خربشات وطن (6)

ضياع وطن بين امتحانات نيالا وبورتسودان
السبت ١١يوليو ٢٠٢٦م
بقلم: م/ عبدالله رابح (شارون)
rabehsharon190@gmail.com
انتهى موسم الامتحانات، وبدأ موسم الانتظار.
في كل بيت سوداني، هناك طالب يترقب النتيجة، وأم لا يفارق الدعاء لسانها، وأب يحاول أن يخفي قلقه بابتسامة باهتة. هكذا اعتدنا كل عام. لكن هذا العام، لم يعد القلق متعلقًا بالدرجات وحدها، بل بمستقبل وطنٍ بأكمله.
لأول مرة، يجد السودانيون أنفسهم يتابعون نتائج امتحانات ارتبطت بأسماء المدن أكثر من ارتباطها باسم السودان. امتحانات نيالا… وامتحانات بورتسودان. مجرد سماع الاسمين في هذا السياق يكفي ليكشف حجم ما وصلت إليه بلادنا.
المؤلم أن الطلاب أدوا ما عليهم. سهروا، وذاكروا، وتحملوا ظروفًا لم يعرفها جيل قبلهم. بعضهم راجع دروسه على ضوء مصباح يعمل لساعات قليلة، وبعضهم درس في مراكز إيواء، وآخرون حملوا كتبهم بين رحلة نزوح وأخرى. ثم دخلوا قاعات الامتحان وهم يحلمون بشيء بسيط… أن يكون لهم غدٌ أفضل.
لكن بعد انتهاء الامتحانات، بقي السؤال معلقًا: هل سينجح الوطن في إنصاف هؤلاء الأبناء؟
الحرب لم تكتفِ بهدم البيوت وتشريد الأسر، بل امتدت إلى المدرسة، آخر ما كان يجمع السودانيين. فالمدرسة لم تكن يومًا مجرد فصول وسبورات، بل كانت المكان الذي يلتقي فيه أبناء الوطن دون أن يسأل أحدهم الآخر عن جهته أو انتمائه.
اليوم، أصبح التعليم نفسه يعيش حالة انقسام، وكأن الحرب أصرت ألا تترك شيئًا إلا وأصابه شرخها.
وسط هذا المشهد، أفكر في آلاف الأسر التي وضعت كل ما تملك في تعليم أبنائها. هؤلاء لا تعنيهم بيانات السياسة، ولا خطابات الانتصار. كل ما يريدونه أن يروا أبناءهم يعبرون إلى مستقبل أكثر استقرارًا، وأن يشعروا أن سنوات التعب لم تذهب هباءً.
القضية ليست إعلان النتائج خلال الأيام المقبلة، وإنما النتيجة التي سيحكم بها التاريخ علينا جميعًا. ماذا سنقول لهذا الجيل عندما يسألنا: كيف وصل السودان إلى مرحلة يختلف فيها الناس حتى على الامتحانات؟
الطلاب انتهوا من امتحاناتهم، وأجابوا عن كل الأسئلة التي وُضعت أمامهم.
أما نحن، فما زلنا نعجز عن الإجابة عن سؤال واحد: كيف ضاع وطن كان التعليم فيه رمزًا للوحدة، فإذا به يصبح شاهدًا على الانقسام؟
ستُعلن النتائج قريبًا، وسيفرح الناجحون، وسيبدأ آخرون المحاولة من جديد. لكن النتيجة التي ينبغي أن تقلقنا جميعًا هي أن يعتاد السودانيون هذا الواقع، وأن يكبر أطفالنا وهم يظنون أن الانقسام أمر طبيعي.
فالطلاب خرجوا من قاعات الامتحان… أما الوطن، فما زال يجلس في قاعة الامتحان، ينتظر من يكتب له الإجابة الصحيحة.
خربشات وطن… لأن الأوطان لا تضيع حين تختلف البنادق، بل حين يختلف الناس على مستقبل أبنائهم.



