مقالات الرأي

حوارٌ من طرفٍ واحد لا يوقف الحرب: نحو حوار سوداني حقيقي

بقلم: مصعب أحمد

في ظل الاحتقان السياسي والعسكري الذي يعيشه السودان، تتجدد الدعوات إلى الحوار باعتباره الطريق لإنهاء الحرب والوصول إلى تسوية سياسية. ولا خلاف في أن الحروب، مهما طال أمدها، تنتهي في النهاية إلى التفاوض، لكن السؤال الحقيقي هو: أي حوار نريد؟ وهل يمكن لحوار انتقائي أو من طرف واحد أن يوقف الحرب ويؤسس لسلام دائم؟

الدعوة إلى حوار سوداني ـ سوداني تبدو، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية، لكن الحوار الحقيقي لا يمكن أن يكون غطاءً لإدارة الانقسام أو تكريس الأمر الواقع. فالسودان وطن واحد، وليس فقط المناطق التي تسيطر عليها هذه القوات أو تلك.

ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تنظر قيادة الدولة إلى السودان من خلال خريطة السيطرة العسكرية فقط. فالمواطن في دارفور أو كردفان أو الجزيرة أو أي منطقة أخرى لا يفقد حقه في الدولة لمجرد أن الحكومة لا تسيطر على أرضه. وكلما تراجعت الدولة عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها، اتسعت مساحة السلطات البديلة، وأصبح الانقسام السياسي والجغرافي أكثر رسوخاً.

ولعل قضية امتحانات الشهادة السودانية وما رافقها من حرمان أو تعقيدات واجهت طلاباً في دارفور وكردفان تقدم مثالاً واضحاً على خطورة هذا المسار؛ فعندما تعجز الدولة عن توفير حق أساسي لمواطنيها، تظهر سلطات أخرى لتملأ الفراغ. وهنا لا يعود الأمر مجرد إجراء إداري، بل يتحول إلى مؤشر على تشكل واقع سياسي جديد.

هل تغيرت المبادئ؟

من المفارقات أن بعض الأصوات التي ظلت لسنوات تحذر من مخاطر الحكم العسكري وتدعو إلى الدولة المدنية، أصبحت اليوم تساهم في تهيئة المناخ لحوار قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها.

والسؤال هنا ليس اتهاماً لأحد، وإنما سؤال للمراجعة: هل تغيرت المبادئ، أم أن ضغط الواقع أصبح أقوى من المبادئ؟

السودان لا يحتاج إلى حوار بين مراكز القوة وحدها، ولا إلى حوار يمكن أن يتحول إلى صفقة سياسية مؤقتة. السودان يحتاج إلى حوار وطني حقيقي يشارك فيه جميع أصحاب المصلحة والقوى السياسية والمدنية والمجتمعية والعسكرية، باستثناء المؤتمر الوطني ونظامه الذي يتحمل مسؤولية تاريخية عن جانب كبير من الأزمة السياسية التي قادت البلاد إلى هذا المآل.

الحوار الحقيقي يبدأ بوقف الحرب

إذا كانت هناك إرادة جادة للسلام، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح ممرات آمنة ومستدامة لإيصال المساعدات الإنسانية.

بعد ذلك، ينبغي تشكيل لجنة وطنية مستقلة ومحايدة تمهد لحوار سوداني شامل، يفضي إلى ترتيبات انتقالية بقيادة مدنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ثم صياغة دستور متوافق عليه، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب من يحكمه.

أما المؤسسة العسكرية، فمكانها الطبيعي هو حماية الوطن والدستور، لا إدارة الحياة السياسية والحكم.

أخطر ما في الحوار الصوري

المشكلة ليست في الحوار، وإنما في الحوار الصوري أو الانتقائي الذي يمنح شرعية للأمر الواقع العسكري.

فكل حوار لا يعالج جذور الحرب، ولا يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقيون، ولا يسبقه وقف للقتال، قد يتحول من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى وسيلة لتثبيت الانقسام.

ولهذا فإن دعم حوار انتقائي، عن قصد أو غير قصد، قد يساهم في تكريس واقع سياسي وجغرافي يصعب التراجع عنه، ويمنح الحرب نتائج سياسية لم تستطع تحقيقها عسكرياً.

الشرعية من الشعب لا من السلاح

في النهاية، لا يمكن أن تكون السيطرة العسكرية مصدراً دائماً للشرعية السياسية. الشرعية الحقيقية تأتي من الشعب ومن صناديق الاقتراع، لا من فوهة البندقية.

السودان ليس ملكاً لقوة عسكرية، ولا لحزب، ولا لشخص، وإنما هو وطن لجميع السودانيين.

لذلك، إذا كان لا بد من الحوار، فليكن حواراً سودانياً حقيقياً لا حواراً بين مراكز القوة وحدها.

وإذا كانت هناك شرعية، فلتكن شرعية الشعب.

وإذا كان هناك مستقبل للسودان، فليكن سوداناً واحداً يتسع للجميع، لا سوداناً تحدده خرائط السيطرة العسكرية.

فالسلام الذي لا ينهي أسباب الحرب ليس سلاماً، والحوار الذي يكرّس الانقسام ليس حواراً وطنياً، والشرعية التي لا يمنحها الشعب لا يمكن أن تكون شرعية دائمة.


4-سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x