حوار سوداني-سوداني: الطريق الوحيد لكسر حلقة الحرب

بقلم: عاطف محمد أحمد
في ظل فشل الأحزاب التقليدية – التي تمثل واحدة من أزمات الدولة البنيوية – بفعل طابعها الديني أو التابع العرقي أو الجغرافي، وغياب قدرتها على إنقاذ الشعب من الدمار وإنهاء الحرب وبناء مشروع تنموي مستدام، أصبحت مراجعة المواقف الوطنية ضرورة ملحة.
إن تبني موقف الحياد تجاه هذه الحرب العبثية ليس موقفاً رمادياً، بل خيار وطني مسؤول لإنقاذ الشعب من دوامة العنف المتكرر منذ 1956. فمنذ الاستقلال، لم تخرج الدولة السودانية من دائرة الحرب والاتفاقيات المؤقتة: اتفاقيات لم تُنفذ، ومصالحات أُبرمت فوق دماء الضحايا، وحروبات تجددت بأسماء وشعارات جديدة. كل مرة يُعاد تدوير نفس الوجوه تحت لافتة “التسوية”، وتُترك جذور الأزمة بلا معالجة.
الحياد هنا يعني رفض الانخراط في صراع لا يخدم إلا إعادة إنتاج النخب ذاتها، على حساب حياة المواطنين ومستقبل الأجيال. وهو دعوة لوقف الاستثمار السياسي في الحرب، والانتقال إلى مسار يخاطب جذور الأزمة التاريخية بصراحة، عبر حوار سوداني-سوداني خالص، بعيداً عن الوصاية الخارجية والامتيازات المزيفة.
هذا الحوار لا ينجح إلا إذا قام على الاعتراف المتبادل، واحترام التنوع الثقافي واللغوي، ورفض أي شكل من أشكال التعالي أو الإقصاء. وتحت مظلته يجب أن تشارك كل مكونات الشعب السوداني، باستثناء الحركة الإسلامية وواجهاتها، لما ثبت من دورها في إنتاج الأزمة وتدويرها.
وبعد تثبيت المسار السياسي، لا بد من استكماله بالعدالة. فلا سلام مستدام بلا محاسبة للمجرمين أمام قضاء مستقل، ولا تسوية حقيقية بلا جبر ضرر وتعويض عادل للمتضررين.
الرهان اليوم ليس على مزيد من الاتفاقيات الشكلية التي عرفها تاريخ السودان منذ الاستقلال، بل على إرادة سياسية تضع المواطن ودمه وكرامته فوق أي مساومة.



