مقالات الرأي

حقوق الضحايا ليست محل مساومة

بقلم : زيدان تور

ليست العدالة شعارًا يُرفع عند تقاطع المصالح السياسية ، ولا ورقة تفاوض تُستخدم لتحقيق مكاسب آنية . فالضحايا الذين فقدوا أرواحهم ، و شُرّدوا من ديارهم ، و تعرضوا للتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري ، لا يمكن أن تتحول حقوقهم إلى بند قابل للمساومة في أي تسوية سياسية .
في الحالة السودانية ، ولا سيما في دارفور ، وكردفان ونيل الازرق ، ارتُكبت منذ عام 2003 انتهاكات جسيمة وثقتها منظمات دولية ولجان تحقيق مستقلة ، شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، كما وُجهت اتهامات بالإبادة الجماعية في بعض القضايا . وفي مارس 2005 أحال مجلس الأمن الدولي ، بموجب القرار 1593، الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية ، لتبدأ المحكمة تحقيقاتها في الجرائم التي يُشتبه في ارتكابها داخل الإقليم منذ الأول من يوليو 2002.
إن جوهر العدالة الدولية يقوم على مبدأ بسيط : المسؤولية الجنائية فردية . فلا تُدان الشعوب ، ولا القبائل ، ولا المجتمعات بأكملها ، وإنما يُحاسب الأشخاص الذين توجد بحقهم أدلة قانونية كافية على ارتكاب الجرائم أو المسؤولية عنها ، مع ضمان جميع حقوقهم في محاكمة عادلة وفقًا للقانون .
ولهذا ، فإن أي حديث عن السلام المستدام لا يكتمل من دون العدالة . فالتجارب الدولية أثبتت أن تجاهل حقوق الضحايا أو تأجيل المساءلة لا يؤدي إلى إغلاق الجراح ، بل يتركها مفتوحة ، ويُغذي الشعور بالإفلات من العقاب ، ويزيد احتمالات تكرار الانتهاكات .
إن المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية يظلون خاضعين للإجراءات القضائية حتى تُحسم قضاياهم أمام القضاء المختص ، ولا ينبغي أن تصبح أوامر القبض أو ملفات المساءلة محل مساومات سياسية أو صفقات مرحلية . فاحترام سيادة القانون يقتضي تنفيذ الالتزامات القانونية ، وترك الفصل في المسؤولية الجنائية للمحاكم ، لا للخطابات السياسية أو موازين القوة.
وفي المقابل ، فإن العدالة الحقيقية لا تقتصر على المحاكمات وحدها ، بل تشمل أيضًا الاعتراف بمعاناة الضحايا ، وجبر الضرر ، وكشف الحقيقة ، وضمان عدم التكرار ، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الانتهاكات.
إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على النسيان القسري ، ولا على طمس ذاكرة الضحايا ، بل على مبدأ واضح : لا أحد فوق القانون ، ولا تسقط الجرائم الجسيمة بالتقادم الأخلاقي أو السياسي .
فالسلام الذي يتجاهل العدالة سلام هش ، أما السلام الذي يقوم على الحقيقة والمحاسبة وإنصاف الضحايا ، فهو وحده القادر على تأسيس دولة تحترم الإنسان وكرامته وسيادة القانون.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x