مقالات الرأي

حين يهزم الإنسان قبل الوطن: سيكولوجية القهر وطريق التعافي في السودان


بقلم: كمال محجوب (أرسطو)


حين يُهزم الإنسان قبل الوطن، لا يكون الخراب قد أصاب المؤسسات والاقتصاد فقط، بل يكون قد وصل إلى أعمق نقطة في المجتمع؛ إلى وعي الإنسان وثقته بنفسه وبقدرته على صناعة المستقبل. فالأوطان لا تُبنى بالموارد وحدها، وإنما تُبنى بإنسان يشعر بالكرامة، ويؤمن بأن صوته قادر على إحداث التغيير.
لا يولد الإنسان مقهورًا أو خاضعًا، وإنما تصنع الظروف القاسية داخله مشاعر العجز حين تتكرر الهزائم، وتغيب العدالة، ويصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. فالقهر لا يسلب الإنسان حقوقه المادية فقط، بل قد يمتد إلى أعماقه، فيُضعف ثقته بنفسه، ويحد من قدرته على المبادرة، ويجعله يفقد الإحساس بقدرته على صناعة المستقبل.
ومن هنا فإن القهر لا يمثل مجرد حالة سياسية أو اجتماعية عابرة، بل يتحول مع مرور الزمن إلى حالة نفسية واجتماعية تؤثر في وعي الإنسان وسلوكه وعلاقته بمجتمعه. فعندما تتراكم عقود من الفشل السياسي، والهيمنة، ومصادرة الحقوق، يصبح القهر بنية عميقة تحاصر الإنسان في واقعه، وتضعف ثقته بالمستقبل، وتجعله منشغلًا بالنجاة أكثر من المشاركة في صناعة التغيير.
وفي هذا السياق، يظهر الواقع السوداني مثالًا واضحًا على أثر الأزمات الممتدة في تشكيل نفسية المواطن. فمنذ الاستقلال عام 1956، واجهت الدولة السودانية تحديات كبيرة في بناء مشروع وطني جامع. فقد تعاقبت الأنظمة المدنية والعسكرية، وانشغلت العديد من النخب بالصراع على السلطة ومصالح المركز، بينما ظل التنوع السوداني الواسع يُدار، في كثير من الأحيان، بمنطق التهميش والإقصاء بدلًا من أن يكون مصدر قوة ووحدة.
وبدلًا من بناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون، دخل السودان في دوامة طويلة من الصراعات السياسية والحروب والانقسامات، وكان المواطن هو من يدفع الثمن الأكبر. فقد عاش السودانيون عقودًا من النزوح واللجوء والانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار، ولم تكن هذه الأحداث مجرد وقائع تُسجل في التقارير، بل كانت تجارب إنسانية قاسية تركت آثارًا عميقة في الذاكرة الجماعية، وزرعت مشاعر الخوف والقلق وعدم اليقين في وجدان أجيال متعاقبة.
إن المواطن الذي يعيش طويلًا في بيئة يغيب فيها الأمان والعدالة، ويرى جهده يضيع دون حماية أو تقدير، قد يبدأ تدريجيًا بفقدان الثقة في جدوى الفعل العام. وهنا يظهر أحد أخطر آثار القهر؛ إذ لا يكتفي بإضعاف الواقع الخارجي، بل يمتد إلى وعي الإنسان نفسه، فيزرع الإحباط، ويجعل الانكفاء على الذات والانشغال بالنجاة الفردية استجابة طبيعية أمام ظروف قاسية.
كما أن النزاعات الممتدة لا تترك آثارها على الأفراد فقط، بل تصيب النسيج الاجتماعي بأكمله. فالأجيال التي تنشأ وسط الخوف وعدم اليقين قد تحمل معها ذاكرة مثقلة بالألم، ويصبح الحذر والشك بديلًا عن الثقة والتعاون. وهكذا يتحول القهر من تجربة فردية إلى حالة جماعية تؤثر في قدرة المجتمع على التغيير والبناء.
ومع ذلك، فإن الإنسان السوداني لم يفقد قدرته على الصمود. فقد بقيت قيم التكافل، والفزعة، والتضامن الاجتماعي، والمقاومة، حاضرة في أصعب اللحظات، لتؤكد أن إرادة الحياة والحرية ما زالت قائمة.
لكن التعافي لا يبدأ فقط بتغيير الأنظمة أو إصلاح المؤسسات، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان نفسه؛ باستعادة ثقته، وتعزيز شعوره بالكرامة، وإعادة الإيمان بأن مشاركته وصوته جزء أساسي من صناعة المستقبل.
إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط في إعادة بناء الاقتصاد أو مؤسسات الدولة، بل في شفاء الإنسان من آثار سنوات طويلة من الخوف والانقسام والإحباط. فالدولة القوية تحتاج إلى مواطن يشعر بأنه شريك فيها، لا مجرد ضحية لظروفها.
ومن هنا فإن بناء السودان الجديد يبدأ من الإنسان؛ من تحويل ذاكرة الألم إلى طاقة للعمل، والانتقال من ثقافة الخوف والنجاة إلى ثقافة المشاركة والبناء.
فالشعب الذي استطاع الصمود أمام عقود من القهر يمتلك القدرة على النهوض، وما دامت إرادة الحياة والحرية حاضرة، فإن مستقبل السودان يظل ممكنًا؛ سودان العدالة، والكرامة، والمواطنة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x