ثنائية الرفض والهروب نحو العلمانية

الكاتب و الشاعر / حمزة عبدالرحمن محمد عمر
تتجســــد في واقعـــنا المعـــاصر واحـدة من أكــــثر المفارقات صــــدمة وعمـــقاً تلك الثــــنائية المؤلــمة التي تتقاطع فيها الشعــــارات الفكـرية مع قسـوة الــواقع الإنســـاني حيــث تـــبرز العلمــــانية في المشـــهد المعاصــر بوصفها ذلك النـــظام الذي يموت المسلمون في سبيل منع تطبيـقه في بلادهم ثم يموتون بعد ذلك في سبيل الوصول إلى البلـــــدان التي تطبـقه هذه المـعادلة القاسـية لا تعكـــس مجــرد تناقض ســــياسي عـابر بل تخـــتزل أزمة هيكلــية عمــيقة في الوعي وتكشـــف عن هـوة ساحـقة بين ما يرفع في الخطابات من شــعارات نظــرية وبين ما يبتغـــيه الإنسان بالفطرة من أمان وكرامة وعدالة عيـش.
فعلى مستوى الأوطان الأصلـــية غالباً ما توظــف العلمــانية في الخطاب التقلـــيدي كفزاعة فكـــرية تســتنفر ضدها الطاقات وتـبذل في سبيل ردها المهج والأرواح باعتـــبارها تهديداً للهوية والموروث غــير أن عجلة الأقدار ومآسي الاستـبداد وغــياب العدالة الاجتمـــاعية تدفع بهؤلاء البشــــر أنفسهم إلى خوض غمار الموت مخاطـــرين بحـــياتهم في قوارب الموت عبر البحــار والمحيطات باحثيـــن عن طـوق نجـاة في تركـيا و الغـــرب وتحديداً في تلك البلدان المتقدمة التي تتخـــذ من العلمــانية نظاماً لإدارة مجتمعاتها وتكــفل فيها سيادة القانون وحقوق الإنســــان.
والأدهى من ذلك أن حتى أولئك الـذين يرفعــون تلك الشـعارات الحماســــية من تجــار الــدين والمستفـــيدين من استغلال العواطف غالـباً ما يلجؤون عند أول أزمة أو ضــيق للهروب إلى تلك الدول العلمـــانية ذاتها واللجوء إلى حمايتها وقوانينها.
هذا التناقض الصـــارخ بين رفض المبدأ نظـرياً واللهاث خـلف ثمـراته عملياً سواء من العامة أو ممن يتاجــرون بالشعارات يضعـــــنا أمام استحقاق أخـــلاقي وفكـــري بالغ الأهمـــية إذ يدل بوضـوح على أن الإنسـان بطبيعـــته وجبلــته منحــاز بطبعــه إلى العدل والحــرية وحفظ الكرامـة وحــين تعجـز الأنظمــة التي ترفع رايات الــدين أو الخصوصـــية عن تحقيق هذه المقاصــد الجوهــرية وتتحــول إلى أدوات للقمع والتهميــش تفقد كل مشروعــــية في وجـــدان شعــوبها فتســقط هيـــبة الشعارات أمام غـريزة البقاء والبحث عن بيـئة تكفل للإنسان حــقوقه الأساســية بغض النظر عن لافتتها الإيديولوجية.
إن رحـلة الهــــروب الكــبرى نحو البلدان العلمانــية لا تعـني بالضــرورة انخراطاً عقائدياً كاملاً في فلسفتها بل هي اعـــتراف عملي بأن تنظـــــيم الحـــياة وديناميكـــــيات العـدالة وتوفــــير العــــيش الكــــريم هي أسبقــية ملحــة تتـــقدم على المعارك النظــــرية فالإنسان لا يبحث في المهاجــــر عن عــقائد المجتمعات بقدر ما يبحث عن عدالة قوانينها ونزاهة مؤسساتها وقــــدرتها على صــــونه من الظلم والقـــهر.
وخــلاصة القول إن هذه الثـــنائية المأساوية تظل مرآة عاكــسة لخلل بنيوي عميق يســتدعي من المجتمعات والنخــب قراءة الواقع بموضوعــــية وشجــاعة وإدراك أن العلمــانية وحــدها هي الحــل فبـناء الأوطان الحقيقـــية لا يتحـــقق بالشــعارات الحماســـية ولا بالحــــروب الوهمــية ضد المفاهـــيم بل يقوم على إرساء قواعد العدل والحــرية وحفظ كـــرامة الإنســان على أرضــه بحــــيث يجـد المواطــن في وطـنه ما يبحث عــنه غريبًا في بقاع الأرض الأخـرى فلا يضطـر لمفارقتها أو المـوت في سبــيل بلــوغ بديلاتها..



