حين تدفع الأوطان ثمن الحروب

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)
عندما تندلع الحروب، لا يكون الدمار محصورًا في ساحات القتال، بل يمتد أثرها إلى حياة الشعوب ومستقبل الأوطان. فالحرب لا تترك خلفها فقط خسائر مادية، وإنما تخلّف جراحًا إنسانية عميقة، وتؤثر في مسيرة الدول وأحلام أجيالها القادمة.
وفي السودان، تأتي الحرب الراهنة في ظل تعقيدات متراكمة ذات أبعاد تاريخية وسياسية واجتماعية واقتصادية، جعلت مسار بناء الدولة والاستقرار يواجه تحديات كبيرة. فقد ظل السودان، منذ الاستقلال، يبحث عن صيغة وطنية تحقق التوازن بين تنوعه الكبير، وتؤسس لدولة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية.
ومنذ الاستقلال، واجه السودان العديد من التحديات المرتبطة ببناء مؤسسات الدولة، وإدارة التنوع، وتحقيق التوازن في قضايا السلطة والثروة والتنمية بين مختلف المناطق والمكونات الاجتماعية. ومع استمرار هذه التحديات عبر مراحل مختلفة، ظهرت أزمات متكررة أسهمت في تعقيد المشهد السياسي والأمني.
واليوم، يعيش السودان مرحلة صعبة انعكست آثارها على حياة المواطنين، حيث فقد كثيرون أرواحهم، ونزحت أسر من مناطقها، وتضررت البنية التحتية، وتأثرت مسيرة التنمية والاستقرار. فالحروب لا تقتصر آثارها على الأطراف المنخرطة فيها، بل تمتد لتشمل المجتمع بأكمله، وتترك آثارًا إنسانية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى وقت وجهد لمعالجتها.
ستنتهي الحرب يومًا، وقد تصل الأطراف المختلفة إلى تفاهمات أو اتفاقات، لكن آثارها ستظل حاضرة في ذاكرة الذين فقدوا أحباءهم، وعاشوا تجربة النزوح والمعاناة:
ستنتهي الحرب، ويتصافح القادة،
وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد،
وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب،
وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل.
لا أعلم من باع الوطن، ولكنني رأيت من دفع الثمن.
إن السؤال الأهم ليس فقط: من انتصر في الحرب؟ بل: كيف يمكن للسودان أن يتجاوز آثارها، ويعيد بناء مستقبل أكثر استقرارًا ووحدة؟
إن معالجة الأزمة السودانية تتطلب فهم جذورها التاريخية، والعمل على حلول شاملة تقوم على الحوار السوداني ـ السوداني، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية التي تضمن الحقوق والواجبات لجميع المواطنين.
فالسلام المستدام لا يعني فقط توقف القتال، بل يتطلب بناء الثقة، ومعالجة أسباب النزاعات، وفتح الطريق أمام مشاركة جميع السودانيين في بناء وطنهم. فالأوطان لا تنهض بالصراعات، وإنما بالتعاون والحوار والإرادة المشتركة لصناعة مستقبل أفضل.
لا للحرب، نعم للسلام.
والسودان يحتاج إلى وطن يسع الجميع



