مقالات الرأي

حين يتحول الحوار إلى غطاءٍ للأزمة… أين يقف السودان؟

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023م، ظل السؤال الأهم هو: كيف يمكن إنهاء الحرب والوصول إلى سلام حقيقي ومستدام؟ فالسودان لا يحتاج إلى انتصار طرف عسكري على آخر، ولا إلى تسوية سياسية مؤقتة تعيد إنتاج الأزمات السابقة، وإنما يحتاج إلى مسار وطني جاد يضع حدًا للحرب، ويعالج جذور الأزمة، ويمهد لبناء دولة تقوم على الحرية والعدالة والسلام والديمقراطية.

ومع بدء الحديث عن الحوار السوداني–السوداني، تبرز أسئلة مهمة حول طبيعة هذا الحوار وأهدافه ومخرجاته: هل سيكون مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الحرب وبناء السلام، أم يمكن أن يتحول إلى غطاءٍ للأزمة وإعادة إنتاجها؟

فالحوار في حد ذاته ليس إشكالًا، بل يمثل ضرورة وطنية متى ما كان هدفه إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، ومعالجة جذور الأزمة، ووضع أسس جديدة لبناء الدولة. غير أن الخطورة تكمن عندما يتحول الحوار إلى وسيلة لإعادة ترتيب موازين السلطة، أو منح الشرعية لواقع فرضته الحرب، أو إعادة إنتاج القوى التي كانت جزءًا من الأزمات المتراكمة في السودان.

ومن هنا، فإن رفض أي حوار يُستخدم لإعادة إنتاج الماضي لا يعني رفض مبدأ الحوار السوداني–السوداني. فهناك فرق واضح بين حوار يبحث عن مخرج وطني للأزمة، وحوار يتحول إلى صفقة سياسية لتقاسم السلطة والمناصب.

وقف الحرب أولًا يجب أن يكون المدخل الطبيعي لأي حوار سوداني–سوداني جاد؛ لأن الحوار لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار القتال ومعاناة المدنيين. فوقف الحرب ليس عائقًا أمام الحوار، وإنما هو الشرط الذي يهيئ المناخ المناسب لحوار وطني حقيقي، يفتح الطريق أمام السلام، ويعالج جذور الأزمة، ويؤسس لبناء دولة تستوعب جميع السودانيين.

كما أن الحوار السوداني–السوداني الحقيقي يجب ألا يكون حوارًا محدودًا بين أطراف الصراع أو النخب السياسية وحدها، وإنما حوارًا وطنيًا واسعًا تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، والحركات المسلحة، والنساء والشباب، والنازحون واللاجئون، وكل الفئات التي تضررت من الحرب والأزمات التي سبقتها.

فالقضية السودانية لا تتمثل فقط في السؤال: من يحكم السودان؟ وإنما في السؤال الأعمق: كيف يُحكم السودان؟ وعلى أي أساس تُبنى الدولة؟

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاتفاقات التي تركز على تقاسم السلطة والثروة والمناصب، دون معالجة جذور الأزمة، لا تستطيع إنتاج سلام مستدام. وقد تنجح في إيقاف القتال مؤقتًا، لكنها تترك أسباب الصراع قائمة، لتعود الأزمة من جديد بأشكال أكثر تعقيدًا.

ولهذا، فإن أي حوار وطني جاد ينبغي أن يضع قضايا العدالة الانتقالية، والمواطنة المتساوية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وعودة النازحين واللاجئين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومعالجة آثار الحرب، في صميم أجندته، إلى جانب معالجة جذور التهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ومن المهم كذلك ألا يُقاس الحوار باسمه أو شعاره، وإنما بمضمونه وأهدافه ومدى قدرته على تحقيق السلام ومعالجة الأزمة.

فليس كل حوار يحمل اسم «سوداني–سوداني» بالضرورة حوارًا وطنيًا حقيقيًا، كما أن رفض حوار معين لا يعني رفض الحوار بوصفه وسيلة سياسية وسلمية لحل الأزمات.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يحتاج السودان إلى الحوار؟ بل: أي حوار يحتاجه السودان؟ ولأي غاية؟ ومن يحدد أجندته؟ ومن يضمن ألا يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة؟

إذا كان الحوار سيقود إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة، ومعالجة جذور الأزمة، وبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، فإنه يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو السلام.

أما إذا تحول إلى وسيلة لمنح الشرعية للواقع العسكري، أو إلى صفقة جديدة بين النخب، أو إلى إعادة توزيع السلطة والمناصب، فلن يكون سوى تأجيل جديد للأزمة.

إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يتحول الحوار إلى بداية حقيقية للخروج من دائرة الحرب والانقلابات والإقصاء، وإما أن يصبح محطة جديدة لإعادة تدوير الأزمة.

وفي هذا السياق، يأتي موقف حركة/جيش تحرير السودان الرافض للاصطفاف مع طرفي الحرب، والداعي إلى وقف الحرب وإنهائها أولًا، ثم الانتقال إلى حوار سوداني–سوداني حقيقي، باعتباره موقفًا يضع مصلحة السودان وشعبه فوق الحسابات العسكرية والسياسية الضيقة.

فالسودان لا يحتاج إلى حوار من أجل تقاسم الكراسي، وإنما إلى حوار من أجل تأسيس وطن؛ ولا يحتاج إلى تسوية تنهي جولة من الحرب وتترك أسبابها قائمة، وإنما إلى سلام حقيقي يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة جديدة.

الحوار الحقيقي ليس مجرد اجتماع حول طاولة، وإنما إرادة وطنية تبدأ بوقف الحرب، وتحقيق العدالة، وبناء دولة تستوعب جميع السودانيين.

فحين يتحول الحوار إلى غطاءٍ للأزمة، يبقى السؤال مفتوحًا: أين يقف السودان؟

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x