مقالات الرأي

خربشات وطن – (7)

قراءة تحليلية حول الحوار السوداني – السوداني المقدم من حركة تحرير السودان
السبت ١٨يوليو ٢٠٢٦م


بقلم: م/ عبدالله رابح (شارون)

rabehsharon190@gmail.com


هل من مخرج

منذ اندلاع الحرب، أصبح واضحًا أن السودان لن يخرج من أزمته عبر الحسم العسكري وحده. فكل يوم يمر يضاعف الخسائر الإنسانية، ويعمّق الانقسام السياسي، ويؤكد أن طاولة الحوار ستظل حاضرة في نهاية المطاف، مهما طال أمد الصراع.

وفي هذا الإطار، يبرز المقترح الذي تقدمت به حركة تحرير السودان بشأن الحوار السوداني–السوداني بوصفه مبادرة سياسية تستحق القراءة والنقاش بعيدًا عن الاصطفافات المسبقة. فالقيمة الحقيقية لأي مبادرة لا تكمن في الجهة التي تطرحها، وإنما في قدرتها على تقديم رؤية واقعية تفتح بابًا للخروج من الأزمة.

ويبقى السؤال الأهم: هل من مخرج؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية، وتقدمت مصلحة الوطن على الحسابات الضيقة. فالحروب تنتهي، لكن آثارها تبقى لعقود إذا غابت المعالجات الجادة.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في المبادرة أنها تنطلق من فكرة أن الحل يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، يقوم على الحوار بين مختلف المكونات الوطنية، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. وهذه رؤية تجد قبولًا لدى كثير من السودانيين، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في كيفية جمع الأطراف المتصارعة على طاولة واحدة، في ظل انعدام الثقة واستمرار العمليات العسكرية.

كما أن نجاح المبادرة لن يعتمد على حسن صياغتها فقط، بل على قدرتها على الإجابة عن الأسئلة الجوهرية: كيف يمكن وقف الحرب؟ ومن يشارك في الحوار؟ وما الضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟ وكيف تُحفظ حقوق الضحايا، ويُحقق العدل، وتُمنع العودة إلى دوامة الصراع؟

إن أي حوار وطني لن يحقق أهدافه إذا اقتصر على القوى السياسية والعسكرية وحدها. فالسودان يحتاج إلى حوار يشارك فيه النازحون واللاجئون، والإدارات الأهلية، والنساء، والشباب، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، لأن هؤلاء هم الأكثر تأثرًا بالحرب، ومن دونهم لن يكون السلام شاملًا.

كما أن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتقاسم السلطة أو إعادة إنتاج الأزمة، بل يجب أن يكون مدخلًا للاتفاق على أسس الدولة السودانية: المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والتنمية المتوازنة، واحترام التنوع، وبناء مؤسسات وطنية مهنية تخدم جميع السودانيين.

ويبقى بناء الثقة هو التحدي الأكبر. فقد تركت سنوات الحرب جراحًا عميقة، ولن تُرممها البيانات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى خطوات عملية، مثل حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق إجراءات لبناء الثقة تمهد لحوار جاد ومنتج.

إن مبادرة الحوار، مهما كان مصدرها، لن تنجح ما لم تجد قبولًا واسعًا، وضمانات حقيقية، واستعدادًا من الجميع لتقديم تنازلات من أجل الوطن، لا من أجل الانتصار على الخصوم.

خربشة أخيرة

لا يحتاج السودان اليوم إلى منتصرٍ جديد، بل إلى وطنٍ يتسع للجميع. وإذا كانت مبادرة الحوار قادرة على أن تفتح هذا الباب، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بصدق النوايا، وشجاعة الاعتراف بالأخطاء، ووضع مصلحة الإنسان السوداني فوق كل الحسابات السياسية والعسكرية.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x