالية القائم على المصالحة كآلية لتفكيك البنى الصراعية. ويضيف Martin Luther King Jr. قراءة أخلاقية-مؤسسية للصراع بوصفه نتاجاً للظلم البنيوي وليس للاختلاف الثقافي، في حين يقدم Barack Obama نموذجاً حديثاً لإدارة التعدد عبر تقليل الاستقطاب وبناء خطاب المواطنة الجامعة.

وفي السياق السوداني، يطرح Abdul Wahid Al-Nur مفهوم “دولة المواطنة المتساوية” عبر مسار حوار سوداني-سوداني كآلية لتجاوز إعادة إنتاج بنية السلطة القائمة، مع التأكيد على أن العدالة لا تتحقق دون إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس المساواة الكاملة في الحقوق.

تعتمد الدراسة على منهج تاريخي تحليلي لتتبع تطور بنية الدولة السودانية، حيث أسهمت السياسات الاستعمارية في ترسيخ التمايزات الاجتماعية، بينما أعادت النخب بعد الاستقلال إنتاج هذه البنية عبر شبكات الولاء السياسي بدلاً من بناء مؤسسات قائمة على المواطنة.

تشير النتائج إلى أن سياسات التقسيم أدت إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وتعميق النزاعات، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتحويل الصراع إلى صراع هويات. كما توضح أن هذه النتائج ليست عرضية، بل نتاج دورة بنيوية مستمرة لإعادة إنتاج الهيمنة.

توصي الدراسة بإعادة تأسيس المواطنة على أساس قانوني متساوٍ، وبناء مؤسسات مستقلة عن شبكات الولاء السياسي، وتفكيك الزبائنية، وتحييد الهوية عن الصراع السياسي، وتطوير سياسات عادلة لإدارة التنوع.

تخلص الدراسة إلى أن الأزمة في السودان ليست أزمة تنوع، بل أزمة في إدارة هذا التنوع ضمن بنية سلطة تعيد إنتاج نفسها، مما يتطلب إعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمواطنة.

مقالات ذات صلة

3 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x