مقالات الرأي

حين تصنع الدولة الفرق بين الحرب و الحياة


بقلم: السمؤل جمال


اليوم كانت كمبالا ترسل رسائلها إلى إفريقيا والعالم بثقة دولة تعرف طريقها جيداً
استعراض عسكرى منظم
حضور دبلوماسى واسع
أجهزة أمنية متماسكة
مؤسسات تعمل بثقة
وخطاب سياسى يتحدث عن الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والزراعة والصناعة والسيادة الوطنية
فى المقابل كان السودان حاضراً فى ذهن كل من تابع المشهد
كيف وصلت أوغندا إلى هذه المرحلة
وكيف وصل السودان إلى هذا الانهيار رغم أن موارده تفوق أوغندا بمراحل
حين بدأ يورى موسفينى حربه فى الثمانينات كانت أوغندا دولة منهكة بالصراعات والانقلابات والدماء
كانت البلاد غارقة فى الفوضى والخوف والانقسام
وفى ذلك الوقت كان السودان أكثر استقراراً وحضوراً وهيبة
كان السودان دولة محورية فى إفريقيا
الخرطوم عاصمة مؤثرة
الجواز السودانى محترماً
الخدمة المدنية قوية
الزراعة مشروعاً ضخماً
والجامعات السودانية مقصداً للطلاب من مختلف الدول
لكن الطريق الذى اختارته أوغندا اختلف تماماً عن الطريق الذى سار فيه السودان
موسفينى أدرك مبكراً أن البندقية تستطيع إسقاط نظام لكنها لا تستطيع بناء وطن
فتحولت حركته المسلحة إلى مشروع دولة
بنى جيشاً موحداً
عزز الأمن
وسع الطرق
فتح أبواب الاستثمار
دعم الزراعة
وربط أوغندا بمحيطها الإفريقى والدولى
واليوم مهما اختلفت الآراء حول تجربته السياسية فإن أوغندا أصبحت دولة تمتلك ثقلاً أمنياً وعسكرياً ودبلوماسياً واضحاً فى شرق إفريقيا
دولة تستضيف المؤتمرات
وتؤمن حدودها
وتفرض حضورها فى الإقليم
أما السودان فقد استنزف نفسه بالحروب
كل حرب كانت تلتهم جزءاً من الدولة
حتى أصبحت البلاد تواجه خطر الانهيار الكامل
بينما كانت كمبالا تبنى الطرق والمطارات والبنية التحتية
كانت الخرطوم تغرق فى الدمار والانقسام
وبينما كانت أوغندا تقدم نفسها للعالم كبيئة مستقرة للاستثمار
كان السودان يتحول إلى ساحة قتال مفتوحة
المفارقة المؤلمة أن السودان أغنى من أوغندا بأضعاف
السودان يمتلك أراضى زراعية هائلة
ثروات معدنية ضخمة
ذهباً ونفطاً
ثروة حيوانية
مياهاً وأنهاراً
وموقعاً استراتيجياً يجعل منه بوابة لإفريقيا والعالم العربى
لكن الموارد وحدها لا تصنع دولة
الدولة تصنعها الرؤية والاستقرار والإرادة السياسية
فى خطاب موسفينى اليوم كانت الرسالة واضحة
الأمن أولاً
ثم الاقتصاد
ثم النفوذ الإقليمى
ثم المستقبل
أما السودان فما زال يقاتل داخل دائرة الحرب نفسها
حرب تلتهم الإنسان والاقتصاد والمدن والأمل
ولو عرف السودان استقراراً حقيقياً لعشر سنوات فقط
ولو تحولت موارده نحو التنمية بدلاً من الرصاص
ولو اتجهت طاقات شبابه نحو البناء بدلاً من الحرب
لأصبح السودان واحداً من أقوى اقتصادات إفريقيا
القضية لم تكن يوماً نقص موارد
القضية كانت غياب مشروع الدولة
واليوم بينما كانت كمبالا تعرض قوتها السياسية والأمنية والدبلوماسية أمام العالم
كان السؤال الكبير يطرق أبواب السودانيين جميعاً
كم حرب يحتاج السودان حتى يقتنع أن السلام أقوى من البنادق

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x