مقالات الرأي

حين يصبح صوت السلام تهمة في زمن الحرب

بقلم: كمال محجوب (أرسطو)

الحروب لا تدمر المدن والبنى التحتية فحسب، بل تمتد آثارها إلى العقول، فتضيق مساحة الحوار، ويتراجع قبول الرأي المختلف، ويصبح صوت السلام محل شك في زمن يفترض أن تكون فيه حماية الإنسان هي الأولوية. وعندما تتحول الدعوة إلى وقف الحرب إلى تهمة، فإن ذلك يعكس أزمة أعمق من الصراع العسكري نفسه؛ إنها أزمة في الوعي السياسي وإدارة الاختلاف.

في السودان، لم تبدأ الأزمة مع الحرب الحالية، بل هي امتداد لتراكمات تاريخية وسياسية صاحبت الدولة منذ الاستقلال. فقد ظلت قضايا الحكم، والعدالة، والمشاركة السياسية، وتوزيع السلطة والثروة، وبناء مؤسسات دولة قوية، مطروحة دون الوصول إلى حلول وطنية مستدامة، الأمر الذي ساهم في تكرار دوائر الصراع وعدم الاستقرار.

ومع استمرار الحرب، أصبح كثير من السودانيين يطالبون بوقف القتال، وإنهاء معاناة المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم. غير أن هذه الدعوات تُفسَّر أحيانًا من خلال منطق الاستقطاب، فيُنظر إلى أصحابها وكأنهم منحازون إلى أحد أطراف الصراع، بينما جوهر هذه الدعوات هو الانحياز للإنسان، ورفض استمرار المأساة الإنسانية.

إن إنهاء الحرب يمثل الخطوة الأولى، لكنه ليس نهاية الأزمة. فالسلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما يبدأ بمعالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، والاعتراف بالأخطاء السياسية التي ساهمت في الوصول إلى هذا الواقع، وفتح حوار سوداني سوداني شامل يشارك فيه أبناء الوطن لصياغة مشروع وطني جديد.

وفي هذا الإطار، يظل مستقبل العملية السياسية محل نقاش واسع بين السودانيين، بما في ذلك دور القوى التي حكمت البلاد في فترات سابقة، وعلى رأسها المؤتمر الوطني وبعض واجهاته السياسية. ويرى كثيرون أن بناء مرحلة جديدة يتطلب عدم مشاركة هذه القوى في المرحلة الانتقالية، انطلاقًا من قناعة بأن تجارب الماضي يجب ألا تُعاد، وأن نجاح أي تحول سياسي يرتبط بفتح المجال أمام مشروع جديد يقوم على الديمقراطية والشفافية والمساءلة. وفي المقابل، تبقى أي مساءلة أو مسؤولية سياسية أو قانونية من اختصاص مؤسسات العدالة وسيادة القانون.

إن السودان اليوم بحاجة إلى أكثر من وقف للحرب؛ فهو بحاجة إلى عقد وطني جديد يقوم على الحوار، ويعالج جذور الأزمة التاريخية، ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية، حيث تكون الحقوق والواجبات قائمة على أساس المواطنة، لا على أساس الانتماء السياسي أو القبلي أو الجهوي.

لقد دفع الشعب السوداني ثمنًا باهظًا للحروب والانقسامات، وكان المواطن هو الضحية الأولى. ولذلك فإن المستقبل يجب أن يُبنى على العدالة، وسيادة القانون، واحترام التنوع، والتداول السلمي للسلطة، حتى لا تتكرر المآسي التي عاشتها البلاد.

إن صوت السلام ليس ضعفًا، والحقيقة ليست جريمة، والدعوة إلى إنهاء الحرب ليست انحيازًا لطرف، بل انحياز للوطن والإنسان. ولن يخرج السودان من أزمته إلا عندما تصبح كرامة المواطن، ودولة القانون، والمواطنة المتساوية، هي الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الجديدة.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x