مقالات الرأي

حين يتردد حزب الأمة في مخاطبة جذور الأزمة

بقلم: د. كمال عبدالعزيز

29 مايو 2026م

لم تعد أزمة السودان مجرد صراع سياسي عابر أو تنافس على السلطة بين النخب، بل أصبحت أزمة بنيوية عميقة مرتبطة بطبيعة الدولة نفسها، وبكيفية إدارة التنوع الديني والعرقي والثقافي داخل البلاد. فعقود طويلة من عدم الاستقرار والحروب والانقسامات أثبتت أن استخدام الدين في المجال السياسي لم يؤسس لوطن جامع، بل ساهم بصورة مباشرة في إنتاج حالة (نحن وهم)، وفتح الباب واسعاً أمام الإقصاء والتميز والصراعات المستمرة.

لقد دفعت الشعوب السودانية ثمناً باهظاً نتيجة غياب مشروع وطني قائم على المواطنة المتساوية، حيث تحولت الدولة في كثير من المراحل إلى أداة للهيمنة السياسية والثقافية، الأمر الذي عمّق الشعور بالظلم وعدم العدالة لدى قطاعات واسعة من السودانيين. ومع تعدد الأديان والثقافات والإثنيات في السودان، أصبح من المستحيل بناء استقرار دائم دون صيغة سياسية جديدة تفصل بين الدين والدولة، وتحفظ للجميع حقوقهم على أساس المواطنة لا العقيدة أو الانتماء العرقي.

وفي هذا السياق جاءت وثيقة نيروبي وخارطة الطريق الجديدة باعتبارها محاولة جادة لمعالجة جذور الأزمة السودانية، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها. فقد طرحت رؤية تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: المسار الإنساني الذي يهدف إلى وقف معاناة المدنيين وإنقاذ الضحايا والنازحين، والمسار السياسي الذي يسعى إلى تأسيس دولة جديدة قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية، ومسار وقف إطلاق النار باعتباره المدخل الضروري لإنهاء آلة الحرب وتهيئة المناخ للحل الشامل.

وتكمن أهمية هذه الخارطة في أنها لم تتعامل مع العلمانية كقضية أيديولوجية معزولة، بل كضرورة سياسية وتاريخية لضمان حياد الدولة تجاه جميع المواطنين. ففصل الدين عن الدولة لا يعني محاربة الدين أو إقصاء المتدينين، وإنما يعني منع استغلال الدين في السلطة والصراع السياسي، وهي واحدة من أخطر الأدوات التي استُخدمت تاريخياً في تقسيم السودانيين وإدامة الحرب والكراهية والتعبئة ضد الآخر.

إن التحفظات التي أبداها حزب الأمة تجاه قضية العلمانية تمثل مؤشراً مقلقاً، لأنها تعكس استمرار التردد في مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة السودانية. فبعد كل هذا الدمار والمعاناة والدماء والنزوح، لم يعد مقبولاً إعادة إنتاج الخطابات القديمة أو الهروب من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة. إن عدم الاستفادة من التجارب القاسية التي مر بها السودان قد يفتح الباب مجدداً أمام إعادة تدوير الأزمة واستمرار عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ولا يمكن إعفاء حزب الأمة، بوصفه أحد الفاعلين التاريخيين في المشهد السياسي السوداني، من جزء أساسي من المسؤولية عن الأزمة الوطنية التي تراكمت عبر العقود. فالقضية اليوم لم تعد مجرد اختلافات سياسية عابرة، وإنما تتعلق بإرث طويل من إدارة الدولة بعقلية لم تنجح في بناء وطن يتسع لجميع السودانيين على قدم المساواة. إن حجم المعاناة التي عاشها الشعب السوداني، من الحروب الأهلية والقتل والتشريد والإبادة التي مورست باسم الدين منذ حرب الجنوب وحتى انفصال جنوب السودان، ثم امتداد المأساة إلى معظم أنحاء السودان اليوم، يفرض على القوى السياسية التقليدية مراجعة شجاعة وصادقة لمواقفها التاريخية، لا الاستمرار في التردد أو المناورة حول القضايا الجوهرية.

فإنكار العلاقة بين توظيف الدين في السياسة وبين إنتاج العنف والانقسام لم يعد ممكناً بعد كل هذه الدماء والخراب. كما أن التباطؤ في تبني مشروع الدولة المدنية الديمقراطية يبعث برسالة خطيرة إلى الضحايا والنازحين مفادها أن الصفوة والنخب السياسية ما زالت عاجزة عن التعلم من الكارثة الوطنية، أو أنها مستعدة لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها ولو على حساب آلام الشعب ومستقبله. ولذلك فإن أي محاولة للالتفاف على جذور الأزمة تمثل عملياً إهداراً جديداً لفرصة وقف الحرب وبناء دولة جديدة قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية.

كما أن استمرار الحرب لعقود لم يخلّف دماراً مادياً فقط، بل أنتج آثاراً نفسية عميقة داخل المجتمع السوداني، حيث ترسخت ثقافة الخوف والكراهية والعنف بوصفها جزءاً من الحياة اليومية. فالأجيال التي نشأت في ظل الحروب والنزوح والانقسامات أصبحت أكثر عرضة للتطبيع مع العنف وفقدان الثقة في الدولة وفي الآخر المختلف دينياً أو عرقياً أو سياسياً. وهذه الآثار النفسية والاجتماعية تمثل تهديداً خطيراً لمستقبل السودان، لأنها تعيد إنتاج الصراع داخل الوعي الجمعي حتى بعد توقف الحرب عسكرياً.

إن المجتمعات التي تعيش طويلاً تحت وطأة الحرب تصبح معرّضة لتشوهات عميقة في بنيتها النفسية والثقافية، حيث يتحول العنف إلى وسيلة مألوفة لحل الخلافات، ويتراجع الإيمان بالحوار والتعايش والمشروع الوطني الجامع.

ولهذا فإن بناء السلام الحقيقي لا يقتصر على توقيع الاتفاقات السياسية أو وقف إطلاق النار، بل يتطلب أيضاً معالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحرب، وتفكيك البنية الثقافية التي غذّت الكراهية والإقصاء لعقود طويلة.

إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما بناء دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والمساواة وفصل الدين عن الصراع السياسي، وإما الاستمرار في الحلقة المفرغة ذاتها التي أنتجت الحروب والانقسامات لعقود طويلة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، وإنما ببناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو إقصاء.

إن الجدية في تنفيذ خارطة طريق نيروبي بمساراتها الإنسانية والسياسية والأمنية تمثل اليوم ضرورة وطنية وأخلاقية لإنقاذ السودان، وليس مجرد خيار سياسي قابل للتأجيل أو المساومة. فإما أن تتعلم القوى السياسية من هذا التاريخ المؤلم، وإما أن تستمر البلاد في دفع الثمن جيلاً بعد جيل.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x