مقالات الرأي

جريمة الزمن الضائع: ملامح الموت البطيء للشباب السوداني


بقلم: أ/عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)


في خضم صراعات السودان المتعاقبة، والتي تتخذ أشكالاً متعددة من العنف المسلح إلى الانهيار المؤسسي، يتركز المشهد الأكثر قسوة ودهاءً ليس في لحظة القصف المدوي أو وقع الرصاصة المخترقة للجسد، بل في المشهد الأكثر صمتاً وامتداداً وتآكلاً للروح: ذلك الموت البطيء الذي يعيشه الشباب. إنها حياة تُسرق يومياً، ليس بطلقة واحدة مفاجئة، بل بآلاف التفاصيل الصغيرة التي تراكمياً تحاصر النفس وتفني المستقبل، وتحول الأحلام إلى سراب، والجسد إلى نعش يمشي فوق الأرض. إنه موت لا يعلن عنه الحداد، بل تعلن عنه العيون الخاوية من الأمل والأرواح التي تلفظ أنفاسها قبل أن تنبض بالحياة. وفي قلب هذه المأساة، تبرز صورة الشباب الذين تقطعت بهم السبل في مناطق سيطرة أحد أطراف الحرب، حيث تتحول الحياة هناك إلى كابوس يومي لا يشبه أي معاناة أخرى، لأن الخطر هناك ليس احتمالاً، بل واقعاً يعاش بكل تفاصيله الموجعة.
يعيش الشباب السوداني اليوم مأساة مزدوجة البعد، مأساة تجعل منه حلقة وصل بين ضحية مباشرة وشاهد عيان. فهو ليس ضحية للصراع المسلح فقط على الأرض، بل هو شاهد على تفاصيل الفجيعة ذاتها عبر الشاشات الصغيرة التي حملتها الجيوب. إن مشاهدة مشاهد الإبادة الجماعية التي ترتكب بحق الأبرياء، ومشاهد انتهاك الحرمات الجسدية، وتلك الجريمة البشعة التي تُستخدم فيها الاغتصاب كسلاح حرب ممنهج لتكسير النفوس قبل الأبدان، كل ذلك يترك أثراً نفسياً عميقاً يجعل فكرة العيش الطبيعي مستحيلة التحقق. هذه المشاهد ليست أخباراً عابرة تُنسى مع انتهاء النشرة، بل هي ندوب تحفر في الوعي الجمعي، وتخلق شعوراً دائماً بالعجز والصدمة، وتحيل الحياة اليومية إلى كابوس متكرر يعيد إنتاج الخوف كل صباح. الشاب الذي يرى جثث أقرانه عبر الهاتف، ويعلم أنه قد يكون التالي في القائمة، يُقتل نفسياً مئات المرات قبل أن يُقتل جسدياً، وهذا هو جوهر الموت البطيء.
غير أن الصورة تصبح أكثر قتامة وقسوة حين نتجه إلى واقع الشباب الموجودين فعلياً داخل مناطق سيطرة أطراف النزاع المسلح. هؤلاء الشباب لا يعيشون تحت ظل الخوف من القصف البعيد، بل يعيشون فوق فوهة البركان ذاتها. إنهم يمرون يومياً في نقاط تفتيش عسكرية تحكمها إرادة المقاتلين وقناعاتهم الأيديولوجية، حيث تتوقف حياتهم على مزاج حارس نقطة أو قرار عابر من أمير حرب. في تلك النقاط، يُسلب الشاب كرامته قبل أن يُسأل عن هويته، ويُجرّد من إنسانيته بمجرد نظرة شك أو اتهام غير مبرر. كثير من الشباب يختفون هناك، في ثوانٍ، دون أن يتركوا أثراً، ليُقادوا إلى زنازين لا يعرفها أحد، أو يُلقى بهم في مقابر جماعية لم يكتب عليها اسم. إنها منطقة رمادية بين الحياة والموت، حيث يكون الشاب على قيد الحياة في الصباح، ويصبح خبراً عابراً في المساء.
إن معاناة هؤلاء الشباب في مناطق سيطرة أحد أطراف الحرب تتجاوز بكثير حدود الخوف المعتاد، لأنها تصادر أبسط حقوقهم الإنسانية بشكل يومي ومنهجي. فالشاب في تلك المناطق يواجه حصاراً مضاعفاً؛ حصاراً جغرافياً يمنعه من مغادرة المكان حتى لو كانت حياته في خطر، وحصاراً اجتماعياً يقطع صلته بعائلته ومجتمعه، وحصاراً نفسياً يجرده من أي أمل في الغد. الحركة هناك ليست حقاً، بل هي امتياز قد يُمنح وقد يُسلب في أي لحظة. الشباب لا يستطيعون الذهاب إلى أعمالهم، ولا إلى مدارسهم، ولا حتى إلى المستشفيات لتلقي العلاج، لأن كل تحرك يتطلب تصاريح قد لا تأتي أبداً، أو يأتي ثمنها باهظاً. الكثير منهم يضطرون إلى ترك منازلهم والتشرد في مناطق مجاورة، ليجدوا أنفسهم بين نار القصف ونار الحرمان، في رحلة نزوح لا نهاية لها، تتحول خلالها هويتهم إلى مجرد أرقام في سجلات الإغاثة، ويفقدون كل ما تبقى لهم من ملامح الحياة الطبيعية.
ولعل أكثر ما يضاعف مأساة هؤلاء الشباب هو انعدام وثائق الثبوتية في تلك المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات والفصائل المسلحة. فالشاب الذي يفقد هويته أو يُجرد منها قسراً، يصبح في نظر الجميع شخصاً غير موجود. لا يستطيع إثبات عمره، ولا جنسيته، ولا حتى حقه في العلاج أو التعليم أو السفر. وكثيراً ما تستخدم هذه الورقة كسلاح للضغط والابتزاز، حيث يُحتجز الشباب وأهاليهم رهائن للحصول على وثائقهم، أو تُمنح لهم مقابل ولاءات سياسية أو مادية، في صفقة تنتهك كرامتهم وتسلب حريتهم. إنه موت بطيء للهوية قبل الجسد، حيث يتحول الشاب إلى روح هائمة بلا عنوان، لا تعرف أين تنتمي، ولا إلى أين تتجه، وكأن الأرض التي ولد عليها قد تبرأت منه، وكأن التاريخ قد محاه من ذاكرته.
ولا تقل زنازين الاعتقال السرية في دهاليز أطراف النزاع سوءاً عن هذا المشهد المأساوي، بل إنها تجسد الموت البطيء بامتياز، خصوصاً للشباب الذين تم اختطافهم من نقاط التفتيش أو من منازلهم في غياب أي مبرر قانوني. في ظل انعدام المحاكمات العادلة، وانتشار أساليب التعذيب النفسي والجسدي الممنهج، وغياب أي أمل في الإفراج أو حتى في زيارة عائلية، تتحول سنوات العمر داخل تلك الزنزانات إلى انتظار مؤلم للمجهول المخيف. الشباب المعتقلون يعيشون لحظة القبض عليهم مراراً وتكراراً في رؤوسهم، بينما يتلاشى زمانهم الحقيقي في الخارج، وتضيع أحلامهم وطموحاتهم الدراسية والمهنية في غياهب السجون التي لا تعرف الرحمة. البعض يموتون هناك بصمت، والبعض يفقدون عقولهم قبل أن يفقدوا أرواحهم، والبعض يخرجون بعد سنوات أشباحاً لا تعرف كيف تعيش بين البشر. إنه قتل لكل ما يمكن أن يكون عليه الشاب، من قدرات وإبداع وشغف، ليصبح مجرد رقم في سجل معتقلين، أو جثة هامدة إذا ما انتهى به الأمر إلى مصير مجهول، تاركاً أهله في دوامة من البحث والانتظار الذي لا ينتهي.
هذا الموت البطيء الذي يحياه شباب السودان، في كافة هذه التفاصيل الموجعة، ليس مجرد كارثة عابرة، بل هو وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، وصمت دولي مطبق حول معاناة جيل كامل يُذبح على مذبح الحروب والانقسامات. إنه يتطلب وقفة جادة ورؤية مختلفة، ليس فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح، بل لإعادة الاعتبار لفكرة الحياة ذاتها، وفتح ممرات إنسانية آمنة، واستعادة حق الشباب في حلم الغد وبناء ذاته. الشباب الذين يعيشون في مناطق سيطرة أطراف الحرب هم الأكثر احتياجاً لهذه الوقفة، لأنهم يعيشون في قلب الجحيم، ويرون الموت بعينيه كل يوم، ومع ذلك ما زالوا يتمسكون بغصن الأمل الرقيق، ينتظرون يوم ينقشع فيه الغبار وتعود لهم حياتهم المسلوبة.
ولكن قبل أن نستسلم لليأس، لا بد من توجيه البوصلة نحو حقيقة جوهرية مفادها أن لم يشهد التاريخ البشري دولة تنهض وتبني مجدها وشبابها في عداد الغائبين، أو محاصرون في زنزانات الموت البطيء، أو مشلولون بفقدان الهوية والانتماء. فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية عابرة في المشهد الاجتماعي، بل هم القوة النابضة التي تمنح الدولة استمراريتها وحيويتها، وهم العمود الفقري لأي نهضة حقيقية. إذ يمتلك هؤلاء الشباب، رغم كل الجراح، إمكانية فريدة لا تتوفر لغيرهم؛ فهم الأقدر على دراسة الماضي بوعي نقدي، ليستخلصوا منه الدروس والعبر بعيداً عن شحنات الكراهية التي تزج بالبلاد في نفق مظلم، لأنهم عايشوا ويلاته وعرفوا ثمنه الباهظ. وهم الأجدر بإدارة الحاضر بكفاءة، لأنهم عاشوا انهياره وتفاصيل خلله عن كثب، ولأنهم يعرفون أين تكمن الجروح التي تحتاج إلى تضميد، وأين يقع الفساد الذي يحتاج إلى اجتثاث. وهم وحدهم القادرون على رسم مستقبل بلدانهم، ليس بالشعارات الجوفاء أو النظريات المستوردة، بل بمعرفة دقيقة باحتياجات أرضهم وشعبهم، وبهمة لا تعرف الكلل، وبإرادة صقلتها المعاناة فجعلتها أكثر صلابة. الشباب هم العقل المدبر واليد العاملة والروح المحفزة التي يمكنها، إن أُتيح لها المجال ولو للحظة، أن تقلب الموازين، وتقول للتاريخ كذباً بصوت عالٍ إن الشباب السوداني لا يموتون ببطء، بل ينتظرون لحظة الفجر ليكتبوا بأيديهم فصلاً جديداً، لا يكون الموت فيه إلا ذكرى عابرة، لا مصيراً محتوماً. هم وحدهم من يستطيعون تحويل جراح الماضي إلى جسور نحو المستقبل، وتحويل معاناتهم في مناطق الحرب إلى خبرة تمنحهم القدرة على بناء سلام حقيقي، ليس سلاماً هشاً فوق الورق، بل سلاماً ينبع من قناعة راسخة بأن الوطن يستحق التضحية، وأن الحياة تستحق أن تعاش بكرامة.
بتاريخ2يوليو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x