حين تخون السماء وتظل الأرض مبدأً: سيرة نضال سوداني

بقلم: أ/ عبدالماجد الطاهر محمد احمد (صمت القبور)
في أعماق هذا الوطن المكلوم، حيث تختلط دماء الشهداء بتراب النيل، وتتصاعد أنفاس الحرية من بين ركام المحن، يظل السؤال الأكثر إيلاماً والذي يطرق أبواب وعي كل سياسي وناشط ومواطن شريف: هل لي من صديق؟ هل لي من رفيق درب لا يخون العهد، ولا يتبدل مع تبدل المواقع، ولا يتلون مع تقلبات الرياح السياسية؟ إنه سؤال وجودي بقدر ما هو سياسي، لأنه يتعلق بجوهر الثقة والأمان في عالم يموج بالتناقضات، ويتلاطم بأمواج الغدر والنفاق. في سوداننا الحبيب، حيث تتلاطم أمواج السياسة بعنف، وتتداخل خيوط المصالح وتتشابك، يبقى هذا السؤال يلح بقسوة على كل من حمل هموم وطنه في قلبه، وسار في دروب النضال حافياً على جمر اليقين.
للأسف، أصبح المشهد السياسي السوداني مرآة عاكسة لحقيقة مرة ومعقدة، هي أن “رفيق الأمس هو عدو اليوم، وعدو الأمس هو رفيق اليوم”. هذه ليست مجرد مقولة دارجة في أروقة السياسة، بل هي واقع معاش نعيش تفاصيله اليومية بمرارة وألم. نرى بأم أعيننا تحالفات تنهار بأسرع مما بنيت، وصداقات سياسية تتبخر مع أول ريح معاكسة، وعداوات تاريخية تذوب فجأة تحت وطأة مصلحة لحظية، وكأن المبدأ الوحيد الثابت في هذه اللعبة السياسية القاتمة هو تغير الموقف وفقاً لحسابات الربح والخسارة الشخصية، لا وفقاً لثوابت الأمة وقضاياها المصيرية. كأننا في سوق كبير للولاءات، تباع فيه الضمائر بأبخس الأثمان، وتشترى فيه الذمم بأوهام المناصب والكراسي الوهمية.
هذا التقلب المريع في الولاءات والانتماءات لم يعد يخفي شيئاً على أحد؛ بل أصبح فضائحه مكشوفة للرأي العام الذي بات يتعامل مع السياسة والسياسيين بدرجة عالية من الريبة والشك. إنه يكشف عن أزمة أخلاقية ووجدانية عميقة في صميم العمل السياسي السوداني، حيث أصبحت العلاقات الشخصية والاعتبارات الذاتية والمحسوبيات الضيقة هي المحرك الأساسي للحراك السياسي، لا القناعات الراسخة، ولا المبادئ الثابتة، ولا حتى المصلحة العليا للوطن والشعب الذي يئن تحت وطأة أزمات متراكمة من حروب وجوع وتشرد وانكسار. لقد تحولت السياسة في كثير من الأحيان إلى سوق للمزايدات، وميدان لتصفية الحسابات، ومسرح للعباءات المتقلبة التي يرتديها كل لاعب وفقاً لما تمليه عليه لحظته الآنية، متناسياً أن وراء كل قرار سياسي حياة إنسان، ومستقبل أمة، ودماء شهداء لن تغفر الخيانة ولا النسيان.
في خضم هذا السيل الجارف من التناقضات الصارخة، وفي خضم هذا الضجيج الأخلاقي الذي يطمس كل المعالم، يأتي السؤال الجوهري والأعمق: كيف للإنسان أن يبقي على إيمانه بقضيته وهو يرى من كانوا معه بالأمس قد تحولوا إلى خصوم ألداء، ومن كانوا أعداء الأمس قد أصبحوا حلفاء أوفياء بين عشية وضحاها؟ كيف له أن يحافظ على نقاء روحه ونبل أهدافه وهو يشهد يومياً مشاهد التلون والنفاق التي لا تليق حتى بأبسط قواعد الشرف الإنساني، فما بالك بقواعد النضال الوطني العظيم؟ إن هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين ندرك أن النضال السوداني، بتاريخه الطويل وتجاذباته المعقدة، كان ولا يزال مسرحاً لهذه المتناقضات التي تهدد بتفكيك أي جهد جماعي وتحويله إلى صراعات هامشية تستنزف الطاقة وتشتت الجهود، وتجعل من القضية الكبرى مجرد مادة للاستهلاك اليومي في معارك جانبية لا طائل من ورائها.
الجواب، أيها الصديق العزيز، لا يكمن في الخارج، ولا في أروقة التحالفات المتغيرة، ولا في حسابات المصالح الآنية التي لا تدوم. الجواب الحقيقي والوحيد يكمن في الداخل، في تلك المساحة المقدسة والمنيعة التي لا تصل إليها يد الخيانة ولا تتلوث بأوحال المصالح ولا تهتز لزلازل المواقف المتقلبة، ألا وهي الذات. الإيمان بالقضية، والإيمان العميق الجذري بقضية شعبنا المنكوب والمعذب، يجب أن يكون نابعاً من أعماق النفس البشرية الأصيلة، مستقلاً تمام الاستقلال عن أي رفيق أو صديق أو حزب أو تنظيم. إنه إيمان ينبغي أن يكون أشبه بالجذور الراسخة في أعماق الأرض، لا تتزعزعها العواصف، ولا تحركها الزلازل، ولا تغيرها الفصول. هو ذلك الثابت الوحيد في زمن تاهت فيه كل الثوابت، وتلاشت فيه كل المعالم، فلم يبق للإنسان إلا ما يختزنه في صدره من يقين لا يقبل المساومة.
إن القناعات الراسخة التي تنمو في تربة الروح، والإيمان الصادق الذي يستقر في حنايا الضمير، هو وحده البوصلة التي لا تتعطل ولا تنحرف مهما تعقدت المسارات وتشابكت الطرق. هذا النوع من الإيمان هو الصديق الوفي الذي لا يخون العهد، والرفيق الدائم الذي لا يتغير مع الزمن، والملاذ الآمن الذي تلجأ إليه النفس حين تضيق بها سبل الحياة وتتخلى عنها الأصحاب. حين تؤمن بأن النضال هو قيمة إنسانية سامية في ذاته، وحين ترى في قضية شعبك المعذب هدفاً أسمى يتجاوز حدود الذات والجماعة والولاءات الضيقة، عندها فقط تصبح منيعاً أمام تقلبات العلاقات، وعندها فقط تتحرر من عبودية الخوف والترقب لمن سيكون معك أو عليك. تصبح كالجبل الذي لا تحركه العواصف، وكالنهر الذي لا يغير مساره رغم كل الصخور التي تعترض طريقه.
هذا النوع من الإيمان الداخلي، المستند إلى مبادئ راسخة وقيم أخلاقية نبيلة، هو الذي يمنحك القوة الفائقة لتواجه وحدتك في ساحات النضال، وهو الذي يمنحك الصبر والتجلد لتتقبل تنكر الأصدقاء وتحول الخصوم دون أن ينكسر قلبك أو تخور عزيمتك. إنه يمنحك القدرة على النظر إلى الجميع بعين الثبات على المبدأ، دون أن تكترث كثيراً لمن يقف معك أو من يقف ضدك، طالما أنت موقن كل اليقين بأن ما تفعله هو الحق، وأن طريقك هو طريق النجاة، وأن صوتك هو صوت الضمير الوطني الذي لا يُشترى ولا يُرهن. هذا الإيمان يحميك من أن تكون مجرد أداة بيد الآخرين، أو ورقة في لعبة سياسية قذرة، أو رقماً في معادلات توزيع الغنائم والمناصب. إنه يجعلك سيد نفسك، ومالك قرارك، وحراً حقيقياً في عالم يموج بالتبعية والاستلاب.
فالقضية السودانية، بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبكل قضاياها العادلة العالقة، وتنوعها الإثني والثقافي الغني، وتاريخها النضالي الطويل المشرف، هي قضية أكبر وأعظم من أن تختزل في علاقات شخصية متقلبة أو مصالح آنية زائلة. هي قضية جيل بل أجيال، هي حلم شعب بكامله، هي معركة وجود وهوية ومستقبل. وشعبنا السوداني الذي يعاني اليوم من ويلات حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر، ومن مجاعة وأمراض وتشريد قسري لا يرحم، ومن انكسار في كل مفاصل الحياة، ينتظر منا جميعاً -قادة وناشطين ومثقفين- أن نكون عند حسن ظنه، وأن نرفع فوق اعتباراتنا الشخصية وخلافاتنا الثانوية راية المبدأ الذي لا يتزعزع، وراية الوطن الذي يتسع للجميع. إن انتظار الشعب لنا ليس انتظاراً للخطب الرنانة والشعارات البراقة، بل هو انتظار لأفعال تليق بحجم معاناته، ومواقف تعكس صدق الانتماء، وتضحيات تثبت أننا أهل للثقة التي منحنا إياها.
علينا أن ندرك أن حب الوطن ليس شعاراً يرفع في المناسبات، وليس كلمة تقال على منابر الخطابة، وليس هوية سياسية مؤقتة. حب الوطن هو فعل يومي، هو تضحية، هو التزام، هو أن تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، هو أن تصبر على أذى الرفاق قبل أذى الأعداء، هو أن تبقى ثابتاً على مبادئك ولو تخلى عنك الجميع، لأن القضية ليست قضية أنت أو هم، بل هي قضية هذا الوطن الذي سيظل قائماً بعد أن نرحل جميعاً. إن المراجعة المستمرة للذات، والنقد الذاتي الصادق، والتطهير الروحي من آفات الأنانية والغرور، كلها ضرورات لا غنى عنها لمن يريد أن يكون نضاله نضالاً حقيقياً يؤتي ثماره. فالنضال الحقيقي يبدأ من الداخل أولاً، بتطهير النية، وإخلاص الوجهة، وتجريد القضية من كل الشوائب التي تلحق بها بسبب أهواء النفوس وضعفها.
ولتكن ذواتنا المطهورة هي معقلنا الحصين الذي نلوذ به حين تشتد العواصف، ولتكن مبادئنا الثابتة هي سلاحنا الذي لا ينبو ولا يكل، ولتكن قضية شعبنا الجريح هي الغاية العظمى التي ننشدها بكل ما أوتينا من قوة، مهما تغيرت الوجوه، وتقلبت المواقف، وتعددت التحالفات، وتبدلت الشعارات. عندها فقط سنكون أمناء حقاً للنضال، ومخلصين بصدق للحلم السوداني الذي لا يموت، وشركاء حقيقيين في بناء وطن جديد يسع الجميع، وطن الحرية ،العدل ،السلام،الديمقراطية عندها سنصنع تاريخاً جديداً نكتبه بأيدينا لا بأيدي الآخرين، وسنكون قدوة للأجيال القادمة في معنى الثبات على المبدأ والوفاء للوطن. عندها لن تكون خيانة السماء مبرراً لانكسار الأرض، بل ستصبح الأرض -بما تحمله من مبادئ وقيم- هي السماء الجديدة التي ننتمي إليها.
في النهاية، أيها الرفيق ،الصديق، تذكر دائماً أن الوحدة في ساحة النضال ليست رفقة أجساد بقدر ما هي تطابق في الأرواح وتوافق في المبادئ. من أيقن أن طريقه هو طريق الحق، لم يضره تخلي المتخاذلين، ولم ينفعه تزلّف المتملقين. دمثت على درب النضال ثابتاً، وقضية شعبك في قلبك نابضة، وروحك للوطن فداء، وضميرك للتاريخ شاهد. واعلم أن النصر ليس حتمياً، لكن الشرف في المحاولة، والخلود في المبدأ، والعزة في ألا تنحني يوماً لغير قناعتك، مهما كلفك الأمر. وحين تخون السماء بكل من فيها، تظل الأرض مبدأً ثابتاً، تمدك بجذورها وقوتها، وتذكرك بأنك لست وحدك ما دمت تحمل في داخلك وطناً كاملاً يستحق كل هذا العناء.
بتاريخ 3أغسطس 2026م
abdualmajidaltahirmohamad@gmail.com



