مقالات الرأي

حين تسرق الحرب مستقبل الأجيال.. التعليم حقٌّ ووقف الحرب ضرورة

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)

حين تسرق الحرب مستقبل الأجيال، فإن أول ما يجب أن ندافع عنه هو حقهم في التعليم. فالحرب في السودان لم تعد أزمة عسكرية أو سياسية فحسب، بل أصبحت أزمة وطنية شاملة امتدت آثارها إلى مختلف جوانب حياة المواطن، وكان التعليم من أكثر القطاعات التي دفعت ثمن هذا الصراع.

فالمدرسة التي تُغلق بسبب الحرب، والطالب الذي ينزح مع أسرته، والمعلم الذي يفقد بيئة العمل، والطفل الذي ينقطع عن الدراسة، كلها صور لآثار حرب لا تتوقف خسائرها عند الأرواح والممتلكات، بل تمتد إلى مستقبل السودان نفسه.

ومن هنا، لا يمكن فصل قضية التعليم عن القضية الأكبر: ضرورة وقف الحرب.

فالتعليم حق أصيل لكل سوداني، وليس امتيازًا سياسيًا أو أداةً تستخدمها أي جهة في صراعها مع الآخرين. فالطالب لا يختار الحرب، ولا يتحمل مسؤولية مواقف والديه أو أسرته السياسية والعسكرية، ولا ينبغي أن يُحرم من حقه في التعليم أو الامتحان بسبب انتمائه الجغرافي أو الأسري.

لكن حماية هذا الحق لا تكتمل إلا بتحقيق المساواة. فلا يجوز أن يحصل طالب على فرصة التعليم والامتحان، بينما يُحرم منها طالب آخر بسبب المنطقة التي يعيش فيها أو الظروف التي فرضتها عليه الحرب. ويجب أن يشمل ذلك طلاب دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة وشرق السودان والشمال، وأبناء النازحين والمتضررين من الحرب، وجميع الطلاب السودانيين دون تمييز.

فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول التعليم إلى ورقة سياسية أو وسيلة للضغط على الخصوم. والشهادة السودانية ينبغي أن تظل معيارًا وطنيًا أكاديميًا يقوم على شروط واضحة وعادلة تنطبق على الجميع، بعيدًا عن العقاب والمساومة والاستقطاب السياسي.

لقد أغلقت الحرب المدارس، وشتّتت الأسر، وأجبرت الطلاب على النزوح، وحرمت أعدادًا كبيرة منهم من سنوات تعليمية ثمينة. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة استعادة العملية التعليمية، وتعاظم خطر ضياع جيل كامل.

لذلك، فإن الحديث عن إصلاح التعليم في ظل استمرار الحرب يظل ناقصًا؛ لأن معالجة آثار الأزمة لا يمكن أن تنجح ما دام سببها الأساسي قائمًا.

وقف الحرب أولًا؛ لأنه الشرط الأول لعودة الطلاب إلى مدارسهم، وإعادة بناء المؤسسات التعليمية، ومعالجة الفاقد التعليمي، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة للأجيال القادمة.

وهنا تتصل قضية التعليم بالقضية الوطنية الأوسع. فلا يمكن للسودان أن يخرج من أزمته بمزيد من الحرب والاصطفاف والاستقطاب. فالطريق يبدأ بوقف الحرب، ثم فتح الباب أمام حوار سوداني–سوداني حقيقي وشامل، يقود إلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون.

فالتعليم ليس ملفًا هامشيًا في مستقبل السودان، بل هو أحد أعمدة الدولة التي نريد بناءها بعد الحرب. فالجيل الذي يتعلم اليوم هو الجيل الذي سيعيد بناء المؤسسات، ويشارك في صناعة السلام، ويسهم في صياغة مستقبل مختلف للسودان.

ومن المؤلم أن يدفع طفل سوداني ثمن حرب لم يخترها، فيفقد مدرسته أو عامه الدراسي أو حقه في الامتحان، بينما تستمر الأطراف المتحاربة في صراعها السياسي والعسكري. ولهذا، يجب ألا تتحول معاناة الطلاب إلى وسيلة جديدة لتصفية الحسابات السياسية.

لذلك، يجب أن يكون موقفنا واضحًا: لا ينبغي أن يكون مستقبل الأطفال رهينةً للحرب، ولا ينبغي أن يتحول التعليم إلى ساحة جديدة للصراع.

فإذا كنا نريد سودانًا جديدًا، فعلينا أن نحمي حق أبنائه في التعليم، وأن نضع الإنسان فوق الصراع، والسلام فوق الاصطفاف، والمستقبل فوق حسابات الحرب.

إن وقف الحرب ليس مطلبًا سياسيًا فقط؛ بل هو ضرورة لإنقاذ التعليم، وحماية الأطفال، ومنع ضياع جيل كامل.

الحرب تسرق المستقبل، والتعليم يحميه؛ ولذلك فإن وقف الحرب هو الخطوة الأولى لاستعادة مستقبل السودان.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x