خربشات وطن (5)

بقلم: م/ عبدالله رابح (شارون)
السبت ٤ يوليو ٢٠٢٦م
حين يصبح صوت الحرب أعلى من صوت الوطن
هناك شيء مخيف يحدث في السودان… ليس صوت الرصاص، فقد اعتدناه حتى صار جزءًا من نشرات الأخبار، بل ذلك الاعتياد نفسه. أن يصبح الموت رقمًا، والنزوح خبرًا عابرًا، والخراب مشهدًا لا يثير الدهشة.
الأخطر من الحرب، أن يتصالح الناس معها.
في كل صباح، يخرج علينا من يبشر بانتصار قريب، وكأن الوطن مباراة كرة قدم، لا بلدًا تتآكل أطرافه. يتحدثون عن الحسم العسكري بحماس، بينما لا يسمعون بكاء أم فقدت ابنها، ولا يرون طفلًا يبحث عن مدرسة في خيمة، ولا شيخًا يقف في صف طويل من أجل رغيف خبز.
الحرب لا تُنتج أبطالًا فقط… بل تُنتج أيضًا تجارًا. تجارًا للخوف، وللكراهية، وللوطنية الرخيصة. كلما طال أمد المعركة، اتسعت تجارتهم، وضاقت حياة الناس.
ولنكن صريحين…
ما يعيشه السودان اليوم لم يولد من فراغ. سنوات طويلة من حكم الحركة الإسلامية صنعت دولةً ضعفت فيها المؤسسات، وتقدمت الولاءات على الكفاءة، وأصبح حمل السلاح أقرب طريق إلى النفوذ. وحين قررت السلطة أن تستعين بالمليشيات لحماية نفسها، كانت تزرع بذور الكارثة التي نحصدها اليوم.
خرج الجنجويد من تلك التربة، ثم كبروا حتى أصبحوا قوةً لا يستطيع أحد تجاهلها. وحين يُربى الوحش داخل البيت، فمن السذاجة أن نتوقع أنه سيعرف حدوده.
ولا يحتاج السودانيون إلى كثير من الخيال ليروا ما قد ينتظر المدن التي ما زالت بعيدة عن ألسنة اللهب. فالمشهد الذي عاشته الفاشر ليس مجرد مأساة تخص مدينة بعينها، بل إنذار قاسٍ لكل السودان. وإذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها، وتعثر أي مسار حقيقي لوقفها، فإن الخشية تظل قائمة من أن تواجه مدن أخرى، وفي مقدمتها الأبيض، ظروفًا إنسانية مشابهة من حصار ونزوح وانهيار للخدمات. فالحرب عندما تتمدد، لا تستأذن أحدًا، ولا تفرق بين مدينة وأخرى، بل تترك الخراب حيثما حلت.
لهذا فإن حماية الأبيض لا تبدأ بحشد المزيد من البنادق، وإنما بمنع الحرب من الوصول إليها أصلًا. فالمدينة التي تنجو اليوم، قد تصبح غدًا عنوانًا جديدًا للمأساة إذا ظل الجميع يراهن على السلاح وحده.
الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن السودان لن يخرج من هذه النار إذا ظل كل طرف يبحث عن نصره الخاص. لا يوجد منتصر في وطن يحترق، والمنتصر الوحيد هو الخراب.
والمؤلم أن بعض أكثر الأصوات تشجيعًا لاستمرار الحرب تأتي من أماكن بعيدة عن ساحاتها. يكتبون بحماس، ويهتفون للمعارك، لكنهم لا يحملون نعشًا، ولا يدفنون شهيدًا، ولا يقضون ليلهم في مراكز الإيواء.
الوطن لا يحتاج إلى مزيد من المشجعين للحرب، بل إلى رجال ونساء يمتلكون شجاعة الاعتراف بأن استمرارها لن يصنع إلا وطنًا أقل، وشعبًا أكثر وجعًا.
سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الحرب، كما انتهت كل الحروب قبلها. لكن السؤال الحقيقي ليس: من الذي انتصر؟
السؤال هو: ماذا سيبقى من السودان عندما يصمت الرصاص؟
هل سنجد وطنًا يجمع أبناءه، أم خرائط ممزقة وذكريات ثقيلة وأجيالًا تربت على الكراهية؟
السودان لا يحتاج إلى بطل يحمل بندقية، بقدر ما يحتاج إلى عاقل يحمل مشروعًا، وإلى سياسي يتواضع أمام دماء الناس، وإلى مواطن يرفض أن يجعل الكراهية جزءًا من هويته.
فالأوطان لا تنهار حين تشتعل فيها الحروب فقط… بل تنهار عندما يفقد أهلها الإيمان بأن السلام يستحق المحاولة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطاردنا جميعًا ليس: كيف نربح الحرب؟
بل: كيف لا نخسر الوطن؟
سلسلة خربشات وطن



