جغرافيا المستطيل الأخضر تفكيك الأيديولوجيا وإعادة صياغة الوعي الجيوسياسي الأفريقي

بقلم: ابراهيم عثمان أبو خليل
فلسفة اللعبة بين الوعي السياسي والعمى الأيديولوجي
لم تكن كرة القدم يوماً مجرد ركض عابث خلف ساحرة مستديرة، بل هي امتداد للأنطولوجيا (الوجود) السياسية، ومسرح لتوازنات القوى العالمية. في هذا الفضاء، يتجلى التمايز الصارخ بين نوعين من البشر: “الشخص الواعي كروياً” الذي يدرك الأبعاد السياسية والقارية للعبة باعتبارها أداة ناعمة لفرض السيادة واكتساب المصالح الحيوية، وبين “الجاهل الكروي” المصاب بـ”العقم المعرفي”، والذي يسجن طاقته الاستيعابية داخل “أيديولوجيات ضيقة”، واهماً أن تشجيع فريق ما هو نصر لعقيدة أو عِرق، وليس تفاعلاً مع ثقل سياسي وقاري. إن الكارثة الحقيقية تكمن في قصر نظر هؤلاء الذين يعجزون عن رؤية الروابط العميقة بين الهوية، الجغرافيا، والسيادة.
أولاً: كسر الصنم الأيديولوجي العربي وتفكيك الخطاب الإعلامي (بي إن سبورتس نموذجاً)
إن الفوارق بين تشجيع الأندية والمنتخبات هي فوارق بين “الانتماء الجزئي المؤقت” و”الوجود القاري المصيري”. عندما يرتفع رتم التنافس إلى مستوى كؤوس العالم، تتحول المنتخبات إلى سفراء لهويات جغرافية صلبة. وهنا نصل إلى “التهافت المعرفي” الذي يمارسه الإعلام الرياضي العربي – وعلى رأسه شبكة قنوات “بي إن سبورتس” (beIN SPORTS).
إن هذا الإعلام يصر على ممارسة “سرقة الهوية الجغرافية”، عندما يمجد إنجازات منتخبات شمال أفريقيا ويصمها بـ”الإنجازات العربية”، متناسياً أن “العرب” أيديولوجيا وثقافة، وليسوا قارة جغرافية لها حصص كروية في الاتحاد الدولي (الفيفا).
عليكم احترام “الحدود الكروية” والجيوسياسية للعبة؛ فالسعودية، اليابان، وإيران عندما يتنافسون، فهم يمثلون قارة آسيا، ومنتخبات شمال أفريقيا تمثل قارة أفريقيا. إن محاولة قسر الجغرافيا لتناسب الهوى الأيديولوجي هي تشويه لعدالة التوزيع القاري، ومحاولة بائسة لطمس الوعي الأفريقي المشترك.
ثانياً: براغماتية المصالح الكروية
ملحمة المغرب ٢٠٢٢ نموذجاً
التشجيع في البطولات العالمية هو “واجب قاري براغماتي” (مصلحي) بامتياز. المنتخب المتأهل يمثل شعبه وقارته معاً، لأن المنافع السياسية والرياضية تكمن في “توازن الحصص الكروية” داخل أروقة صناعة القرار العالمي.
عندما حقق المنتخب المغربي إنجازه التاريخي بالوصول إلى المربع الذهبي في كأس العالم 2022، لم يكن ذلك نَصراً لعرق أو أيديولوجيا، بل كان “إعادة تموضع جيوسياسي” للقارة الأفريقية بأكملها. هذا التألق فرض على العالم زيادة حصص ومقاعد القارة الأفريقية في النهائيات العالمية. لقد لعبت المغرب دوراً محورياً في كسر الهيمنة التقليدية، ومن هنا يصبح من واجبنا كأفارقة أن نقدم “المصلحة البراغماتية الأفريقية” فوق أي اعتبار آخر، لأن نجاح أي جزء من القارة هو رفعة لرصيد القارة بأكملها في صراع الإرادات الدولي.
إنني هنا، كـ”أبو خليل”، أعلنها بوضوح فلسفي لا لبس فيه: تشجيعي للمنتخبات الأفريقية ينطلق من “دوافع قارية واعية”، ومن إدراك عميق للمكاسب التي تجلبها هذه الانتصارات للسباق الأفريقي العالمي. عندما ينبض قلبي تشجيعاً لمصر، فإني لا أشجعها بدافع الإقامة الفيزيائية على أرضها، بل انطلاقاً من “وحدة المصير الأفريقي”.
سواء كنتُ في عمق الداخل السوداني، أو في المغترب الأمريكي، فإن حماسي لمصر هو ذاته حماسي للسنغال، الكونغو، ساحل العاج، الرأس الأخضر، الجزائر، تونس، غانا، وجنوب أفريقيا. في هذا الفضاء القاري، لا مجال للأدلجة القاصرة، ولا مكان لتصفية الحسابات السياسية الضيقة بين الأنظمة والدول داخل القارة الواحدة.
خاتماً ،العبور نحو التلاحم الأنطولوجي الأفريقي
أيها الأفارقة، إن وعينا الجمعي يجب أن يتأسس على “الأصالة الجغرافية” و”السيادة القارية”. لنترك المعارك الأيديولوجية الوهمية لمن يريدون إبقاءنا في غياهب التبعية والتفتيت. لتكن كرة القدم بوابتنا لإنتاج “ثورة إبستمولوجية” (معرفية) تؤكد للعالم أن أفريقيا جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالدعم والمساندة. نحن لا نلعب لنرضي أيديولوجيات الآخرين، بل نلعب لنثبت وجودنا الكوني، فاحترموا حدودنا الجغرافية، ولتخرس أصوات التقسيم.



