خربشات وطن (1)

بقلم: م/عبدالله رابح (شارون)
السبت ٦ يونيو ٢٠٢٦م
وطن على قارعة الانتظار
منذ أن اندلعت الحرب في السودان، أصبح الانتظار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. انتظار السلام، انتظار العودة إلى الديار، انتظار الرواتب والخدمات، وحتى انتظار خبر صغير يعيد شيئًا من الطمأنينة إلى النفوس المتعبة.
تحول السودان إلى وطن يقف على قارعة الانتظار. المواطن يترقب مآلات المعارك والمفاوضات، والنازح ينتظر فرصة للعودة إلى أرضه، واللاجئ يلاحق حلم الاستقرار في بلادٍ جديدة. وبين كل هذا وذاك، يمضي الزمن ثقيلًا على شعب أنهكته الأزمات وتراكمت فوق كاهله الخيبات.
لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل أصبحت أزمة وطنية شاملة أعادت تشكيل حياة الملايين. فقد امتدت آثارها إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية، وأحدثت جروحًا عميقة في النسيج الاجتماعي. وربما كانت الخسارة الأكبر هي ذلك التآكل المستمر في الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
في الأسواق، تواصل الأسعار ارتفاعها بوتيرة تتجاوز قدرة المواطنين على الاحتمال. وفي المدارس، تتعثر العملية التعليمية وتضيع سنوات من أعمار التلاميذ والطلاب. أما المستشفيات، فتكافح وسط نقص الأدوية والمعدات والكوادر، بينما يخوض النازحون في المعسكرات ومراكز الإيواء معركة يومية من أجل البقاء بعيدًا عن الأضواء.
ورغم قتامة المشهد، لا يزال السودانيون يقدمون دروسًا ملهمة في الصبر والتكافل. ففي الأحياء والقرى ومراكز النزوح، تنشأ مبادرات شعبية لسد احتياجات الناس ومساعدة المتضررين. وهي نماذج تؤكد أن روح التضامن لم تمت، وأن المجتمع ما زال يمتلك قدرًا من القوة الأخلاقية يمكن أن يشكل أساسًا لأي مشروع وطني قادم.
اليوم يقف السودان عند مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تستمر دوامة الحرب وما تحمله من مزيد من الدمار والتشظي، وإما أن ينتصر صوت الحكمة وتبدأ رحلة شاقة نحو السلام والتعافي وإعادة البناء. وبين هذين الخيارين، يظل المواطن البسيط هو من يدفع الثمن الأكبر.
خربشة أخيرة
الأوطان لا تسقط بسبب الحروب وحدها، بل تسقط حين يفقد أبناؤها الإيمان بقدرتهم على إنقاذها. وما دام الأمل حيًا في قلوب السودانيين، فإن الطريق إلى النهوض، مهما طال، سيظل مفتوحًا.



