خربشات وطن (10)

وطنٌ من ورق
بقلم: م/ عبدالله رابح ( شارون)
السبت ٨ اغسطس ٢٠٢٦م
حين نخوض أعمق في سؤال الوطن، ونحاول أن نفهم علاقتنا به كسودانيين، نجد أنفسنا أمام حقيقة مؤلمة: أن ارتباط كثير منا بالوطن ظل، في أحيان كثيرة، مرتبطًا بالورق أكثر من ارتباطه بالوجدان.
نحمل جواز سفر سودانيًا، وبطاقة تحمل اسم السودان، وشهادة ميلاد، وأوراقًا رسمية تثبت انتماءنا إلى هذه الأرض.
لكن أين الوطن في وجداننا؟
أين ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يرى وطنه جزءًا من ذاته، لا مجرد اسم مكتوب في خانة «الجنسية»؟
ربما لا تكمن المشكلة في السوداني وحده، وإنما في الطريقة التي تربينا وتعلمنا بها معنى الوطن.
فالوطن لا يُبنى في الأوراق الرسمية، ولا يولد في يوم استخراج الجنسية، وإنما يبدأ منذ الطفولة؛ من البيت، ومن المدرسة، ومن الحكايات التي نسمعها عن بلادنا، ومن الطريقة التي نُعلَّم بها احترام الأرض والإنسان والتاريخ.
في كثير من دول العالم، تبدأ صناعة الانتماء في سن مبكرة. يتعلم الطفل معنى العلم والنشيد والتاريخ والرموز الوطنية، ويتعرف إلى حقوقه وواجباته تجاه وطنه ومجتمعه. وفي المدارس ودور العلم تُغرس قيم المشاركة والمسؤولية العامة واحترام القانون وخدمة المجتمع، حتى يصبح الانتماء سلوكًا يوميًا، لا مجرد شعار يُردد في المناسبات.
أما نحن، فكثيرًا ما اختزلنا الوطن في الاحتفالات والمناسبات، وفي رفع العلم وترديد النشيد وأداء قسم الولاء، دون أن نمنح الطفل المعنى الأعمق:
لماذا يجب أن أحب هذا الوطن؟
ولماذا يجب أن أشعر أنني مسؤول عنه؟
فالانتماء الحقيقي لا تصنعه الكلمات وحدها، ولا تُنشئه الأوراق الرسمية.
إنه شعور يتشكل مع الإنسان منذ طفولته، حين يعرف أن الأرض التي يعيش عليها ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما ذاكرة وتاريخ وثقافة وأناس وقيم ومستقبل مشترك.
الطفل الذي لا يتعلم أن الوطن هو الإنسان قبل الأرض، وأن كرامة المواطن جزء من كرامة الوطن، قد يكبر وهو يرى بلده مجرد مكان يمكن مغادرته متى ضاقت به الحياة.
ولهذا ربما لا ينبغي أن نتساءل فقط:
لماذا فقد السودانيون ارتباطهم بوطنهم؟
بل علينا أن نسأل سؤالًا أكثر قسوة:
هل علّمنا أبناءنا أصلًا كيف يحبون وطنهم؟
هل حدثناهم عن السودان بوصفه ذاكرة وهوية وثقافة وتنوعًا وإنسانًا؟
هل علمناهم أن النيل ليس مجرد نهر، وأن الخرطوم ليست مجرد مدينة، وأن دارفور وكردفان والجزيرة والشرق والشمال ليست مجرد أسماء على الخريطة، وإنما أجزاء من قصة وطن واحد؟
هل علمناهم أن اختلافنا ليس سببًا لكره بعضنا، وأن التنوع الذي يملأ السودان يمكن أن يكون مصدر قوة، لا ذريعة للانقسام؟
إن حب الوطن لا يُفرض على الطفل بالقسم وحده، ولا يُغرس في القلب بالخوف، ولا تصنعه المناهج التي تكرر الشعارات دون أن تمنحها معنى.
حب الوطن يحتاج إلى وطن يستحق أن يُحب.
يحتاج إلى عدالة وكرامة ومساواة، ومدرسة تحترم عقل الطفل، ومعلم يؤمن بقيمة الإنسان، ومجتمع يشعر فيه الفرد أنه شريك في وطنه، وليس مجرد رقم في سجلاته.
وهنا يأتي دور السياسة والتعليم والدستور.
فالسياسيون السودانيون، والأكاديميون، والمفكرون، وكل من يشارك في صياغة مستقبل السودان، مطالبون اليوم بأن يتوقفوا أمام هذه القضية بجدية، وألا تبقى مسألة الانتماء الوطني مجرد حديث عاطفي في المناسبات.
نحن بحاجة إلى أن تصبح إعادة بناء الوجدان السوداني محورًا أساسيًا في أي حوار وطني قادم.
فلا يكفي أن نتحاور حول شكل الدولة، أو نظام الحكم، أو تقاسم السلطة والثروة، أو حدود الأقاليم وصلاحياتها، بينما يظل السؤال الأهم غائبًا:
كيف نبني إنسانًا سودانيًا يشعر أن هذا الوطن وطنه فعلًا؟
نحتاج إلى أن تُصاغ هذه القيم بوضوح في الدساتير والقوانين والسياسات التعليمية، وأن تتحول المواطنة من مجرد نصوص قانونية إلى ثقافة مجتمعية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة والإعلام.
نحتاج إلى دستور يؤسس لمفهوم جامع للهوية الوطنية، يحترم التنوع السوداني بكل أشكاله، ويجعل الانتماء للوطن قائمًا على المواطنة والكرامة والمساواة، لا على القبيلة أو الجهة أو العِرق أو المعتقد أو الانتماء السياسي.
كما نحتاج إلى مناهج تعليمية تعيد تقديم السودان لأبنائه؛ تاريخًا وجغرافيا وثقافةً وإنسانًا.
مناهج لا تصنع مواطنًا يحفظ الشعارات، وإنما إنسانًا يفهم وطنه، ويعرف تنوعه، ويحترم مكوناته، ويشعر أن له دورًا ومسؤولية في حمايته وبنائه.
فإعادة بناء السودان بعد الحرب لا ينبغي أن تعني إعادة بناء البيوت والطرق والجسور فقط.
علينا أن نعيد بناء معنى الوطن في الإنسان السوداني.
أن ننتقل من وطن نثبته بالأوراق، إلى وطن نشعر به في الوجدان.
من جواز سفر يحمل اسم السودان…
إلى قلب يحمل السودان.
فالأوراق قد تثبت أنك سوداني، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع فيك حب السودان.
وربما يكون هذا هو الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نتعلمه من كل ما مررنا به:
أن الدولة يمكن أن تعيد إصدار الوثائق، وأنها تستطيع أن تعيد بناء المؤسسات، وأنها تستطيع أن ترسم الحدود وتكتب القوانين…
لكنها لن تستطيع أن تبني وطنًا مستقرًا ما لم تبنِ أولًا الإنسان الذي يؤمن بهذا الوطن.
ولهذا، فإن أي حوار سوداني قادم يجب ألا يبدأ وينتهي بسؤال:
من يحكم السودان؟
بل يجب أن يذهب إلى السؤال الأعمق:
أي سوداني نريد أن نبني؟ وأي وطن نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟
فربما تكون معركتنا الحقيقية بعد كل هذه السنوات ليست فقط في إعادة بناء الدولة، وإنما في إعادة بناء الإنسان الذي يشعر أن الدولة والوطن جزء من وجوده ومسؤوليته.
وعندما يصبح هذا المحور حاضرًا في الدستور، وفي التعليم، وفي الخطاب السياسي، وفي الحياة اليومية، ربما نبدأ أخيرًا في الانتقال من:
وطنٍ نحمله في الأوراق…
إلى:
وطنٍ يسكن الوجدان.
سلسلة خربشات وطن



