مقالات الرأي

حزب الأمة و الهروب من سؤال الدولة السودانية

بقلم: م/ عبدالله رابح شارون
٣٠ مايو ٢٠٢٦م

كلما اقترب السودانيون من مواجهة الأسئلة الكبرى التي صنعت أزماتهم التاريخية، ظهرت قوى سياسية تفضل الهروب إلى الأمام بدلًا من تقديم إجابات واضحة. ولعل موقف حزب الأمة من إعلان المبادئ وقضية العلاقة بين الدين والدولة يمثل أحد أبرز نماذج هذا التردد السياسي الذي رافق الحياة العامة في السودان لعقود طويلة.

فإعلان المبادئ بنيروبي لم يكن مؤامرة على الدين كما حاول البعض تصويره، ولم يكن دعوة لاقتلاع هوية المجتمع أو طمس قيمه، بل كان محاولة لوضع أسس جديدة لدولة تتسع لجميع مواطنيها على اختلاف أديانهم وأعراقهم وثقافاتهم. غير أن حزب الأمة اختار الاصطفاف في معسكر الرفض والتحفظ، وكأن مجرد مناقشة علاقة الدين بالدولة أصبحت خطًا أحمر لا يجوز الاقتراب منه.

المفارقة أن السودان دفع أثمانًا باهظة بسبب الفشل المستمر في حسم هذه القضية. فقد كانت مسألة هوية الدولة وطبيعة التشريع وحقوق المواطنين من بين أهم أسباب الصراعات والانقسامات التي مزقت البلاد وأضعفت وحدتها الوطنية. ومع ذلك لا يزال حزب الأمة يتعامل مع الملف وكأنه قضية مؤجلة يمكن تجاوزها بالشعارات العامة والخطابات العاطفية.

إن رفض معالجة العلاقة بين الدين والدولة لا يحمي الدين، بل يتركه رهينة للصراع السياسي والمزايدات الحزبية. فالدين أكبر من أن يكون أداة في المنافسة السياسية، والدولة أوسع من أن تُدار بمنطق الإقصاء أو الامتيازات الدينية. وما تحتاجه البلاد اليوم هو عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على التفسيرات المتنازع عليها للهوية الدينية للدولة.

لقد أثبتت التجارب السودانية المتعاقبة أن الغموض في هذه القضية لم ينتج استقرارًا، بل أنتج مزيدًا من الأزمات. ولذلك فإن الموقف الرافض لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة ليس موقفًا محافظًا بقدر ما هو موقف يعيد إنتاج المشكلات نفسها التي عانى منها السودان لعشرات السنين.

إن النقد الموجه لحزب الأمة لا ينطلق من خصومة سياسية ضيقة، بل من قناعة بأن القوى السياسية الكبرى تتحمل مسؤولية تاريخية في مواجهة الحقائق بدلًا من الالتفاف حولها. فالسودان الحديث لن يُبنى بالهروب من الأسئلة الصعبة، ولن يتحقق السلام الدائم بتجاهل جذور الأزمة الوطنية.

لقد آن الأوان لأن تدرك الأحزاب التقليدية أن مستقبل السودان لا يُصنع بالشعارات الموروثة، بل بالشجاعة الفكرية والسياسية اللازمة للاعتراف بأن دولة المواطنة المتساوية ليست تهديدًا للدين، وإنما الضمان الحقيقي لوحدة الوطن واستقراره. أما الاستمرار في رفض هذا النقاش أو تعطيله فلن يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة وإعادة إنتاج الفشل ذاته بأسماء وشعارات مختلفة

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x