جيل يبكي بصمت: حين تبتلع الصفوة أحلام السودان

بقلم : أ/عبدالماجدالطاهرمحمداحمد (صمت القبور)
في زوايا النسيان، حيث تختفي الأصوات وتتلاشى الأحلام، يقف جيل كامل من شباب السودان يذرف دموعاً لا يراها أحد. دموع الألم التي تنزل بصمت، كالندى الذي يتبخر قبل أن يلمسه الصباح. جيل ولد في زمن الوعود الكاذبة، وكبر على أنين الحروب، وشاهد أحلامه تذوب في جيوب الصفوة كالثلج تحت لهيب الصيف. إنها ليست مجرد دموع عابرة، بل هي قصص كاملة من المعاناة والكبرياء المهشّم، وحكايات لأرواحٍ كانت تحلق في سماء الطموح فاصطدمت بجدران الواقع القاسي. شباب السودان اليوم يعيشون حالة من الانكسار الوجودي، يتساءلون عن معنى أن يكونوا جزءاً من هذا الوطن الذي يبدو أنه يبتلع أحلامهم واحدة تلو الأخرى، وكأنهم يعيشون في دولة لا مكان لهم فيها، وكأن هويتهم السودانية صارت عبئاً ثقيلاً يحملونه على ظهورهم بينما يمشون في طريق لا نهاية له من الحرمان والتهميش.
كانوا أطفالاً حين بدأت الحكاية، يحملون في صدورهم براءة الطفولة وأحلامها الكبيرة التي لا تحدها حدود. كان الماضي لوحة جميلة رسمها الآباء بالأمنيات، يحدثونهم عن سودان الماضي الجميل، عن نهضة زراعية وثروات طبيعية وعلماء نابغين صنعوا مجد البلاد. “ستكبرون وتبنون وطناً تزهو به الأمم”، كانت هذه الكلمات تتردد في مجالس العائلة، تغرس في قلوبهم بذور الأمل والانتماء. لكن القدر كان يخبئ لهم فصولاً أخرى من كتاب الألم، فصولاً لم تكن في الحسبان. كبروا على وقع خطى الجنود، وتعلموا العد بأصوات الطائرات الحربية التي كانت تحلق في سمائهم كلما اشتعلت نيران الصراع في إقليم ما. صارت الأغاني الوطنية مجرد أصداء في أروقة الذاكرة، واستبدلتها أغاني الفقد والرحيل التي يعزفها النازحون كلما تركوا بيوتهم خلفهم. الماضي الذي كانوا يفترشون به أحلامهم تحول إلى جروح تنزف كلما تذكروا أياماً كانت الحياة فيها أبسط، والوجوه أكثر ابتساماً، والأحلام أقرب إلى التحقق. كانوا يظنون أن الغد سيكون أفضل، لكن الغد جاء ومعه المزيد من الألم، وتحولت تلك البراءة الطفولية إلى مرارة يعرفها جيداً كل من عاش تحت وطأة الحروب والصراعات والنزوح المتكرر.
أما الحاضر فهو مرآة مكسورة تعكس وجوهاً منهكة وقلوباً مرهقة. شباب يحملون شهاداتهم كأوراق الخريف المتساقطة، يبحثون عن عمل يليق بتعب سنين الدراسة وعرق الجبين، فيجدون أبواباً موصدة ووعوداً مؤجلة. يعيشون على فتات الكرامة، في غرف صغيرة تؤجر بأثمان بخسة، ويرون أقرانهم في دول أخرى يحلقون في سماء النجاح بينما هم غارقون في مستنقع التهميش والإقصاء. في كل زاوية يلمسون جحيم الغلاء ولهيب البطالة، فسعر رغيف الخبز يرتفع كل يوم، وسعر الدواء يصبح حلماً بعيد المنال، وسعر الكرامة الإنسانية يتراجع أمام موجة اليأس العارمة. أحلامهم الصغيرة – بيت دافئ، وظيفة كريمة، حياة مستقرة، أسرة تطمئن على مستقبل أبنائها – أصبحت كالسراب في الصحراء القاحلة، كلما اقتربوا منها ابتعدت، وكلما مدوا أيديهم إليها تلاشت وكأنها لم تكن. الشباب اليوم يدركون أنهم يعيشون في دولة موازية، دولة تدار بقوانين غير مكتوبة، حيث المعايير ليست الكفاءة والجدارة بل المحسوبية والانتماء الحزبي والقبلي، وحيث الفرص ليست متاحة للجميع بل محصورة في دائرة ضيقة من الصفوة الذين يتوارثون المناصب والثروات كالميراث العائلي. إنهم يرون كيف أن أبناء الصفوة يدرسون في أفضل الجامعات العالمية بينما هم يكافحون من أجل الحصول على كتاب مدرسي، وكيف أن أبناء الصفوة يتقلدون المناصب القيادية بينما هم يبحثون عن أي وظيفة تليق بشهاداتهم التي باتت بلا قيمة في سوق العمل المشوه.
المستقبل… تلك الكلمة التي أصبحت ثقيلة كالصخر على صدورهم، ومرعبة كالكابوس كلما حاولوا تصوره. كلما حاولوا فتح نافذة أمل، أغلقت الرياح العاتية الأبواب في وجوههم بقوة، وكأن القدر يتآمر عليهم ليمنعهم حتى من حق الحلم. إنهم يعرفون يقيناً أن أحلامهم لن تتحقق في هذا الوطن الذي يئن تحت وطأة الصراعات والانقسامات، وأن طموحاتهم ستظل حبيسة جيوب الصفوة الذين استحوذوا على كل شيء: المال والمصانع والأراضي، السلطة والقرار والمناصب، الفرص التعليمية والصحية ووسائل الإعلام، وتركوا للآخرين فتات الألم والهموم اليومية. جيل كامل يعيش على حافة اليأس العميق، يتساءل في لياليه الطويلة: هل نحن لعنة على هذا الوطن أم أن الوطن هو الذي صار لعنة علينا؟ وهل هناك مفر من هذا الواقع الموجع أم أننا محكومون بالبقاء في دائرة المعاناة إلى الأبد؟ يرى هؤلاء الشباب كيف تتسع الفجوة بينهم وبين من يديرون شؤون البلاد، وكيف تتبخر ثروات السودان – الذهب والنفط والأراضي الخصبة والمياه الجوفية الهائلة – في حسابات بنكية بعيدة عن متناول أيديهم، بينما هم يكافحون من أجل وجبة طعام أو جرعة دواء أو فرصة تعليم لأطفالهم. يرون كيف أن قرارات الحرب والسلم تُتخذ في غرف مغلقة دون أن يُسألوا عن رأيهم، رغم أنهم من يدفعون الثمن الأغلى بأرواحهم وأحلامهم ومستقبلهم.
لكن وسط هذا الظلام الدامس الذي يكاد يخنق كل شعاع ضوء، يبقى وميض أمل خافت لا يريد أن ينطفئ. فشباب السودان، رغم كل ما يعانونه، لم يستسلموا بعد، ولم يلقوا أسلحة الأمل من أيديهم. هم يكتبون قصائدهم بدموعهم التي تنهمر على وسائدهم ليلاً، ويغنون أغانيهم بأنينهم الذي لا تسمعه الجدران، ويحلمون رغم كل شيء وكأن الحياة لم تخذلهم بعد. إنهم يعرفون أن الألم قد يكون مقدمة للأمل الذي لا بد أن يولد من رحم المعاناة، وأن الدموع التي تذرف اليوم قد تروي بذور التغيير التي ستنبت غداً. الشباب السوداني اليوم يتسلح بالإرادة والعزيمة، ويبحث عن أي منفذ للتعبير عن وجوده، سواء في الفنون التي تعكس وجعهم، أو في الأدب الذي يوثق معاناتهم، أو حتى في الأحلام الصغيرة التي يحتفظون بها ككنز ثمين لا يريدون أن يسلب منهم. إنهم يدركون أن بقاءهم في هذا الوطن وصبرهم على هذا الواقع هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة، وأن تمسكهم بالأمل رغم كل شيء هو انتصار في مواجهة كل من حاول كسر روحهم وإطفاء شعلتهم.
إن النظر إلى تجارب الشعوب الأفريقية الأخرى يمنحنا دروساً بليغة في كيفية تحويل دموع الألم إلى طاقة بناء وإعمار، وكيف يمكن للشباب أن يكونوا قلب النهضة وروح التغيير.
● في جنوب أفريقيا، كان الشباب في طليعة النضال ضد نظام الفصل العنصري، حيث قادوا مسيرات الاحتجاج في شوارع سويتو عام 1976م، وضحّوا بحياتهم من أجل كرامة الأجيال القادمة. هؤلاء الشباب لم ينتظروا أن تأتيهم الحرية على طبق من ذهب، بل خاضوا معركة وجودية استمرت لعقود، حتى تمكنوا من إسقاط أحد أبشع أنظمة التمييز العنصري في التاريخ الحديث. واليوم، يقود شباب جنوب أفريقيا مسيرة التنمية في بلادهم، ويصنعون لأنفسهم مكاناً في الاقتصاد العالمي رغم كل التحديات التي تواجههم.
● في رواندا، بعد المأساة المروعة التي شهدتها البلاد عام 1994م، والتي أودت بحياة أكثر من مليون شخص في مئة يوم فقط، كان الشباب هم عمود إعادة البناء الأساسي، فقد حملوا على عاتقهم مهمة تضميد الجراح وإعادة نسج النسيج الاجتماعي الممزق، وخرجوا من تحت رماد الإبادة ليبنيوا دولة تتصدر اليوم مؤشرات التنمية والتعافي في القارة، حيث أصبحت كيغالي من أنظف وأكثر مدن أفريقيا أمناً واستقراراً.
● أما في غانا، فقد كان الشباب هم المحرك الرئيسي للنهضة الديمقراطية، حيث أسهموا في ترسيخ ثقافة التداول السلمي للسلطة وجعلوا من بلادهم نموذجاً للاستقرار السياسي في غرب أفريقيا، واستطاعوا أن يحولوا بلادهم إلى وجهة استثمارية واعدة بفضل استقرارها السياسي وإرادة شبابها.
● في كينيا، قاد الشباب ثورة تكنولوجية غيرت وجه الاقتصاد، وأطلقوا منصات رقمية مثل نظام الدفع عبر الهاتف المحمول M-Pesa الذي غير حياة الملايين في القارة، وحولوا نيروبي إلى وادي السيليكون الأفريقي، مما خلق فرص عمل لملايين الشباب وحوّل التحديات إلى فرص حقيقية. وكذلك في نيجيريا، حيث أثبت الشباب أن الصناعة الإبداعية يمكن أن تكون مصدراً للقوة الناعمة والدخل القومي، فغزوا العالم بأفلام نوليوود وموسيقاهم الأفروبيت ورواياتهم الأدبية، وأثبتوا أن العقول الشابة قادرة على منافسة العالم بأسره وإعادة صياغة صورة القارة في الخارج.
هذه التجارب الملهمة تثبت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:
☆ أن الشباب ليسوا عبئاً على المجتمعات، بل هم أثمن مواردها وأقوى محركات تغييرها.
☆ إنهم ليسوا مجرد مستقبل ينتظر دوره، بل هم حاضر حيوي وفاعل قادر على صنع المعجزات متى ما أتيحت لهم الفرص ومتى ما آمنت بهم قياداتهم واستثمرت في طاقاتهم الهائلة.
كل دولة أفريقية نجحت في تحقيق قفزة تنموية حقيقية كانت قد راهنت على شبابها، واستثمرت في طاقاتهم الإبداعية، وفتحت لهم آفاق المشاركة والتأثير، ومنحتهم الثقة بأنهم شركاء حقيقيون في صناعة القرار. السودان، بكل ما يمتلك من ثروات وإمكانيات وموارد طبيعية هائلة، يملك في شبابه كنزاً لا يقدر بثمن، لكن هذا الكنز يظل مدفوناً تحت ركام الإهمال والتهميش، يحتاج فقط إلى من يكتشفه ويستثمره ويضعه في الموضع الصحيح. شباب السودان لديهم من الموهبة والإرادة والصبر والذكاء ما يجعلهم قادرين على صنع المعجزات، لكنهم بحاجة إلى بيئة تمكنهم وتدعمهم وتؤمن بأحلامهم بدلاً من أن تسحقها وتدفنها تحت جبال القهر واليأس. إنهم بحاجة إلى دولة تضع التعليم والتدريب في صدارة أولوياتها، وإلى اقتصاد يخلق فرص العمل بدلاً من أن يقتلها، وإلى سياسة تسمع صوتهم بدلاً من أن تكتم أنفاسهم، وإلى مجتمع يقدّر إبداعهم بدلاً من أن يهمش وجودهم.
لعل ما يزيد المأساة عمقاً أن الشباب السوداني يعيشون حالة من العزلة النفسية والاجتماعية القاسية، حيث يشعرون أن المجتمع يتجاهل معاناتهم ويتغاضى عن آلامهم وكأنها غير موجودة، وكأن صراخهم الداخلي لا يسمعه أحد. هم يعيشون في زمن تتداخل فيه الأزمات لتشكل عاصفة كاملة لا هوادة فيها: أزمة اقتصادية طاحنة تجعل المعيشة شبه مستحيلة حتى لأبسط الاحتياجات اليومية، وأزمة سياسية حادة تستنزف الطاقة الوطنية وتشتت الجهود وتعمق الانقسامات، وأزمة أمنية مستمرة تحول المدن إلى ساحات قتال والقرى إلى مخيمات نزوح وتهجير قسري، وأزمة تعليمية تجعل جيلاً كاملاً يواجه مستقبلاً مظلماً بلا مهارات ولا أدوات، وأزمة صحية تنذر بانهيار المنظومة الطبية التي أصبحت بالكاد تصمد تحت وطأة النزوح والحصار ونقص الدواء والطواقم الطبية. وفي خضم هذه العواصف المتلاطمة، يجد الشباب أنفسهم بلا ملاذ ولا أمان ولا أفق، كالسفينة التي تمخر عباب بحر هائج بلا قبطان ولا بوصلة ولا أمل في الوصول إلى بر الأمان. لكن رغم كل هذه العاصفة الهوجاء، لا يزال في قلوبهم مساحة للصبر والأمل، لا يزال هناك من يتمسك بجذوة الإيمان بأن الغد قد يكون مختلفاً، وأنه لا بد أن يأتي يوم يلتفت فيه العالم لصرختهم، وتنتبه الصفوة أخيراً إلى أن ازدهار الوطن لا يكون بإفقاد جيله أحلامه، بل بزرع الأمل في قلوبهم، وفتح الأبواب في وجوههم، ومد الجسور نحو مستقبل يستحق التضحية والبناء، وجعلهم شركاء حقيقيين في صنع القرار وفي رسم ملامح الغد.
إن شباب السودان اليوم يمرون بأصعب اختبار في تاريخهم الحديث، لكن التاريخ يذكرنا بأن أصعب الظروف كانت دائماً هي التي تنتج أقوى الشخصيات وأعظم الإنجازات. وكما تحدى شباب جنوب أفريقيا آلة الفصل العنصري البشعة، وكما انتفض شباب رواندا من تحت أنقاض الإبادة الجماعية، وكما بنى شباب غانا وكينيا ونيجيريا حضاراتهم بأيديهم وإرادتهم، فإن شباب السودان قادرون أيضاً على كتابة فصولهم المجيدة، متى ما توافرت لهم شروط النجاح: تعليم نوعي يطلق طاقاتهم الإبداعية، اقتصاد منتج يمتص بطالاتهم ويعطيهم دوراً في بناء الثروة، سياسة رشيدة تستمع لصوتهم وتأخذ برأيهم، ومجتمع عادل يمنحهم فرصتهم في الحياة بغض النظر عن أصولهم أو انتماءاتهم. المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم في تغيير هذا الواقع، بل على الصفوة التي تتحكم بمقدرات البلاد أن تدرك أن بقاءها واستمرارها في موقع القيادة مرتبطان باستثمارها في شبابها الحقيقيين، وليس باستنزافهم وتهميشهم وإقصائهم وإجبارهم على الهجرة أو اليأس. فاليوم الذي يفقده فيه السودان شبابه هو اليوم الذي يفقده فيه مستقبله، واليوم الذي يخسر فيه ثقة أبنائه هو اليوم الذي يخسر فيه وجوده في خريطة الأمم ويعود به إلى عصور التخلف والانعزال.
في النهاية، تبقى دموع شباب السودان شاهدة على زمن ظالم، وتاريخ يكتب بأحرف من نار على جبين أمة تترنح بين الماضي الثقيل والمستقبل الغامض. ولكنهم سيظلون يرددون في قرارة أنفسهم وهم يمسحون دموعهم بأكمامهم الممزقة: “سنبقى نحلم، لأن الأحلام وحدها هي ما يمنحنا القوة للاستمرار في مواجهة هذا الليل الطويل.” إنهم يعرفون أن الألم لا يدوم للأبد، وأن الليل مهما طال فلابد من فجر يشرق ولو بعد حين، وأن الجروح مهما عمقت فلابد من زمان يندمل فيه الألم، وأن الأحلام مهما تأخرت فلابد من لحظة تتحقق فيها ولو بعد صبر طويل. وإلى ذلك اليوم البعيد أو القريب، سيواصل شباب السودان البكاء والصبر والأمل، لأنهم يدركون أن دموعهم اليوم ليست دموع ضعف واستسلام، بل هي دموع قوة تصنع التاريخ وتنحت المستقبل بأيدٍ مرتعشة ولكن قلوبها لا تزال تنبض بالإيمان، وهي دموع تروي أرضاً جافة وقاحلة لتنبت فيها يوماً – لا محالة – أشجار الحرية والكرامة والازدهار، وتثمر ثماراً يحصدها أبناؤهم من بعدهم. إنهم يكتبون بأدمعهم سفراً جديداً من سفر الصمود الأفريقي، سفراً سيقرأه أطفالهم وأحفادهم في يوم من الأيام، وسيفخرون بأن جدودهم كانوا من أولئك الذين رفضوا أن تنطفئ جذوة الأمل في قلوبهم رغم كل الظروف القاسية التي مرت بهم.
بتاريخ 15يوليو 2026م



