مقالات الرأي

ثلث السودانيين نازحون: هنا يتضح أن الحياة ما كلها رأس مال


بقلم/ ايوب محمد عبد الرحمن ( مجنق )


في صباح يوم عادي بتاريخ/6/8/2026م، كنتُ أجلس في مقهى أكتب قائمة أهداف الشهر الجديد: مشروع جديد، زيادة في الدخل، استثمار إضافي، خطة عمل موسعة. كانت كلماتُ “رأس مال” و”تنمية” و”عائد” تملأ ذهني كأنها المعيار الوحيد لقياس نجاح الحياة. ثم وصلتني نبأثة أخرى عن السودان: ثلث سكانه، أكثر من 12 مليون شخص، نازحون داخليًا، و3.8 مليون لاجئ خارجي. في تلك اللحظة، سقطت قائمةُ أهدافُ مثل ورق ممزّق، وفهمتُ أن الحياة ما كلها رأس مال.
الحرب في السودان، التي اندلعت في أبريل 2023 ، لم تُقتل فقط آلافًا من البشر، بل دمرت معنى الحياة ذاته. ثلث السكان نازحون، 25 مليون شخص – نصف الدولة – يواجهون جوعًا شديدًا، المدارس مُدمّرة، المستشفيات محترقة، والنسيج الاجتماعي تمزّق بأفظع الطرق. في هذا الواقع، ماذا تعني كلمة “رأس مال”؟ ماذا تعني “استثمار” أو “عائد اقتصادي” عندما تصبح الحياة هامة، عندما تصبح الكرامة نفسًا واحدًا يُبحث عنه بين الخراب؟
نحن في السودان، وفي الغالبية العظمى من دول العالم، نعيش في وهم كبير. نعتقد أن التوازن بين العمل والحياة الشخصية يعني إدارة الوقت بين مقابلة عمل وسهرة عائلية. نعتقد أن النجاح يُقاس براتب أعلى أو منزلة أكبر. نعتقد أن “توازن الحياة” هو مجرد معادلة بين ساعات العمل وساعات الراحة. لكن السودان يُظهر لنا أن هذا التوازن هشّ، أنه يختل تمامًا عندما يختل الوطن، عندما يُهدم الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء.
في السودان، التوازن لم يختل فقط بين العمل والأسرة، بل اختل بين الحياة والموت.
اختل بين الأمان والخطر. اختل بين الطعام والجوع. اختل بين التعليم والجهل. هنا يتضح أن الحياة ما كلها رأس مال، لأن الرأس مال يُحسب ويُقاس ويُستثمر، لكن الحياة تُعارف بالبقاء، بالإنسانية، بالكرامة. في السودان، الإنسان لا يُبحث عن رأس مال، يُبحث عن سندٍ يطلبه، عن حلمٍ صغيرٍ يُنقذ، عن طفلٍ يُرسى في مدرسة لم تُهدم.
التغييرات العالمية السريعة، من أزمات اقتصادية إلى حروب إقليمية إلى تغير مناخي، تجعلنا أكثر قلقًا على “رأس مال” حياتنا. نخشى أن نفقد، أن ينخفض استثمارنا، أن تتأخر خططنا. لكن السودان يُذكّرنا بأن الخوف الأكبر هو الخوف من فقدان الحياة ذاتها. الخوف من أن يصبح الطفل نازحًا، أن تصبح المرأة لاجئة، أن يصبح الرجل جريحًا بلا مستشفى. في هذا الزمان، التوازن الحقيقي لا يُقاس بالعائد الاقتصادي، بل يُقاس بالقدرة على الحفاظ على الإنسان..
الحياة ما كلها رأس مال، بل هي معنى، قيم، وإنسانية. في السودان، معناها أن طفلًا يستطيع أن يذهب إلى مدرسة. في السودان، قيمها أن امرأةً تستطيع أن تلد في مستشفى آمن. في السودان، إنسانيتها أن رجلًا يجد طعامًا يُشبع جوعه. هذه الأشياء لا تُحسب في الميزانية، لا تُستثمر في السوق، لا تُباع في البورصة. لكنها تُقاس في القلب، وتُحفظ في الذاكرة، وتُورث في التاريخ.
عندما نقرأ عن 12 مليون نازح سوداني، يجب أن نتوقف عن كتابة قائمة أهداف الشهر الجديد. يجب أن نتوقف عن التفكير في “رأس مال” حياتنا. يجب أن نتذكر أن التوازن الحقيقي يبدأ من الإنسانيّة، من الكرامة، من الحياة ذاتها. عندما يختل الوطن، يختل كل شيء. وعندما يختل كل شيء، يتضح أن الحياة ما كلها رأس مال.
في النهاية، السؤال ليس “كيف نحافظ على رأس مال حياتنا؟” بل “كيف نحافظ على إنسانيتنا عندما يختل الوطن؟” السودان يُجيب: بالذاكرة، بالضمير، بالإنصاف. الحياة ما كلها رأس مال، بل هي إنسان يُحمى، وكرامة تُحفظ، ووطن يُبنى.
ثلاث كلمات نحتاجها في زمن التغييرات والحرب: إنسان، كرامة، وطن. هذه هي الحياة الحقيقية. هذه هي التوازن الحقيقي. وهذه هي الرسالة من السودان: الحياة ما كلها رأس مال.
بتاريخ/6/8/2026

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x