مقالات الرأي

حين استعاد المستبدون عرشهم من شباك الردة

حمزة عبدالرحمن محمد/ شاعر و كاتب


​في أتون التاريخ الإنساني نادراً ما تندلع ثورات بمثل نقاء وطهارة ثورة ديسمبر المجيدة في السودان تلك الهبة الشعبية العارمة التي لم تكن مجرد غضبة عابرة بل كانت زلزالاً مدوياً هز أركان نظام الاستبداد والشمولية الذي أذاق الشعب السوداني سوء العذاب لعقود ثلاثة تحت يافطة الحركة الإسلامية.
لقد خرج الملايين إلى الشوارع بلا سلاح سوى الإيمان بالحرية والسلام والعدالة ليقتلعوا جذور نظام أكل الأخضر واليابس وطردوه من الباب الرئيسي للتاريخ مخلوعاً ومذلولاً.
​غير أن طغاة الأمس وقوى الظلام لا يموتون بسهولة بل يتقنون فنون الالتفاف والتخفي ليعودوا بخبث السياسة ودهاء المكر عبر شباك الردة مستغلين تحصناتهم العميقة وشبكات تمكينهم داخل المؤسسة العسكرية. فكان انقلاب الحادي والعشرين من أكتوبر 2021 صفحة حالكة الظلام أعادت إنتاج المأساة بقسوة بالغة لتثبت أن معركة التحرر لم تكن وليدة ليلة وضحاها وأن قوى الثورة المضادة قادرة على ارتداء أحدث أقنعة الخداع حين تضيق بها حلقة الخلاص.
​لقد تجلت مأساة الأقنعة بأقسى صورها وأكثرها عبثية حين قلبت الطاولة على رأس قوى الثورة الحية. لم يكن انقلاب 2021 مجرد خطوة عسكرية تقليدية بل كان إعادة تدوير ممنهجة لفلول النظام البائد أولئك الذين عرفهم الشعب السوداني عبر ممارسات القمع والفساد الممنهج والبطش المبرر بالدين.
​عاد الكيزان وعناصر الحركة الإسلامية إلى واجهة المشهد بوجوه جديدة وخطابات مموهة تتستر بمسوح الوطنية المزيفة والشعارات البراقة بينما كانت خيوط اللعبة تحركها ذات الأيادي التي دمرت مقدرات البلاد وأشعلت حروبها. لقد انطلت هذه الخدعة السياسية على الكثير ممن غرتهم التموضعات الشكلية فتوهموا أن ما حدث هو مجرد تباين في وجهات النظر متجاهلين الحقيقة الساطعة بأن الردة العسكرية لم تكن سوى محاولة يائسة لبعث النظام البائد من رماده تحت غطاء الجيش وحمايته لاستعادة مواقع النفوذ والمال والقرار.
​والأمر الأكثر إيلاماً ومرارة في هذه المعادلة المقلوبة هو ذلك الانقلاب الأخلاقي والسياسي الذي شهده الواقع السوداني إذ تحول المجني عليه إلى جان وأضحى اسم الثائر تهمة ثقيلة وجريمة يعاقب عليها بالاعتقال والمطاردة والتخوين والتضييق الممنهج.
​في المقابل تسيد المشهد العام أولئك الذين استعادوا تمكينهم القديم وشبكات مصالحهم المنهوبة متوسلين بغطاء المؤسسة العسكرية ومستندين إلى ظهير استبدادي يفتقر لأية شرعية شعبية أو أخلاقية. لقد بات صوت الحق خافتاً تحت وطأة الترهيب ومحاولات كسر الوعي بينما علت أصوات الانتهازيين والمنتفعين الذين يبيعون الأوطان في سوق النخاسة السياسي مروجين لخطاب الكراهية ومحاولات شيطنة كل من ساهم في إسقاط الطاغية الأكبر.
​إن ما يعيشه السودان اليوم ليس سوى فصل حالك من فصول الصراع الأزلي بين مشروع الحرية ومشاريع الوصاية والاستبداد. غير أن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي دفعت في سبيل ثوراتها أثماناً باهظة من دماء أبنائها الأحرار وتجرعت مرارة القهر والنزوح لا يمكن أن ترضى بالعبودية الجديدة مهما بلغت دهاء الماكرين وتعددت أقنعتهم.
​إن ثورة ديسمبر المجيدة لم تكن حدثاً عابراً في الزمن بل هي وعي متجذر في وجدان الإنسان السوداني وعي سيتحطم على صخرته كل زيف وستسقط بفضله كافة الأقنعة المزيفة. وسيجلى غبار المعركة في النهاية عن وطن حر ديمقراطي وعادل يرتفع فيه صوت الحياة على صليل السيوف و دوي المدافع و تنتصر فيه الإرادة الشعبية العارمة على عتمة الفلول ومؤامرات الانتهازيين.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x