خربشات وطن (2)

بقلم: م/ عبدالله رابح (شارون )
السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦م
نركض لأن التوقف ليس خيارًا
بين هزائم الملاعب وغلاء الأسواق وضجيج السياسة… يواصل السودانيون الركض
في السودان، لم يعد الركض مجرد حركة للأقدام.
أصبح حالةً عامة.
أصبح لغةً يومية يتحدث بها الناس دون كلمات.
فالكل يركض.
الأم تركض خلف أسعار تتغير أسرع من قدرتها على الشراء.
الأب يركض خلف لقمة عيش أصبحت أثقل من أن يحملها راتب.
الطالب يركض خلف حلمٍ تعثر بين الحرب والنزوح.
والمريض يركض بين الصيدليات بحثًا عن دواء قد يجده… وقد لا يجده.
إنه سباق بشري مفتوح، لا صافرة لبدايته ولا خط واضح لنهايته.
وفي هذا الأسبوع، بدا المشهد السوداني وكأنه يلخص نفسه بنفسه.
في الملاعب، تلقى منتخب السودان للسيدات هزائم قاسية تركت مرارة في نفوس المتابعين. لم تكن مجرد خسارة رياضية عابرة، بل صورة أخرى من صور التراجع الذي يطال مختلف جوانب الحياة. فالرياضة لا تنمو بعيدًا عن استقرار الدولة، ولا تزدهر في بيئة تتآكل فيها المؤسسات وتضيق فيها الفرص.
وفي الأسواق، كانت الهزيمة من نوع آخر.
أسعار ترتفع بلا هوادة.
عملة تفقد قيمتها.
وأسر تحاول كل يوم أن تتأقلم مع واقع يزداد قسوة.
هناك مواطن يدخل السوق بقائمة طويلة من الاحتياجات، ثم يخرج حاملًا نصفها فقط، بعد أن هزمته الأرقام قبل أن يهزمه التعب.
لكن المشهد لا يكتمل دون السياسة.
فبينما يركض المواطن خلف ضروريات الحياة، ما زالت الساحة السياسية تركض في اتجاه آخر. صراعات لا تنتهي، وتحالفات تتبدل، وخطابات تتكرر، فيما يظل السؤال الأكبر بلا إجابة:
من يركض نحو الوطن؟
لقد أصبح السوداني العادي يعيش في عالمين متوازيين؛ عالمٍ يتحدث عن السلطة والترتيبات السياسية، وعالمٍ آخر يتحدث عن الخبز والدواء والأمان.
وفي المسافة بين العالمين تتسع معاناة الناس.
ورغم كل ذلك، يواصل السودانيون الركض.
ليس لأن الطريق سهل.
وليس لأن الأفق واضح.
بل لأن التوقف يعني الاستسلام.
وهذه ليست من صفات هذا الشعب.
ففي كل مدينة أنهكتها الحرب، هناك من يعيد ترتيب الحياة.
وفي كل معسكر نزوح، هناك من يزرع الأمل وسط الألم.
وفي كل بيت ضاقت به الظروف، هناك من يتمسك بالغد كأنه وعد لا يجوز التخلي عنه.
لهذا، لا تكمن عظمة السودانيين في أنهم انتصروا على أزماتهم، بل في أنهم ما زالوا يقاومونها.
ما زالوا ينهضون كل صباح.
ما زالوا يحاولون.
ما زالوا يركضون.
وربما تكون المأساة الحقيقية أن شعبًا كاملًا تحول إلى عدّاء في سباق لم يختر المشاركة فيه.
لكن الأمل يبقى قائمًا.
لأن الشعوب التي تعرف كيف تصمد، تعرف أيضًا كيف تصل.
ويبقى السؤال معلقًا فوق سماء الوطن:
متى يتحول هذا الركض الطويل من محاولةٍ للنجاة… إلى رحلةٍ نحو المستقبل؟
سلسلة: خربشات وطن



