مقالات الرأي

حين تخون الثورة أبناءها


بقلم: أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد ( صمت القبور)


عزيزي القارئ، دعني أبدأ معك بهذا الإقرار الذي يحرق الحلق: نحن، في السودان، فشلنا. ليس فشلَ هزيمة عابرة، ولا فشلَ خسارة معركة، بل فشل وجودي في أن نحول التضحيات الأسطورية التي قدمها شعبنا – من الحبوبات اللواتي أرضعن الثورة قبل أن يرضعن الأطفال، إلى الأجداد الذين شيبتهم السجون والمنافي، إلى الأمهات اللواتي مزقت قوائم الغياب جثامين أبنائهن، إلى الأخوات اللواتي قارعن الموت بالزغاريد في قلب الرصاص – فشلنا في أن نحول كل هذا الدم والروح والزمن إلى ثورة تليق بتلك التضحية. لقد ضحى أبناء وبنات هذا البلد بكل شيء: بالحبوبات اللواتي زرن الجبال حاملةً البنادق تحت عباءاتهن، وبالأجداد الذين سُحِقوا في زنازين مايو وإنقاذ، وبالأمهات اللواتي بيعن حليهن لتمويل كتيبة مقاومة، وبالأخوات اللواتي فقدن أزواجهن وإخوتهن في انتفاضة أكتوبر وأبريل وديسمبر. ومع ذلك، ها نحن نقف اليوم، بعد كل هذه القرابين، أمام نفس الأسئلة: أين الدولة؟ أين العدالة؟ أين ذلك الوطن الذي استحق كل هذه النفوس؟ بل الأسوأ من ذلك: كيف استطاع بعض أولئك الذين ناضلوا بجانبنا، والذين سقط رفاقهم إلى جانبهم، أن يحولوا دماء الشهداء إلى سلَّم يرقون به إلى المناصب، ثم يخونوا كل ما وقفوا من أجله، ويصفوا رفاق الأمس بالخيانة؟ والأكثر فظاعة: كيف يمكن لأم ثورية، دفعت ابنها فاتورة النضال، أن تسمع من فم ذلك الرفيق الذي ناضل مع ابنها ذات يوم، اتهاماً لابنها بالخيانة والجريمة التي لم يرتكبها، قبل أن يُغتال في صفوف النضال وهو بريء؟ وكيف يمكن لجدة وخالة، لم تريا في عمرهما الطويل دولة مواطنة متساوية، أن تراقب أحفادهن يدفعون أرواحهم ثمناً لحلم لم يتحقق، وطموحات تحولت إلى رماد؟
ربما يكون أصعب أنواع الشجاعة ليس أن تموت من أجل قضية، بل أن تعترف بأنك فشلت في إحيائها. وهذا الاعتراف، وهذا المقال بأسره، ليس بكاءً على الأطلال، ولا تأبيناً للجثث، بل هو محاولة لفهم لماذا تغتال أمم بأكملها أحلامها، ولماذا تتحول تضحيات الأجيال في قارتنا الأفريقية – وفي السودان خصوصاً – إلى دوامة لا تنتهي من البطولة العقيمة، ولماذا يتحول الثوار أنفسهم، بمجرد أن يلمسوا كرسي السلطة أو ظل منصب، إلى نسخة طبق الأصل عن أولئك الذين ناضلوا ضدهم، إن لم يكونوا أكثر فساداً وخيانة. إنه بحث في أخلاقيات النضال: لماذا نقدس لحظة الموت وننسى فن الحياة السياسية؟ لماذا نبرع في إسقاط الطغاة ونعجز عن بناء البديل؟ ولماذا يبدو أن ثمن الثورة الذي ندفعه نقداً من الأجساد والقلوب، لا يعود علينا إلا بفضة مزيفة من خيبات الأمل؟ والأكثر إيلاماً: لماذا يغتني بعض الثوار أثناء النضال أو بعده، بينما يظل جمهور المناضلين جياعاً، ولماذا يطلقون صفة “الخائن” على من يختلف معهم وهم أنفسهم يتسلمون رواتب وامتيازات النظام القديم؟ ولماذا يتحول الألم النضالي إلى سلاح يقتل به الثوار بعضهم بعضاً، قبل أن يقتلهم العدو؟
لنتوقف هنا عند هذا الألم بالذات: ألم الأم الثوري حين يتهم رفيق ابنها ذلك الابن بالخيانة والجريمة التي لم يرتكبها. تخيل معي مشهداً يعيد نفسه في كل ثورة أفريقية فشلت: أم عجوز، شعرها أبيض، تجلس في غرفة متواضعة، تأتيها رسالة أو مكالمة هاتفية. في الطرف الآخر، رفيق نضال ابنها، الذي كان يأكل من صحنها، ويبيت في بيتها أيام المطاردة. ذلك الرفيق، الذي وقفا معاً في وجه الرصاص، وتبادلا زجاجة الماء في الاعتصام، والآن… الآن أصبح في منصب، وأصبح لابنها رأي آخر، أو أصبح ابنها يطالب بكشف حساب مالي أو محاسبة متورط. تخيل ذلك الرفيق وهو يخرج على شاشة تلفزيون، أو في بيان مسجل، أو في منصة إلكترونية، يقول بكل برود: “فلان (ابنها) خائن للثورة، متهم بجرائم ضد النضال، وهو عميل للأجندة الخارجية.” والأم تسمع، ترتجف، تنظر إلى صورة ابنها المعلقة على الحائط بجانب صور الشهداء الآخرين. قلبها ينفطر، ليس فقط لأن ابنها يتهم، بل لأن المتهم هو ذاك الرفيق الذي علّمها أن كلمة “خائن” هي أكبر وصمة في قاموس النضال. كيف تجرأ؟ بأي حق؟ هل لأنه أصبح وزيراً أو قائد ميليشيا أو مسؤولاً في لجنة أمن الثورة؟ الأم تعرف حقيقة ابنها، تعرف أنه نام في السجون، وأن جسده يحمل ندوب التعذيب، وأنه باع كل ما يملك لشراء دواء لرفاقه الجرحى. وهي تعرف أيضاً أن التهمة الموجهة إليه كاذبة، مختلقة، وأن الجريمة التي ينسبونها إليه لم تحدث إلا في مخيلة المتهم. لكن ماذا تفعل أم بسيطة أمام آلة تخوين كاملة؟ إنها تصمت، تبكي، وتنتظر. وقد لا تنتظر طويلاً، لأن الابن المتهم بـ”الخيانة” كثيراً ما ينتهي به الأمر إلى الاغتيال الجسدي: رصاصة في شارع مظلم، أو اختطاف من أمام منزله، أو تسميم في سجن سري. وعندها، تذهب الأم إلى مشرحة مجهولة، تستلم جثة ابنها التي لم تعد تشبهه، وتسمع في الجنازة خطباً رنانة من نفس أولئك الذين اتهموه بالأمس بالخيانة، يبكونه الآن، ويصفونه بـ”الشهيد البطل”. وتكون الأم صامتة، ممزقة، تعرف في قرارة نفسها أن القتلة الحقيقيين لابنها هم أولئك الذين وضعوا عليه لائحة “الخيانة”، وأعدموه معنوياً قبل أن يعدمونه جسدياً. ولكنها لا تستطيع البوح، لأنها لو باحت، ستُتهم أيضاً بالخيانة، وستوصم بأنها “أم خائنة لثورة ابنها”. هذا هو الألم الذي لا يوصف: ألم تتحول فيه ثورة الأحلام إلى مذبحة للوفاء، وتتحول كلمة “رفيق” إلى تهمة.
وهذا يقودنا إلى ألم آخر، أعظم وأكثر مرارة: ألم الأم الثائر التي تزغرد حين تسمع بخبر استشهاد ابنها في صفوف النضال. نعم، تزغرد. قد يستغرب القارئ من هذا المشهد، لكنه حقيقي في ثقافتنا السودانية والأفريقية. الأم التي تفقد ابنها في ساحة الشرف لا تبكي فقط، بل تزغرد، لأن الزغاريد في تقاليدنا هي أعلى درجات التكريم. هي تقول للعالم: “ابني دفع الفاتورة، ابني اشترى الحرية بدمه، ابني لم يمت جباناً على فراشه، بل مات باسلاً في الميدان.” هذه الزغاريد ليست فرحاً بالموت، بل هي إعلان فخر وتحدٍ، وهي أيضاً رسالة للظالم: “لن تنال منا، دم أبنائنا يروي شجرة الحرية.” لكن ما الذي يحدث بعد الزغاريد؟ ما الذي يحدث بعد أن تدفن الأم ابنها، وتجف دموعها، وتصمت الزغاريد؟ عندها تبدأ المعاناة الحقيقية. الأم الثائر تنتظر. تنتظر أن تتحول تضحية ابنها إلى دولة. تنتظر أن يأتي من يطرق بابها ليخبرها: “لقد فُتح مستشفى باسم ولدك، أو مدرسة، أو حتى شارع.” تنتظر أن يتحسن وضعها الاقتصادي، أن ينتهي الغلاء، أن تجد دواء لمرضها المزمن، أن يشعر أحفادها بالأمان. لكن في الغالب، لا يحدث شيء. تمر السنوات، وتتغير الأنظمة، وتبقى الأم في كوخها المتواضع، تأكل ما تجده، وتستمع إلى الراديو يبث أخباراً عن صراعات جديدة، وعن قادة جدد يتهمون بعضهم بالخيانة. في إحدى الليالي، قد تسأل ابنها الآخر – الذي لم يستشهد – بصوت مرتجف: “يا ولدي، شنو استفدنا؟ شنو استفدنا من موت أخوك؟” وقد لا يملك الابن إجابة. وعندها، تطلق الأم زغرودة أخرى، ولكن هذه المرة ليست زغرودة فخر، بل زغرودة غضب ومرارة ويأس. زغرودة تقول: “يا ناس، احنا دفعنا أغلى ما عندنا، وين الدولة؟ وين المواطنة؟ وين الحق؟” لكن لا أحد يسمع زغرودتها هذه، لأن الإعلام مشغول بخطب القادة، والشارع مشغول بانقساماته الجديدة. هكذا تتحول زغاريد النصر إلى نواح صامت، وتتحول الأم الثائر من بطلة إلى عبء على المجتمع الذي ضحت من أجله.
ولا يمكننا أن ننسى ألم الجدة والخالة، اللتين تمثلان الوجه الآخر للتضحية الأنثوية في نسيجنا الأفريقي. الجدة، تلك المرأة العجوز التي عاصرت الاستعمار والاستقلال والانقلابات. رأت بعينيها كيف تحول السودان من بلدٍ واعد إلى ساحة حروب وصراعات. هي التي أرضعت أحفادها على حب الوطن، وغنت لهم أغاني الثورة قبل أن يمشوا. ثم كبر الأحفاد، وذهبوا إلى الميدان، وسقطوا شهوداً أو أسرى أو جرحى. الجدة تتابع الأخبار بعينين ضعيفتين، وتدعو الله أن يحمي باقي الأحفاد. لكنها في داخلها تعلم أن الأحفاد لن يعودوا كلهم. وفي كل مرة تموت حفيدة أو حفيد، تغمض الجدة عينيها للحظة، وتهمس: “خلاص، دفعنا فاتورة ثانية، يمكن المرة دي ناخد دولة المواطنة المتساوية.” تمر السنوات، وتموت الجدة قبل أن ترى تلك الدولة. تموت وهي لا تملك سوى سرير خشبي، وغطاء مرقع، وصورة بالية لحفيدها الشهيد. لم ترَ أبداً دولة تحترم دمه، ولا مواطنة متساوية تمنحها حقها في العلاج والكرامة مثل أي إنسان، بغض النظر عن انتمائه القبلي أو الحزبي. الدولة التي حلمت بها كانت دولة القانون، دولة تضع الشهيد والعادي على قدم المساواة أمام القضاء، دولة لا تسأل عن قبيلتك أو منطقتك قبل أن تقدم لك الخدمة. لكن الجدة لم ترَ سوى دولة طائفية أو عسكرية أو محاصصة، دولة فيها “مواطن درجة أولى” و”مواطن درجة ثانية”. وعندما رحلت، كانت أمنيتها الأخيرة أن يكتب على قبرها: “هنا ترقد جدة دفعَت أحفادها ثمناً لدولة المواطنة التي لم تأتِ.”
أما الخالة، فهي تلك المرأة الأرملة أو المطلقة أو العزباء، التي كانت دائماً في ظل العائلة، تخدم، ترعى، تضحي بصمتها. في النضال، كانت الخالة هي التي تحضر الطعام للمتظاهرين، وهي التي تخبئ الهاربين في بيتها، وهي التي تنقل الرسائل بين القيادات سراً. لا تطلب شهرة، ولا منصباً، ولا شكراً. فقط تؤمن بأن التغيير قادم، وأن دورها الصغير جزء من لوحة كبيرة. ثم يحدث الانتصار، وتُفتح الأبواب، ويجلس القادة على كراسيهم. الخالة لا تجلس معهم، بل تعود إلى مطبخها، تنتظر أن تسمع أخباراً عن تحسن أوضاعها، عن تعويض عادل، عن رعاية لأبناء شهداء ربما لم تنجبهم هي ولكنها ربّتهم. لكنها لا تسمع شيئاً. وعندما تذهب إلى إحدى المؤسسات الرسمية لتطلب مساعدة بسيطة، يواجهها موظف ببرود، وقد لا يعرف حتى من هي. بعض القادة الجدد، الذين أكلوا من طعامها أيام الاختفاء، يتجنبون النظر إليها في الشارع. بعضهم يتهمها بـ”المقابل” إذا تجرأت وطالبت بحقها. الخالة لا تجيد الكلام، ولا تملك واسطة، ولا تعرف كيف تدافع عن نفسها في عالم السياسة القاسي. تظل صامتة، تنتظر دولة المواطنة المتساوية التي وُعدت بها. لكن تلك الدولة لا تأتي. وتمر الأعوام، وتصبح الخالة عجوزاً، منهكة، لم يبقَ لديها من أحلامها سوى ذكريات مريرة عن شباب ضاع، وعن أبناء ليسوا أبناءها لكنها أحبتهم كأبنائها، وسقطوا أيضاً في حروب النخب. إنها تدرك أخيراً أن تضحياتها لم تكن تُقدَّر في ميزان الدولة، لأن الدولة التي ناضلوا من أجلها لم تولد بعد، ولأن القابضين على السلطة الجدد لا يختلفون كثيراً عن القابعين في المقابر. وربما تموت الخالة قبل أن ترى ولو بصيصاً من ذلك الحلم، وتُدفن في مقبرة عادية، دون أن يلتفت إليها أحد، بينما تُنصب التماثيل لمن سرقوا الثورة واستغلوا المنصب.
لنبدأ من الحبوبات هنا أيضاً. وأعني بهن أولئك النسوة المجهولات في تاريخنا الأفريقي، اللواتي كنّ العمود الفقري لأي مقاومة. في السودان، تذكرنا الأساطير الشفهية نساءً مثل “الحاجة أم سعد” في مقاومة الاستعمار البريطاني، وأمهات ثورة 1924م اللواتي خرجن في مظاهرات الخرطوم وهن يحملن أطفالهن دروعاً بشرية. لكن دعني أنتقل إلى جيل أقرب: جداتنا اللواتي عشن في عهد نميري، وخبأن المطبوعات السرية تحت أحواض الطهو. تلك المرأة البسيطة، التي لا تجيد القراءة، كانت تعرف أن ابنها الذي لم يعد إلى البيت معناه أنه في السجن أو في المقبرة الجماعية. كانت تضحي بكل شيء: بقوت أسرتها، ببيتها، بسمعتها في حي محافظ، فقط لأنها آمنت أن “الحرية شربة ماء” كما كانت تقول جدتي. ولكن هل سألت إحدانا نفسها: لماذا بعد أن سقط نميري، بقيت تلك الجدة فقيرة، مهمشة، منسية، بينما بعض من كانوا يقودون الفصائل النضالية من غرف المعيشة المريحة، أو من منافي البذخ في لندن والقاهرة، عادوا ليحتلو كراسي الوزارات والمجالس العليا؟ وكثيرون من هؤلاء القادة كانوا قد أمضوا سنوات النضال وهم يتاجرون باسم “الثورة” لجمع التبرعات من السفراء والمنظمات، ثم يوزعون على الجماهير خطباً حماسية بينما يبنون لأنفسهم إمبراطوريات خاصة. لقد استُخدمت تضحيات الجدة كورقة رابحة في لعبة سياسية، ثم أُلقيت مثل منديل ورقي بعد أن جف دمه عليها. وعندما همست الجدة بكلمة اعتراض على أحد القادة، وصِفَتْ بـ”الخائنة للثورة” التي أفنت عمرها في خدمتها. إنها المفارقة الأكثر قسوة: أن تتهم بالخيانة أنت التي فقدت كل شيء، بينما جالس في القصر من خانه الوطن لكنه أتقن لغة الخطاب الثوري. والجدة، مثل الخالة، لم ترَ دولة المواطنة المتساوية. رأت دولة المحسوبية، دولة توزع المناصب على أبناء القبيلة والحزب، دولة تترك الناس تموت في المستشفيات لأنهم لا يملكون “واسطة”. ماتت الجدة وهي تتساءل: أين المساواة التي ضحينا من أجلها؟
ثم يأتي دور الأجداد. أولئك الرجال الذين ملأوا سجون السودان من أقصاه إلى أقصاه. في زمن الاستعمار، كان الجد يمشي من ود مدني إلى الخرطوم سيراً على الأقدام ليشارك في إضراب، ثم يُلقى في سجن كوبر. في زمن الإنقاذ، كان الأجداد يُدفنون أحياء في الزنازين الحديدية تحت أشعة الشمس الحارقة في سجن شالا. تضحياتهم كانت طقساً يومياً: التعذيب، الفصل من الوظيفة، التشريد، مصادرة البيوت. ومع ذلك، بعد كل سقوط لنظام، كانوا يُطالبون بالصبر، بالوحدة، بتغليب المصالح العليا. لكن الذي حدث هو أن بعض رفاقهم – الذين خاضوا معهم نفس السجون، ولعقوا نفس الجلد – انقلبوا على القيم التي مات من أجلها الآخرون. عندما أتاحت لهم الفرصة، تسلقوا إلى مناصب عليا في السلطة الانتقالية أو في هياكل الحكم الجديدة. لم يكتفوا بتسلم المناصب التي لم يستحقوها بجدارة أخلاقية، بل استغلوا تلك المناصب لتلبية رغباتهم الشخصية والعائلية: عقود مربحة لأبناءهم، سفريات بلا حسيب، تعيينات محسوبية. وفي قمة الخيانة، بدأوا – بكل برود – يتحدثون عن “أعداء الثورة” و”الخونة” و”العملاء”. ومن هم هؤلاء الخونة؟ هم نفس المناضلين القاعديين الذين بقوا أوفياء للنقاء الأول، الذين رفضوا المساومة، الذين طالبوا بمحاسبة كل من تورط في فساد أو تجاوز، حتى لو كانوا من رموز النضال أنفسهم. وهنا يبرز هذا الألم الذي لا يحتمل: أن يتهم الرفيق رفيقَه بالخيانة كذباً، وأن يُزج به في السجون، وأن يُطارد في الشوارع. وفي كثير من الحالات، أن يُغتال غدراً، وتنشر الأخبار أنه “قتل على أيدي فلول النظام القديم” بينما القتلة الحقيقيون هم أولئك الذين أشاعوا عنه الخيانة أولاً. وهكذا يتحول النضال إلى طاحونة لحوم، وتتحول الثورة إلى كذبة كبرى. هكذا خان هؤلاء الثوار معركتهم، وخانوا رفاقهم الذين ماتوا في الزنازين، لأنهم جعلوا من آلام أولئك الأجداد جسراً إلى الملذات، وجعلوا من كلمة “خائن” سلاحاً لاغتيال الأبرياء.
الأمهات يشكلن فصلاً خاصاً في هذه المأساة. لقد عرفت أمهات السودان أن المقاومة ليست خطباً حماسية، بل هي أن ينمُر أظفارهن وهن ينتظرن نبأ استشهاد ابن، أو أن يبتسمن في وجه جندي الأمن وهو يفتش حقيبتهن بحثاً عن منشور. في ثورة ديسمبر 2019م، رأينا الأمهات يتقدمن الصفوف، يزغردن في وجه الغاز المسيل للدموع. إحدى الأمهات، أتذكرها جيداً، كانت تقف أمام آلية عسكرية في شارع المطار، صارخة: “أنا ضحيت بزولي (زوجي) في 1964م، وضحت بأخوي في 1985م، واليوم ضحت بولدي. عايزين ناكل حتة خبز في بلدنا بكرامه!” لقد انتصرت الثورة تلك الأيام، وسقط البشير. لكن ماذا بعد؟ بعد سنوات قليلة، عادت نفس الأم إلى الشارع، ولكن هذه المرة ليس ضد ديكتاتور عسكري، بل ضد اختناق اقتصادي خانق، وضد فوضى سياسية جعلت كل تضحياتها تبدو كأنها كوميديا عبثية. لقد شاهدت بأم عينيها كيف أن بعض قادة الثورة – الذين نادوا بالتغيير – تحولوا إلى تجار حروب وسياسة. أحدهم، كان مسؤولاً عن ملف إنساني، حوّل المساعدات الدولية إلى سلع في سوق سوداء تدار باسم عائلته. وآخر، كان ينادي بالشفافية، اختفى اسمه من قوائم الفساد بمحض الصدفة. وعندما رفعت الأم صوتها في تجمع نسوي تطالب بمحاسبة هؤلاء، وُصفت بأنها “مخربة للاستقرار” و”أداة بيد فلول النظام القديم”. نعم، الأم التي فقدت زوجها وأخاها وابنها في سبيل حرية السودان، أصبحت “خائنة” في عيون من كانوا بالأمس رفاق دربها! لقد فشلنا نحن – القادة، النخب، المجتمع – في أن نمنح تلك الأم شيئاً واحداً: دولة تحفظ دم أبنائها، ونظاماً يحاسب الخونة الحقيقيين، ولو كانوا يحملون بطاقات عضوية ثورية. وبدلاً من ذلك، قدمنا لها صراعات سياسية جديدة، وانقسامات حادة، واستعماراً جديداً للدماء باسم “الشرعية الثورية”، ورأينا الثوار أنفسهم يركبون آليات النظام السابق ويحتلون مكاتبه، بينما الأمهات يعشن في الخيام، بينما أبناء الشهداء يعانون الجوع والتهميش، بينما الخالات والجدات ينتظرن دولة المواطنة التي لا تأتي.
أما الأخوات، فحديثهن يطول. لقد كنّ جيشاً لا يُقهر في ميادين السودان. من تنظيمات المقاومة السرية في الجامعات، إلى غرف الطوارئ التي أسست مستشفيات ميدانية في قلب الاعتصام، إلى القيادة الميدانية لمسيرات المليونية. النساء السودانيات دفعن ثمناً مضاعفاً: ثمن القمع السياسي، وثمن القمع الأبوي داخل المجتمع. كانت الفتاة الصغيرة التي تنام في الخيمة أمام القيادة العامة تعرف أنها تخاطر ليس فقط بالسجن أو الرصاص، بل أيضاً بالعار الاجتماعي، باتهامها بـ”فقدان الحياء”. ومع ذلك، بقيت. ولم تغادر إلا بعد أن سقطت جثث رفاقها في مجزرة 3 يونيو. لكن الخيانة الأعمق التي تعرضت لها هؤلاء الأخوات لم تأتِ فقط من رصاص النظام القديم، بل من رفاق الذكور الذين ناضلوا بجانبهن. بعد سقوط النظام، وبينما كانت النساء يتوقعن أن يكون لهن نصيب عادل في السلطة – على الأقل تقديراً لتضحياتهن – فوجئن بأن الرجال “الثوار” يصرون على احتكار المناصب القيادية. تارة يتحدثون عن “الخبرة”، وتارة عن “المرحلة لا تحتمل التجارب”، وأحياناً بكل وقاحة: “المرأة مكانها في التنظيم الجماهيري، ليس في صنع القرار”. هؤلاء الرجال، الذين كانوا بالأمس يهتفون “المرأة نصف الحل” و”السلطة للجان المقاومة”، ما أن حصلوا على كرسي حتى نسوا كل شيء. بعضهم أساء معاملة النساء داخل هياكل الثورة نفسها، ومارس ضغوطاً لإقصائها، ثم أطلق صفة “الخيانة” على أي امرأة تجرأت على المطالبة بحقها. لقد كانوا خونة للدم الذي سال، وللأخوات اللواتي حملن الجرحى على ظهورهن. والأسوأ، أن بعض الأخوات اللواتي وصلن إلى مواقع صغيرة، سرعان ما تحولن إلى آلة لتبرير هذا الإقصاء، خوفاً من أن يُتَّهمن هم أيضاً بـ”الخيانة” أو “التبعية لأجندة خارجية”. هكذا تأكل الثورة أبناءها قبل أن تأكلهم الدبابات، وتأكل أخواتها قبل أن يصلن إلى بر الأمان.
هذا الألم – ألم الأم التي تسمع اتهام ابنها بالخيانة ثم يُغتال، وألم الأم التي تزغرد على جثمان ابنها ثم تنتظر دولة لا تأتي، وألم الجدة والخالة اللتين ضحتا بكل شيء ولم تريا سوى الإقصاء واللامساواة – هذا الألم هو جوهر المأساة السودانية والأفريقية. لأنه يفضح كذبة كبرى: أن النضال من أجل الحرية هو نضال شريف بامتياز. لا، ليس دائماً. النضال يمكن أن يتحول إلى سوق للخونة، إلى ساحة لتصفية الحسابات، إلى آلة لإنتاج الأرامل والأيتام دون أي مردود. وعندما يحدث ذلك، يصبح الثوار الجدد أكثر قسوة من الأنظمة التي أطاحوا بها، لأنهم يضيفون إلى القمع العسكري قمعاً معنوياً: قمع تهمة الخيانة التي لا تمحى، وقمع الزغاريد الفارغة، وقمع دولة المواطنة الموعودة التي تتحول إلى سراب.
لماذا يحدث هذا في السودان؟ ولماذا يحدث بشكل ممنهج في معظم دول القارة الأفريقية؟ لكي نفهم أخلاقيات النضال، علينا أن نعترف بمرض مزمن في الثقافة السياسية الأفريقية: وهو افتتاننا بـ”لحظة الانتصار” على حساب “عملية بناء الدولة”. لكن هناك مرض آخر أكثر فتكاً: تحول “النضال” نفسه إلى غطاء لطموحات شخصية وصفقات مشبوهة، وإلى وسيلة لتخوين الآخرين وتدميرهم معنوياً قبل أن يتم تدميرهم جسدياً. في كل حركة تحرير أفريقية تقريباً، من جبهة تحرير موزمبيق إلى المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، ومن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا إلى حركة تحرير السودان، ظهرت ظاهرة “ثوار المكاتب الخلفية”: أولئك الذين أداروا النضال من الخارج، ومن الفنادق الفاخرة، ومن قوائم المنظمات المانحة، بينما كان الفقراء يموتون في الجبال والغابات. وعندما حان وقت تقاسم الغنيمة، كانوا في الصفوف الأولى، يرفعون صور الشهداء كدروع بشرية، ويصفون أي منتقد بـ”الخائن” و”العميل”. لقد تعلموا أن صفة “الخيانة” هي أقوى سلاح لتكميم الأفواه، لأن في ثقافتنا النضالية، أن يُتَّهم أحد أبناء الثورة بالخيانة يعني موته السياسي والاجتماعي، بل قد يصل الأمر إلى اغتياله جسدياً في بعض الحالات، كما حدث لبعض القيادات النضالية في السودان وأفريقيا. هكذا صارت الخيانة تهمة مرنة: تطلق على من يسرق المال العام، وتطلق أيضاً على من يطالب باسترداده. تطلق على المتعاون مع النظام القديم، وتطلق على من يرفض صفقة فاسدة داخل الثورة. كل من يقف في طريق مصالح القائد الجديد، يصبح “خائناً”، حتى لو كان يحمل أوسمة النضال من جيوب المقاومة الأولى. ويصبح ألم الأمهات والجدات والخالات غير مسموع، لأن الحديث عنه يعتبر “طعناً في الثورة” و”تشكيماً للصفوف”.
في السودان، تعاقبت الانتفاضات الشعبية مثل الفصول المملة. أكتوبر 1964م أطاحت بعبود، ثم تلتها انقسامات أدت إلى انقلاب نميري. أبريل 1985م أطاحت بنميري، ثم تلتها حكومة ضعيفة انتهت بانقلاب البشير. ديسمبر 2019م أطاحت بالبشير، ثم تلتها فترة انتقالية تعثرت، ثم انقلاب أكتوبر 2021م الذي أعادنا إلى المربع صفر. وفي كل مرة، تظهر وجوه جديدة تحمل نفس الخطاب: “نحن من ضحينا، نحن من حملنا الراية، الآخرون خونة أو عملاء”. وفي كل مرة، نرى كيف أن بعض أولئك الذين قدمناهم كرموز للبطولة، ما أن يحصلوا على منصب متوسط في حكومة انتقالية أو في مفوضية، حتى تظهر عقود أسرهم، وسياراتهم الفارهة، وعلاقاتهم برجال الأعمال الذين كانوا بالأمس خونة. وأثناء التحقيق، يرفعون شعار: “هذا هجوم على الثورة”، ويطلقون حملات منظمة لتشويه سمعة أي صحفي أو ناشط يحاول كشف الحقيقة، ويتهمونه “بتمويل من الخارج” وبأنه “خائن للوطن”. بينما هم يتلقون التمويل نفسه، ولكن تحت غطاء “الدعم الدولي للثورة”. وفي زنازينهم السرية، يموت مناضلون شرفاء، اتُهموا بالخيانة جزافاً، ويأتون لأمهاتهم بأكياس بلاستيكية تحتوي على رفات مجهول. تلك الأمهات، بدلاً من أن يكرمهن الوطن، يُتهمن أيضاً إذا تحدثن. وهكذا تستمر دائرة الألم: تضحية، ثم اتهام بالخيانة، ثم موت، ثم صمت، ثم جيل جديد يضحي، ونفس الدائرة.
دعني أسافر بك إلى بقاع أخرى من أفريقيا، ليس للتباهي بل للتعلم. في كينيا، بعد انتخابات 2007م التي غرقت في عنف قبلي راح ضحيته أكثر من ألف شخص، قام المجتمع المدني والكنائس ومنظمات النساء بعمل استثنائي: محاكمات الجنائية الدولية وإنشاء محكمة كينيا الخاصة لمحاكمة المتورطين، ثم لجنة الحقيقة والمصالحة. وكان من أشد المؤيدين لهذه المحاكمات بعض قادة المعارضة السابقين الذين اتهموا حلفاء الأمس بالفساد والتورط في العنف. لم يطلقوا عليهم صفة “خونة”، بل قدموا أدلة. لم يحصّنوا أنفسهم بغطاء “الشرعية الثورية”، بل خضعوا للتحقيق. والأهم، أن أمهات الضحايا وجدوا منصة يستمع فيها أحد إليهم، وتُوثق شهاداتهم، ويُعترف بألمهم. في جنوب أفريقيا، أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة بقيادة ديزموند توتو، واستمعت لشهادات آلاف الأمهات والجدات اللواتي فقدن أبناءهن في صراعات التحرير والعنف السياسي. لم تمنحهن الدولة الجديدة تعويضات مالية فقط، بل منحتهن اعترافاً: “نعم، ضحيتِ، ونحن رأينا تضحيتكِ، ونحن نعتذر لأن الدولة تأخرت.” هذا هو الفرق بين نضج سياسي وطفولة دائمة. بالمقابل، ماذا فعل السودان بعد عقود من الحروب والانقلابات؟ لقد أنشأنا “لجان تفكيك” انتقامية أحياناً، ومهملة أحياناً أخرى، ولم ننشئ أبداً “لجنة حقيقة ومصالحة” حقيقية تنظر في كل تلك التضحيات، وتقول للجدة: “لقد سمعنا صرختك، ودم ابنك سيبقى ناراً تحت رماد الدولة الجديدة”. بل ما حدث هو أن الذين اختلسوا المال العام باسم الثورة، أطلقوا صفة “الخونة” على الذين طالبوا بتشكيل مثل هذه اللجان، واتهموا الأمهات الثكالى بـ”البكاء على الماضي” و”فتح الجروح القديمة”. هكذا تحولت الثورة إلى سلعة، والمناضل الشريف إلى مهرطق يجب طرده، وألم الأمهات والجدات إلى ضجيج مزعج يجب إسكاته. هكذا لم ترَ الخالة ولا الجدة ولا الأم ولا الأخت أبداً دولة المواطنة المتساوية التي دفعن فاتورتها بأغلى ما يملكن.
جنوب أفريقيا تقدم لنا درساً آخر في أخلاقيات النضال، ولكن ليس بالطريقة المثالية التي نظن. نيلسون مانديلا وأنطونيو لومومبا وأمثالهم من قادة التحرير الأفارقة الذين أدركوا أن لحظة تسليم السلاح أصعب من لحظة حمله. لكن جنوب أفريقيا بعد مانديلا شهدت أيضاً فساداً واسعاً في صفوف حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وتحول بعض قادة النضال إلى أثرياء جدد، واتُهم منتقدوهم بالعمالة للبيض. ومع ذلك، بقيت هناك صحافة حرة وقضاء مستقل (جزئياً) حال دون تحول البلاد إلى ديكتاتورية مطلقة. كما بقيت أصوات الأمهات مسموعة، ولو بشكل محدود. أما في السودان، فالثوار الجدد أتقنوا فن التضحية بالكلمات وتقديمها على التضحيات الحقيقية، وأتقنوا فن إنتاج “الخونة” الجدد وإطلاق الاتهامات جزافاً، وأتقنوا فن تجاهل آلام النساء والضعفاء. لقد تعلموا من أخطاء من سبقهم، لكنهم تعلموا الدرس الخطأ: كيف يستمرؤون المنصب، وكيف يشوهون سمعة الخصوم، وكيف يحصنون أنفسهم ضد المساءلة باسم “أمن الثورة”، وكيف يجعلون الأمهات الثكالى يصمتن بالتهديد أو بالوعود الفارغة.
ما أخلاقيات النضال في القارة الأفريقية إذن؟ هي سؤال قديم جديد: هل الثورة غاية أم وسيلة؟
● لو كانت غاية، سنكتفي باستمرار الحالة الثورية إلى الأبد، سنظل ننزل إلى الشوارع، نصرخ، نموت، ونحن فخورون بأننا “شعب لا يركع”. لكن الثورة إذا كانت غاية، فإنها تسمح بظهور “ثوار جدد” يتاجرون بهذه الغاية، ويستغلون المناصب لتلبية رغباتهم الشخصية، لأنهم يشعرون أنهم فوق القانون، فوق النقد، فوق المحاسبة. إنهم يعتقدون أن دماء الشهداء التي استظلوا بها تمنحهم حصانة أبدية، وأن أي مناضل عادي يطالبهم بالكشف عن حساباتهم هو “خائن” يجب طرده من “الجنة الثورية”، وأن ألم أمهات الشهداء هو “ابتزاز عاطفي”.
● لو كانت الثورة وسيلة، فعلينا أن نعترف في مرحلة ما بأننا بحاجة إلى الانتقال من “أخلاقيات التضحية” إلى “أخلاقيات البقاء والبناء”. هذه الأخلاقيات تتطلب منا الجرأة لنقول لأنفسنا بكل وضوح: لقد فشلنا حتى الآن. فشلنا في حماية أرواح أطفالنا بعد أن ضحينا من أجلهم. فشلنا في بناء اقتصاد لا يحتاج إلى مساعدات دولية مهينة بعد أن واجهنا الإمبريالية بأجسادنا العارية.
فشلنا في إيجاد صيغة للتعايش السياسي السلمي بين مكونات الشعب السوداني المتعدد.
والأهم: فشلنا في تأسيس منظومة أخلاقية داخل صفوف الثوار تمنعهم من استغلال المناصب، وتحول دون تحولهم إلى خونة جدد، بل وأكثر خطورة من خونة الأمس لأنهم يضيفون إلى جريمتهم جريمة تشويه سمعة كل من يعترض عليهم باسم “الوطنية” و”الثورة”، وجريمة قتل معنوي للأمهات والجدات قبل قتل أبنائهن جسدياً.
إن أخلاقيات النضال الحقيقية، في نظري، تبدأ من لحظة الاعتراف بأننا لا نملك احتكار الحقيقة. لا الحركات الإسلامية وحدها تمتلك الحقيقة، ولا اليسار العلماني، ولا القوميون الأفارقة. الحقيقة أنها تجربة جماعية، تصنع حين نتوقف عن تسويق الدماء وتوزيع شهادات الاستشهاد والتخوين، ونبدأ في تسويق فكرة وطن قابل للحياة، ونظام قانوني يحاسب الخائن الحقيقي بوضوح، سواء كان ثورياً قديماً أو نظامياً سابقاً. لقد سئمت الأمهات السودانيات من سماع عبارة “شعب عظيم لا يقهر” أو “فلان خائن لأنه مختلف معي”. ربما يردن سماع عبارة أخرى: “دولة عادلة تحميني وتحاسب كل من ظلمني، حتى لو كان يحمل بطاقة ثورة”. ربما يردن أن نموت نحن – نحن النخب السياسية والثورية – ولو قليلاً على أنفسنا، بدلاً من أن نموت هي وأبناؤها باستمرار، وأن نظل نتنطق بألقاب “النضال” وكأنها أوسمة تبرر الغش والكذب. ربما تريد الجدة أن ترى يوماً مستشفى أو مدرسة تحمل اسم حفيدها الشهيد، وتريد الخالة أن تحصل على معاش تقاعدي بسيط يعترف بتضحياتها الصامتة، وتريد الأم أن تزغرد ليس على جثة ابنها، بل على تتويج حلمه بدولة المواطنة المتساوية.
لنتخيل للحظة كم كانت ستكون أخلاقيات النضال في السودان مختلفة لو أنه بعد كل انتفاضة، عُقد مؤتمر تأسيسي لوطن جديد، لا للمعارضة فقط بل لكل السودانيين، ولو أنه تم إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد بصلاحيات حقيقية لمحاسبة الثوار قبل المسؤولين القدامى. لو أننا، بدلاً من أن نلقي القبض على جلادي الأمس، فتحنا ملفات فساد حقيقية أطاحت بالكبير قبل الصغير، ولو كان الصغير قائداً ثورياً محبوباً. لو أن كل ثوري حصل على منصب، وقع على إقرار مالي وذمة مالية علنية، وعرف أن من يتهمه بالفساد لا يصبح “خائناً” تلقائياً، بل يحق له التقدم بأدلة وبلاغات. لو أننا تعلمنا أن “الخائن” ليس من يختلف مع رئيسه في الرأي، بل من يسرق المال المخصص للأرامل والأيتام بغطاء ثوري. لو أن إطلاق صفة “خائن” أصبحت جريمة يعاقب عليها القانون، لأنها جريمة في حق حياة الناس ومعنوياتهم، قبل أن تكون جريمة سياسية. لو أن أمهات الشهداء وجدن صندوقاً للعدالة الانتقالية يلتقط شهاداتهن، ويترجم ألمهن إلى سياسات تعويض وإصلاح. لو أن الجدات والخالات حصلن على وثائق اعتراف رسمي بتضحياتهن، ولو رمزية، تعيد لهن بعضاً من كرامتهن المسلوبة. لو حدث هذا، لربما بقيت بعض التضحيات محفوظة، ولربما لم تتحول منصات الثوار إلى واجهات لنهب جديد باسم القداسة الثورية، ولربما لم تُتهم الأمهات بالخيانة لأنهن بكين على أبنائهن، ولربما لم تُغتال أرواح المناضلين الأبرياء قبل أن تغتال أجسادهم.
لكننا لم نفعل. لأن “أخلاقيات النضال” التي توارثناها من الأجداد، وطورها الثوار الجدد، كانت أخلاقيات غابوية: إما أن تكون معنا بالكامل، أو نأكلك ونصفك بالخائن. إما أن نحرر كل السودان دفعة واحدة ونحصل على كل المناصب، أو نموت جميعاً. هذا المطلق الأخلاقي هو الذي سرق منا فرصة الانتصار التدريجي، والتحول الممنهج، والمحاسبة العادلة، والاعتراف بألم الأمهات والجدات. وهذا المطلق هو الذي حوّل الخيانة من فعل موضوعي (كاختلاس المال أو التآمر مع العدو) إلى صفة ذاتية تطلق على كل من يزعج النخبة الجديدة، وكل من يذكرهم بدماء الشهداء التي لم تُستثمر بعد. لقد تعلم الجلادون الجدد من جلادي الأمس درساً مهماً: ليس الرصاص وحده ما يصمت الأصوات، بل أيضاً وصمة الخيانة، وتجاهل الألم، ووعود دولة المواطنة التي تتأجل إلى ما لا نهاية.
إذا أردنا اليوم أن نكتب أخلاقيات نضال جديدة لأفريقيا، فعلينا أن نبدأ بهذا الإقرار: التضحية ليست هدفاً، بل هي أداة خطيرة جداً يجب أن نتعامل معها بحذر. وعليها ألا تصبح “رأسمالاً سياسياً” يسمح لحامله بفعل ما يشاء. عندما يضحي شعب كثير جداً، يصبح من الصعب عليه أن يرضى بالنتائج الناقصة، فيصبح أسيراً لتضحيته، مطالباً باستمرار النضال إلى ما لا نهاية، وإلا اتُهم الذين يطالبون بالاستقرار بـ”الخيانة”. لكن الأكثر مأساوية، أن من يسرقون تضحيات هذا الشعب، هم أولئك الذين يرفعون صور الشهداء في المؤتمرات، ويستدعون أرواح الأمهات في كل خطاب، ثم يخونون كل معاني النضال في صمت مكاتبهم المكيفة، ويتهمون أمهات الشهداء بالخيانة إذا تحدثن، ويتركون الجدات تموت في البيوت المهدمة دون أن يرين دولة المواطنة. إنهم يبيعون الوطن مرتين: مرة للاستعمار القديم عندما كانوا يتفاوضون سراً معه، ومرة للجوع الجديد عندما يستغلون المنصب لتكديس الثروات. وأفظع من ذلك، أنهم يقنعون الجمهور بأن من يكشفهم هو “الخائن”، ليسرقوا بذلك حتى فضيلة الصدق، وأن يزغردوا على موت أبناء غيرهم بينما أبناؤهم في مدارس أوروبا.
في ليلة من ليالي الخرطوم، أثناء اعتصام القيادة العامة أيام مجد الثورة، جلست مع مجموعة من الأمهات كنا نسميهن “أمهات الشهداء المجهولين”. كن يحكين قصصاً لا تطاق. إحداهن قالت: “ولدي استشهد في كلابشة. لما جيت أجيب جثته، عطوني كيس بلاستيك فيه حتت لحم متحجرة. ما قدرت أعرف أي حتة منه. دفنت الكيس كله.” ثم أضافت، بنبرة لم تكن غضباً ولا حزناً، بل شيئاً أعمق: “الغريب، أنا زعلانة عليكم يا شباب الثورة، أكثر مما زعلانة على ولدي. لأنو مات على أيديكم. وعدتوه بالجنة الدنيوية، وجبتوله الجحيم.” نظرت حولها إلى الشباب المناضلين الذين يوزعون الماء والطعام، وقالت بصوت واهن: “أنا ما عايزه دم ولدي يروح ع الفاضي. عايزه تشتغلوا، تشتغلوا على نفسكو. عايزه تتعلموا السياسة، الاقتصاد، القانون. عايزه تكفوا بكى على الشهداء وتتذكروا الأحياء.” ثم همست في أذني: “وأعرف يا ابني من الخونة الحقيقيين. مش اللي بيختلفوا معاكم في الرأي. الخونة هما اللي يلبسوا بدلة النضال ويدخلوا القصر، وينسوا الناس اللي ماتت عشان يوصلوا. الخونة هما اللي يطلقوا علينا صفة الخيانة احنا اللي ضحينا بكل حاجة، عشان يستروا على فسادهم. دول الخونة، ورب الكعبة دول الخونة.” ثم انهمرت دموعها، وبكت طويلاً. وبينما كانت تبكي، قالت جملة ظلت عالقة في ذهني: “أنا ما زغردت يوم استشهاد ولدي عشان أفتخر بموته. زغردت عشان أقلكم إنو احنا دفعنا الفاتورة، وإنو لازم الدولة تجي. لسة منتظرين الدولة يا ولدي. لسة منتظرين.” بكينا كلهم تلك الليلة. لكن البكاء لم يبنِ مدرسة، ولا مستشفى، ولا حتى حزباً سياسياً متماسكاً. ولم يوقف اتجاهاً مريباً: تحول كلمة “خائن” إلى سلاح يضرب به كل من يجرؤ على كشف استغلال الثوار للمناصب، من أجل تلبية رغباتهم الشخصية، قبل أن يخونوا صفوف النضال بإطلاق صفة الخيانة على أنقى الناس. والأسوأ، أن تلك الأم، بعد سنوات، اتهمها أحد قادة “الثوار الجدد” بأنها “تتاجر بدم ابنها” و”تعمل لحساب أجهزة خارجية” لمجرد أنها تحدثت في لقاء تلفزيوني عن إهمال الدولة لأسر الشهداء. اتهمها بالخيانة. والأم، التي زغردت على موت ابنها، وجدت نفسها باكية جديدة، باكية على كرامتها التي انتهكت من قبل من كان ينبغي أن يكونوا أمناء على دم ابنها. بكاؤها هذه المرة كان أعمق، لأن الخيانة أتت من الداخل.
لعل السر الأعظم لفشلنا المتكرر، ليس في المؤامرات الخارجية فقط – رغم أنها موجودة – ولا في توحش الأنظمة العسكرية – رغم أنه فظيع – بل في خلل عميق في “أخلاقيات النضال” التي نورثها لأنفسنا، وفي فساد داخلي ينخر صفوفنا قبل أن تصل إلينا دبابات العدو، وفي ثقافة التخوين التي تجعل من الرفيق عدواً، وفي تجاهل تام لألم النساء اللواتي يشكلن العمود الفقري لأي مجتمع. لقد اعتدنا أن نرى النضال كقصة أحادية البطل: نحن الطيبون الأبرار، وهم الأشرار الكفار. وعندما نسقطهم، نعتقد أن الشمس ستشرق من تلقاء نفسها. ننسى أن الطيبين، حين يمسكون بزمام السلطة وقد أعمتهم سنوات من القهر والاضطهاد، أو وقد أغوتهم فرصة الثراء السريع، يمكن أن يصبحوا طغاة جدداً، ليس بالرصاص، بل بالإهمال والتضخم الأخلاقي وبتحويل لائحة الاتهام إلى سلاح ضد الأبرياء، وبجعل الأمهات والجدات والخالات يعشن في انتظار أبدي لدولة لا تأتي. يكفي أن يستمرئوا شعار “نحن الثورة، ونحن الحقيقة، وكل من يختلف خائن”، و”دماء الشهداء خط أحمر، لكن أمهاتهم ليسوا خطاً أحمر”. عندها، لا فرق بين قمع الديكتاتور العسكري وقمع غطرسة الثوري الذي رفع نفسه إلى مصاف القداسة، وفرز الناس بين “ثوار أوفياء” و”خونة عملاء”، وفرز النساء بين “أمهات ثكالى صابرات” و”أمهات مزعجات”. بل إن خيانة الثوري أشد، لأنه قتل الروح قبل الجسد، وقتل حلم المواطنة المتساوية قبل أن يولد.
ربما يكون العلاج في أفريقيا والسودان، هو علمنة القداسة السياسية. يجب أن ننزع الهالة المقدسة عن أي تنظيم أو قائد أو حزب. يجب أن نعترف بأن النضال عمل بشري، يخطئ ويصيب، ويحتاج إلى مراجعة دائمة. وأن التضحيات التي قدمها الآباء والأمهات والأخوات والأجداد هي أمانة في أعناقنا، ولكن الأمانة لا تُصان بالبكاء والشعارات، ولا بمطاردة “الخونة” الوهميين، ولا بإطلاق الاتهامات على الأمهات الثكالى، بل بالمؤسسات والقوانين والشفافية والمحاسبة الحقيقية لمن يستغل منصبه الثوري لخدمة نفسه، وبالاعتراف الصريح بأن دولة المواطنة المتساوية لم تتحقق بعد، وأن علينا أن نعمل من أجلها بجدية وإخلاص، وليس مجرد التغني بها في الخطب. فشلنا هو أننا ظللنا متمسكين بحلم الثورة كحدث ملحمي عابر، بدلاً من تحويله إلى فعل يومي صغير وممل: دفع الضرائب، احترام إشارة المرور، تقديم بلاغ فساد بغض النظر عن هوية الفاسد، حضور جلسة مدرسة الأبناء، انتخاب مجلس بلدي بكفاءة، والأهم: الاستماع إلى أمهاتنا وجداتنا وخالاتنا، والاعتراف بألمهن، والعمل على أن تروا بأعينهن دولة المواطنة المتساوية قبل أن يغادرن هذه الحياة. هذا هو النضال الحقيقي، وأخلاقيات النضال الحقيقية: أن تكون بطلاً في التفاصيل لا في المآتم، وأن تكون صادقاً في زمن الكذب، وألا تخون رفاقك بتهمة الخيانة لمجرد أنهم قالوا لك الحقيقة، وألا تزغرد على موت أبناء غيرك وأنت تهمل أمهاتهم.
علينا أن نعترف بأننا، نحن السودانيين والأفارقة، نملك رصيداً هائلاً من الألم، لكننا لا نملك رصيداً مماثلاً من الخبرة في بناء الأوطان، والخبرة في مقاومة إغراء استغلال المنصب، والخبرة في التعامل مع الخيانة الحقيقية دون أن نطلق الرصاص على أنفسنا، ودون أن نطلق تهم الخيانة على الأمهات اللواتي دفعن أغلى فاتورة. هذه ليست إهانة، بل دعوة إلى التواضع. هل تصورت يوماً جدة عجوز، ضحت بكل شيء، تجلس في ورشة دستور، تناقش مواد الضمانات القضائية والحكم اللامركزي، وتناقش تعريف “الخائن” قانونياً بدلاً من أن يكون مجرد شتيمة سياسية، وتناقش حقوق أسر الشهداء وآليات دمج النساء في صنع القرار؟ لكن هذا ما يجب أن يحدث. أخلاقيات النضال الجديدة يجب أن تستدعي الحكمة الشعبية الخشنة، لا فقط خطب الثوار الفخمة. تلك الحكمة التي تقول: “الحلو ما يكمل، والوحش ما يطول” – أي أن لا شيء كامل، ولا شيء دائم، لذلك تعلم كيف تتصالح مع الواقع، وتعلم كيف تميز بين الخائن الحقيقي وبين من اختلف معك في الرأي، وتعلم كيف تسمع صوت الأم الثكلى قبل أن تطالبها بالصبر. لكننا رفضنا التصالح مع أي واقع أقل من مثالية الشهادة، ورفضنا أن نميز، وفضلنا تعميم صفة الخيانة على كل من يعيق طموحاتنا، وفضلنا صمت الأمهات والجدات خوفاً من “تشويه صورة الثورة”. ولهذا، بقينا معلقين بين السماء والأرض، لا عند الله ولا عند الناس، نهدر التضحيات، ونكرر الفساد، ونسميه ثورة، ونتهم الأبرياء بالخيانة، ونطلق الزغاريد على الموت وننسى الحياة.
ختاماً، هذا المقال هو اعتراف، وهو بكاء، وهو محاولة لفهم، وأيضاً هو غضب. ولكنه في جوهره، نداء. نداء للجيل الجديد من الشباب السوداني والأفريقي الذي ما زال يحمل هموم الحبوبات والأجداد: توقفوا قليلاً عن الحلم بموت جميل، واحلموا بحياة ممكنة. تعلموا من فشلنا. عندما تصعدون إلى الميادين، اصعدوا ومخطط سياسي واضح لمئة يوم بعد سقوط الطاغية، كما تخططون لليوم الأول من القتال. وفوق كل شيء، اصعدوا وميثاق أخلاقي صارم: لن نستغل المنصب لخدمة أنفسنا، ولن نطلق صفة “خائن” على أي مناضل شريف يختلف معنا، ولن نغلق باب النقد باسم “أمن الثورة”، ولن ننسى أبداً أمهاتنا وجداتنا وخالاتنا، وسنعمل بكل جهد لكي ترين بأعينهن دولة المواطنة المتساوية التي وعدناهن بها. لا تجعلوا دماء أمهاتكم تذهب هدراً في متاهات السلطة، ولا تجعلوا خيانة بعض الثوار تقتل حلمكم في التغيير، ولا تجعلوا صمت الجدات على ألمهن يمر دون أن تفعلوا شيئاً. اعترفوا بأننا فشلنا أمامكم، ولكن لا تجعلوا فشلنا سبباً ليأسكم، بل اجعلوه وقوداً لوعي مختلف. لأن أخلاقيات النضال في القارة الأفريقية لم تكتمل بعد. هي في طور التكوين، تتشكل الآن على أيديكم. إما أن تتحول إلى ثقافة بناء ومحاسبة شفافة واعتراف بألم النساء، وإما أن نبقى أسرى لأجمل الطرق المؤدية إلى الهاوية: طريق التضحية التي لا تثمر إلا المزيد من التضحية، والخيانة التي تتخفى خلف أقنعة القداسة، والزغاريد التي تخفي وراءها دولة لم تولد بعد.
لقد ضحى السودانيين بما يكفي ليمتلكوا الحق في السلام. لقد ضحوا بما يكفي ليمتلكوا الحق في أن يقولوا لأنفسهم: “يكفي”. يكفي فشلاً، يكفي بكاءً على الأطلال، يكفي تخويناً لكل صوت ناقد، يكفي زغاريد على موت أبناء لم تصنع دولتهم بعد. حان وقت الاعتراف الجريء، ثم وقت العمل الصبور، ثم وقت المحاسبة العادلة لكل من استغل ثورتنا – مهما علا صيته بالبطولة – ليأكل حق الفقراء ويخون دم الشهداء ويتهم الأمهات بالخيانة. عندها فقط، سنستطيع أن ننظر في عيون أمهاتنا وأجدادنا وحبوباتنا وخالاتنا، ونقول لهن بصدق: لم تذهب تضحياتكم هباءً، لقد علمتمونا أخيراً كيف ننتصر على أنفسنا قبل أن ننتصر على أعدائنا، وكيف نميز بين المناضل الشريف والخائن الحقير، بغض النظر عن الشعار الذي يرفعه. وهل هناك تضحية أخلاقية أعظم من أن يهزم الإنسان غروره السياسي وخيانته الصغيرة من أجل مستقبل أولاده وكرامة أمهاته؟ وهل هناك مواطنة أعظم من تلك التي ترى فيها الجدة أخيراً، قبل أن تغمض عينيها، مستشفى يعالجها دون واسطة، ومدرسة تعلم أحفادها دون تمييز، ودولة تقول لها: “أنتِ من صنعتِ هذا، ودم حفيدك هو ثمن هذه اللحظة.” عندها فقط، ستزغرد الأم زغرودة مختلفة: ليست زغرودة فخر بموت، بل زغرودة فرح بولادة دولة المواطنة
بتاريخ 2يونيو2026م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x