مقالات الرأي

حين تتحكم النفس في السياسة

بقلم: د.كمال عبدالعزيز


15 مايو 2026م

يُعد علم النفس السياسي من الحقول المعرفية المهمة التي تربط بين علم النفس والعلوم السياسية، إذ يهتم بدراسة السلوك السياسي للأفراد والجماعات، ومحاولة فهم الدوافع النفسية التي تؤثر في اتخاذ القرار السياسي، سواء لدى القادة أو الجماهير. وقد تناول الدكتور مجدي اسحاق وليد سليمان وآخرون هذا المجال بوصفه أداة لفهم العلاقة المعقدة بين الإنسان والسلطة، وبين المشاعر الجماعية والتحولات السياسية والاجتماعية.

يرى علم النفس السياسي أن الإنسان لا يتصرف سياسياً بطريقة عقلانية خالصة، بل إن مشاعره ومخاوفه واحتياجاته النفسية تلعب دوراً كبيراً في تشكيل مواقفه السياسية. فالخوف، والشعور بالتهديد، والرغبة في الأمان أو الانتماء، كثيراً ما تؤثر في اختيارات الناس أكثر من البرامج السياسية أو التحليلات المنطقية. ولهذا فإن دراسة السياسة لا يمكن أن تنفصل عن دراسة النفس البشرية، لأن السلوك السياسي في جوهره انعكاس لتفاعلات نفسية واجتماعية عميقة.

ومن أهم القضايا التي يركز عليها علم النفس السياسي قضية السلطة والخوف. فالعديد من الأنظمة السياسية تستخدم الخوف كوسيلة للسيطرة على المجتمع وضبط سلوك الجماهير، سواء عبر القمع المباشر أو عبر صناعة القلق الجماعي والشعور بالخطر المستمر. وفي المقابل، قد تدفع مشاعر الخوف والإحباط بعض المجتمعات إلى العنف أو التمرد أو البحث عن قائد قوي يمنحها الإحساس بالأمان والاستقرار. لذلك فإن العلاقة بين السلطة والجمهور غالباً ما تكون علاقة نفسية بقدر ما هي علاقة سياسية.

كما يهتم هذا العلم بدراسة سيكولوجية الجماهير، وكيف تتحول الجماعات البشرية في أوقات الأزمات إلى كتل عاطفية تتأثر بالشعارات والخطابات الحماسية. فالجماهير في أوقات التوتر قد تميل إلى التفكير العاطفي أكثر من التفكير النقدي، مما يجعلها أكثر قابلية للتأثر بالدعاية السياسية والإعلام الموجَّه. ومن هنا تظهر أهمية الإعلام في تشكيل الوعي الجمعي، إذ تستطيع الرسائل الإعلامية المتكررة أن تؤثر في إدراك الناس للواقع، وأن تعيد تشكيل مفاهيمهم عن العدو والصديق والخطر والأمل.

ويبرز في علم النفس السياسي أيضاً مفهوم القيادة الكاريزمية، حيث يفسر هذا المجال كيف يتمكن بعض القادة من التأثير العميق في الجماهير عبر الخطاب العاطفي والرمزية السياسية. فالقائد الكاريزمي لا يعتمد فقط على القرارات السياسية، بل على قدرته في مخاطبة الاحتياجات النفسية للناس، مثل حاجتهم للأمان أو الانتماء أو الأمل. وغالباً ما تبرز هذه الشخصيات في أوقات الأزمات والحروب والانقسامات الاجتماعية، عندما تبحث الجماهير عن شخصية تمنحها الشعور بالثقة والاستقرار.

ويتناول علم النفس السياسي كذلك جذور العنف والصراع، إذ يرى أن الحروب والنزاعات لا تنشأ فقط بسبب المصالح السياسية أو الاقتصادية، بل ترتبط أيضاً بمشاعر الإحباط والظلم والإهانة الجمعية والخوف المتبادل بين الجماعات. فحين يشعر الناس بأن هويتهم أو وجودهم مهدد، يصبح العنف بالنسبة للبعض وسيلة للدفاع عن الذات أو استعادة الكرامة. ولهذا فإن معالجة الصراعات لا تحتاج إلى حلول سياسية فقط، بل إلى فهم نفسي واجتماعي عميق للإنسان والمجتمع.

وفي عالم اليوم تزداد أهمية علم النفس السياسي مع تصاعد الحروب، وانتشار الاستقطاب السياسي، وتأثير الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام. فقد أصبحت المعركة في كثير من الأحيان معركة على الوعي والإدراك قبل أن تكون معركة على الأرض. ولذلك يساعد علم النفس السياسي الباحثين وصناع القرار على فهم كيفية تشكل الأفكار الجماعية، وكيف يمكن بناء مجتمعات أكثر توازناً وقدرة على مواجهة العنف والتطرف والخوف.

ومن هنا يمكن القول إن علم النفس السياسي لا يدرس السياسة باعتبارها مؤسسات وقوانين فقط، بل باعتبارها تعبيراً عن النفس الإنسانية بكل ما تحمله من مشاعر ودوافع وصراعات داخلية. ولذلك يبقى هذا المجال من أهم المجالات لفهم الإنسان في لحظات القوة والخوف، وفي أزمنة الحرب والسلام.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x