مقالات الرأي

خربشات وطن (3)


بقلم : م/ عبدالله رابح (شارون)
السبت ٢٠ يونيو ٢٠٢٦م
وطن ينجو بالناس لا بالساسة

في السودان، لم تعد المعجزة أن تستيقظ على خبر جيد، بل أن تستيقظ أصلًا وتجد أن الحياة ما زالت ممكنة.

في بلد أنهكته الحرب ومزقته الخلافات وأثقلته حسابات السياسة، ظل المواطن السوداني وحيدًا في مواجهة العاصفة. لم يكن يحمل سلاحًا ولا يملك سلطة، لكنه حمل ما هو أثقل: حمل أسرته، وذكرياته، وأحلامه الصغيرة التي كانت تتساقط كل يوم تحت ركام الأزمات.

حين اشتعلت الحرب، انهارت أشياء كثيرة. سقطت مؤسسات، وتعطلت خدمات، وامتلأت الطرق بقوافل النازحين واللاجئين. لكن شيئًا واحدًا ظل صامدًا رغم كل شيء: الإنسان السوداني.

ذلك الرجل الذي اقتسم آخر ما يملك مع جاره. وتلك المرأة التي حولت ألمها إلى قوة تحمي بها أبناءها. وذلك الشاب الذي حمل مبادرات الإغاثة على كتفيه حين غابت الدولة، وغاب الساسة، وغابت الوعود.

في المقابل، كانت السياسة تسير في اتجاه آخر. اجتماعات ومؤتمرات وتصريحات متناقضة وتحالفات تتشكل صباحًا وتتفكك مساءً. وكل طرف يعتقد أنه يملك الحقيقة الكاملة، بينما الحقيقة الوحيدة كانت تُكتب في معسكرات النزوح، وفي طوابير الخبز، وفي وجوه الأطفال الذين كبروا أسرع مما ينبغي.

المؤلم أن كثيرًا من الساسة ما زالوا يتحدثون عن الوطن كما لو أنه قطعة أرض أو مقعد حكم أو اتفاق سياسي. بينما الوطن الحقيقي كان دائمًا هؤلاء الناس البسطاء الذين يدفعون فاتورة كل صراع ولا يجلسون إلى أي طاولة تفاوض.

هم الذين حافظوا على ما تبقى من السودان حين تراجعت الدولة. وهم الذين أعادوا فتح المدارس في بعض المناطق بجهودهم الذاتية. وهم الذين جمعوا التبرعات للمرضى والجوعى والنازحين. وهم الذين أثبتوا أن الأوطان لا تعيش بالحكومات وحدها، بل تعيش بأهلها أولًا.

لقد علمتنا هذه الحرب درسًا قاسيًا، لكنه واضح: يمكن أن تفشل النخب، ويمكن أن تتعثر الأحزاب، ويمكن أن تتصارع الجيوش، لكن الشعوب هي التي تمنح الأوطان فرصة جديدة للحياة.

لهذا، فإن مستقبل السودان لن يصنعه أولئك الذين يتنافسون على السلطة بقدر ما سيصنعه أولئك الذين يتمسكون بالحياة رغم كل شيء. أولئك الذين يزرعون الأرض وسط الخوف، ويعلمون أبناءهم وسط الفوضى، ويحلمون بوطن أفضل رغم كل الخيبات.

السودان اليوم لا ينجو بالساسة، بل ينجو بالناس.

وإذا كان لهذا الوطن أن ينهض من جديد، فلن يكون ذلك ببلاغة الخطب ولا بكثرة الاتفاقات، بل بإرادة شعب أثبت، مرة بعد أخرى، أنه أكبر من الحرب، وأبقى من الحكومات، وأصدق من كل الشعارات.

ولذلك، كلما ضاق الأفق، يبقى الأمل معقودًا على الناس… لأن الأوطان قد تخذلها السياسة، لكنها لا تموت ما دام فيها من يؤمن بها.

~سلسله خربشات وطن~

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x