خربشات وطن (4)

بقلم : م/عبدالله رابح (شارون )
السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦م
الوطن الذي ينتظر أبناءه
في مساءٍ عادي من أمسيات السودان الثقيلة، يجلس رجل أمام منزله المهدّم جزئيًا. ينظر إلى الطريق الخالي، ثم يهمس لجاره: “تفتكر البلد دي ح ترجع زي زمان؟”
سؤال بسيط، لكنه يلخص حكاية وطن كامل.
منذ سنوات، والسودانيون يعيشون بين أمل يتجدد وخيبة لا تلبث أن تعود. تتغير الوجوه في المشهد السياسي، تتبدل الشعارات، وتُعقد الاجتماعات والمؤتمرات، لكن المواطن البسيط ما زال ينتظر الشيء نفسه: وطنًا يشعر فيه بالأمان.
الحرب لم تسرق البيوت فقط، بل سرقت شيئًا أعمق. سرقت الإحساس بالاستقرار. أصبح الناس يقيسون أيامهم بالأخبار العاجلة، ويتابعون الخرائط أكثر مما يتابعون أحلامهم. صار السؤال اليومي ليس: ماذا سأحقق غدًا؟ بل: هل سيكون الغد أكثر أمانًا من اليوم؟
ومع ذلك، يدهشك السودانيون دائمًا.
في معسكر نزوح يقتسم الناس ما تبقى من الطعام. وفي مدينة أنهكتها الحرب، يفتح شاب دكانه الصغير كل صباح وكأنه يعلن انتصارًا شخصيًا على اليأس. وفي بلاد اللجوء، يحمل الآباء حنينهم إلى الوطن كما يحملون وثائق سفرهم، خوفًا من أن يضيع أحدهما.
المفارقة المؤلمة أن الوطن، في كثير من الأحيان، يبدو أكثر حضورًا في قلوب الناس منه في حسابات السياسيين. فبينما يتجادل الساسة حول السلطة، ينشغل المواطن بمحاولة إنقاذ ما تبقى من حياته. وبينما تتصارع المشاريع السياسية، يتشبث الناس بمشروع واحد فقط: أن يعود السودان بلدًا طبيعيًا.
لقد علمتنا السنوات الأخيرة أن الأوطان لا تضيع دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا عندما يتقدم أصحاب المصالح إلى الصفوف الأمامية ويتراجع أصحاب الأحلام إلى الخلف. وعندما يصبح الصراع على الكرسي أهم من الإنسان، يدفع الوطن كله الثمن.
لكن السودان، رغم جراحه، ما زال يملك فرصة للنجاة. ليس لأن النخب السياسية أصبحت أكثر حكمة، بل لأن هذا الشعب لم يفقد إيمانه بالحياة. فما زال هناك من يزرع رغم الحرب، ومن يدرّس رغم النزوح، ومن يحلم رغم الخوف.
السودان اليوم يشبه أبًا عجوزًا أنهكته الخلافات بين أبنائه. لا يريد منهم الكثير؛ فقط أن يتوقفوا عن تمزيقه، وأن يتذكروا أنه بيتهم جميعًا.
ويبقى السؤال الذي يتردد في صدور الملايين دون أن يجد إجابة:
كم من الوقت يحتاج الوطن لينجو من أعدائه؟ وكم من الوقت يحتاج لينجو من أبنائه؟
الوطن الذي ينتظر أبناءه
سلسله خربشات وطن



