حركة/جيش تحرير السودان الرؤية الصادقة والبديل الحتمي

بقلم / عبدالله عيسى (النذير)
لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرّد صراع عسكري بين قوتين مسلحتين، بل أصبحت دليلاً صارخاً على الإفلاس السياسي والأخلاقي للنخبة العسكرية التي اختطفت الدولة وحوّلتها إلى ساحة لتصفية حساباتها الخاصة. فالمشهد الراهن لا يعكس معركة من أجل الوطن أو (الكرامة)، وأنها ليست حربا لاسقاط دولة ٥٦ (الفلول) بل تنافساً محموماً على السلطة داخل دولة منهارة، يدفع ثمنه المدنيون قتلاً وتشريداً وتجويعاً.
لقد سقط وهم “المنقذ العسكري”، وتهاوى خطاب “حماية الدولة”، بعدما تحوّلت مؤسساتها إلى أدوات صراع، وصار السلاح وسيلة للحكم لا للحماية. كما أثبتت التجربة أن كل التسويات التي أبقت العسكر في موقع القرار لم تكن سوى تأجيل لانفجار أكبر، لأن جوهر الأزمة لم يُمسّ، بل جرى الالتفاف عليه.
في هذا السياق، يبرز مشروع حركة/جيش تحرير السودان مشروعاً مضاداً جذرياً لمنطق الدولة القديمة، لا يكتفي بإدانة الحرب، بل يضع يده على أصل الداء: دولة بُنيت على الإقصاء، واحتكار السلطة، ونهب الموارد، وتهميش الأطراف. فالحركة لم تنشأ نتيجة نزاع عابر، بل نتيجة تراكم تاريخي من الظلم البنيوي الذي حُكمت به أقاليم كاملة خارج معادلة الوطن.
الصراع الحالي بين الجنرالان ومنتسبيهم لا يحمل أي مضمون وطني، لأنه صراع بين أطراف تشترك في العقلية ذاتها: عقلية السيطرة لا الخدمة، والهيمنة لا الشراكة، والقوة لا القانون. وهو صراع لا ينتج دولة، بل يعمّق تفككها، ويعيد إنتاج المليشياوية، ويؤسس لاقتصاد حرب دائم، قوامه الذهب والتهريب والسلاح.
في مواجهة هذا الانسداد التاريخي، تطرح حركة/جيش تحرير السودان رؤية تقوم على قلب المعادلة: من دولة تُدار بالبندقية إلى دولة تُدار بالعقد الاجتماعي. ومن صفوة تحتكر السلطة والثروة إلى عامة الشعب تمتلك قرارها التنموي والسياسي. ومن جيش مسيّس إلى جيش قومي مهني يخضع للسلطة المدنية وحماية حدودها .
وترتكز هذه الرؤية على أسس واضحة لا تحتمل التأويل ، دولة علمانية ليبرالية ديمقراطية لا شراكة فيها مع العسكر في السياسة، ونظام حكم لا مركزي حقيقي لا شعارات فارغة، وعدالة انتقالية لا مساومات فيها على دماء الضحايا، وتنمية متوازنة (سوق حر) تُنهي علاقة المركز الطفيلي بالأطراف المنهوبة.
السلطة المدنية بالأراضي المحررة… نموذج الدولة البديلة
وفي وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الجنرالات، وتحوّلت المدن إلى ساحات فوضى ونهب وسلاح منفلت، قدّمت السلطة المدنية في الأراضي المحررة نموذجاً مغايراً لطبيعة الحكم في السودان. نموذج يقوم على الإدارة المدنية، وتنظيم شؤون المجتمع، وتقديم الخدمات الأساسية، وحفظ الأمن المجتمعي، وإشراك المواطنين في اتخاذ القرار، بعيداً عن منطق المليشيا وهيمنة البندقية بعيدا عن خطابات الكراهية والتمييز بمختلف أنواعه.
هذه السلطة المدنية برغم شحّ الإمكانيات وقسوة الحرب والحصار، أثبت أن المشكلة في السودان لم تكن يوماً في غياب الموارد، بل في طبيعة السلطة نفسها. ففي المناطق التي أُبعدت فيها القبضة العسكرية عن السياسة، ظهرت ملامح دولة ممكنة: إدارات مدنية، تنظيم للخدمات، واحترام لكرامة المواطن، وهو ما عجزت عنه كل الحكومات المتعاقبة في السودان بجميع أجهزتها.
إن هذه التجربة تجسد بان الدولة يجب أن تدار بالشرعية الشعبية لا بالانقلابات، وبالقانون لا بالأوامر العسكرية. وهي بذلك لا تمثل مجرد إدارة محلية مؤقتة، بل نواة فعلية لما يمكن أن تكون عليه الدولة السودانية إذا تحررت من عقلية الثكنة.
من هنا، فإن حركة/جيش تحرير السودان، إذا التزمت برؤيتها الواضحة تجاه الحرب العبثية ، ورفضت الانزلاق إلى لعبة المحاور أو الانضمام لأي طرف ونجحت في التحول إلى حامل سياسي وطني جامع.
كما ان الحركة وضعت حلول واضحة لإيقاف الحرب وهي عبر تشكيل جبهة مدنية عريضة يشترك فيها جميع مكونات الشعب السوداني المختلفة ، والجلوس إلى طاولة حوار سوداني-سوداني، من أجل التوافق على أسس بناء دولة المواطنة المتساوية التي تضمن حقوق الشعب دون تمييز.



