مقالات الرأي

جدري القرود وأسئلة المواطنة المنسية

بقلم : إدريس البيروني

في لحظات الأزمات الكبرى تُختبر حقيقة الدول، لا بشعاراتها ولا بخطاباتها الرسمية، وإنما بقدرتها على رؤية مواطنها أينما كان، والاعتراف بآلامه دون تمييز سياسي أو جغرافي أو عرقي، لأن الدولة في جوهرها الأخلاقي ليست سلطةً تحكم الأرض فحسب، بل مسؤولية تحمي المواطن كالإنسان، و عندما تعجز عن أداء هذه المسؤولية، أو تختار تجاهلها، فإنها تفقد جزءًا اكبر من مشروعيتها كدولة مهما احتفظت بأدوات السلطة والقوة.
فمنذ ما يقارب الشهر، أعلنت السلطة المدنية في الاراضي المحررة الواقعة تحت سيطرة حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الاستاذ/ عبدالواحد محمد أحمد النور عن تفشي مرض جدري القرود في أكثر من إحدى عشرة منطقة، مع تسجيل أكثر من ٣٤٧ إصابة، و رغم خطورة المرض وما يمثله من تهديد صحي وإنساني، لم يصدر ما يعكس استجابة وطنية بحجم الكارثة من الجهات المختصة التي تتبنى الرسمية في الدولة، وكأن المرض ظهر خارج حدود السودان، وكأن المصابين ليسوا مواطنين سودانيين لهم الحق في الرعاية والاهتمام والحماية.
في المقابل، نتابع بشكل متكرر التقارير والتحديثات الرسمية حول تفشي مرض الكوليرا في ولاية الخرطوم وغيرها من المناطق، وليس المقصود هنا التقليل من أهمية مكافحة مرض الكوليرا، بل طرح سؤال أخلاقي، ما الذي يجعل مواطناً سودانياً مصاباً بالكوليرا أكثر استحقاقاً للرعاية و الاهتمام من مواطن سوداني آخر مصاب بمرض جدري القرود؟ وما الذي يجعل بعض المعاناة مرئية في عين الدولة، بينما تبقى معاناة أخرى خارج مجال الرؤية؟
هذا يؤكد ان أخطر ما تخلقه الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل إعادة تعريف قيمة الإنسان وفق موقعه الجغرافي أو موقفه السياسي، وعندما تصبح الرعاية الصحية مرتبطة بخريطة النفوذ بدلاً من خريطة الاحتياج الإنساني، فإننا لا نكون أمام أزمة صحية فحسب، بل أمام أزمة في مفهوم المواطنة ذاته، لذا عندما تصمت مؤسسات الدولة في الازمات، يتقدم أصحاب الضمائر الحية لسد جزء من الفراغ، وربما لهذا السبب تبرز أهمية المبادرات المدنية ومنظمات المجتمع المدني، ليس لأنهم يمتلكون الموارد الأكبر، بل لأنهم يمتلكون الإحساس الأعمق بالمسؤولية الإنسانية.
وفي هذا السياق، يستحق التقدير كل من السلطة المدنية بالاراضي المحررة، الحملة الشبابية لإيقاف الحرب ودعم الحوار السوداني السوداني، ومنظمة تاجة، ومنظمة آفاق للسلام والتنمية، ومنظمة صوت العدالة، والمرصد النسائي السوداني، ومنظمة سند…،الخ، لما بذلوه من جهود في الحماية و التوعية بمخاطر مرض جدري القرود ورفع مستوى الوعي المجتمعي حول سبل الوقاية والاستجابة.
إن ما قدمته هذه الجهات لا يعفي الدولة من مسؤولياتها، ولكن يذكرنا بحقيقة أن المجتمعات لا تنهار بالكامل ما دام فيها أشخاص يؤمنون بأن إنقاذ إنسان واحد يستحق المحاولة، والتضامن الإنساني ليس بديلاً عن الدولة، لكنه غالباً آخر ما يبقى عندما تتراجع الدولة عن واجباتها، و العدالة الصحية لا تعني علاج المرضى فقط، بل تعني الاعتراف المتساوي بإنسانيتهم، فالمرض لا يعرف الانتماءات السياسية، والأوبئة لا تعترف بالمناطقية و خطوط التماس، والأطفال الذين يصابون بجدري القرود في جبل مرة لا تقل قيمة حياتهم عن الأطفال الذين يصابون بالكوليرا في الخرطوم أو أي مدينة أو قرية سودانية أخرى، و لا يجب أن تُقاس قيمة المواطن السوداني بمكان وجوده، بل بكونه إنساناً سودانياً فحسب، فالدول العادلة لا تسأل أين يعيش الضحايا، بل تسأل كيف ننقذهم.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x