خريطة القوة الفاعلة في السودان : قراءة في موازين النفوذ

بقلم : زيدان تور
في السودان، لا تُدار السلطة من خلف جدران المؤسسات الرسمية وحدها، بل تتشكل في فضاء أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه القوة العسكرية، والنفوذ الاقتصادي، والشرعية الاجتماعية، والتأثير الإقليمي والدولي.
ومن يقرأ المشهد السوداني بعين السياسة لا بعين الأحداث اليومية، يدرك أن الصراع الدائر ليس مجرد تنافس على الحكم، بل هو صراع على تعريف الدولة نفسها : من يحكمها؟ وكيف تُحكم؟ ولصالح من؟
لقد أفرزت السنوات الأخيرة واقعًا جديدًا، انهارت فيه كثير من المسلمات، وتبدلت فيه مراكز النفوذ بصورة متسارعة .
فإن الجيش السوداني أن تاريخه حافل بانتهاكات وإخفاقات أثرت سلبًا على الشعب بمختلف الممارسات ، ويتهمونه بالاستمرار في ممارسات قمعية وبالارتباط بالحركة الإسلامية وكتائبها، وهو ما يعد من ضمن ، أحد أسباب التي مرت بطول السنوات باستمرار الأزمة في البلاد.
غير أن هذه القوة لم تعد مطلقة كما كانت في مراحل سابقة، إذ واجهت تحديات غير مسبوقة أعادت رسم حدود نفوذها.
وفي المقابل، برزت قوى مسلحة أخرى استطاعت أن تتحول من أدوار هامشية إلى لاعبين رئيسيين في المعادلة، مستفيدة من تحولات المشهد الأمني والسياسي، ومن امتلاكها موارد بشرية ومالية، وعلاقات خارجية عززت قدرتها على التأثير.
وهذا التحول كشف هشاشة الدولة عندما تتعدد مراكز احتكار القوة.
أما القوى المدنية، فرغم امتلاكها شرعية جماهيرية في محطات مفصلية، فإنها ظلت تعاني من الانقسام، وضعف البناء المؤسسي، وتباين الرؤى حول إدارة المرحلة الانتقالية. وهو ما جعل تأثيرها في موازين القوة أقل مما تمنحه لها شعاراتها أو حضورها الشعبي.
ولا يمكن فهم السودان بمعزل عن الاقتصاد. فالثروة، سواء كانت في الذهب أو الزراعة أو الموانئ أو الموارد الطبيعية، أصبحت عنصرًا حاسمًا في تشكيل النفوذ. فالجهة التي تتحكم في الموارد، أو في طرق تمويلها، تكتسب قدرة أكبر على فرض إرادتها السياسية، بغض النظر عن موقعها الرسمي داخل مؤسسات الدولة.
ويظل البعد القبلي والاجتماعي حاضرًا بقوة، إذ لم تفقد البنى التقليدية تأثيرها رغم التحولات الحديثة. فالولاءات المحلية، والإدارات الأهلية، والروابط المجتمعية، لا تزال تلعب دورًا مؤثرًا في صناعة القرار، خصوصًا في الأقاليم البعيدة عن المركز، حيث تتداخل السلطة الرسمية مع السلطة الاجتماعية.
فالقوة الفاعلون الإقليميون والدوليون، فهم جزء لا يتجزأ من معادلة النفوذ. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وموارده وارتباطه بمحيطه العربي والأفريقي، ظل ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية.
ولذلك فإن كثيرًا من التحولات الداخلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الحسابات الخارجية، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو الدبلوماسي.
ورغم هذا التشابك، فإن أخطر ما يواجه السودان ليس تعدد القوى، بل غياب المشروع الوطني الجامع. فعندما تتقدم المصالح الفئوية على فكرة الدولة، يتحول الصراع إلى منافسة مفتوحة على النفوذ، بينما تتراجع مؤسسات الحكم، وتتآكل ثقة المواطنين، وتصبح الدولة نفسها ساحةً للتجاذب بدل أن تكون إطارًا جامعًا للجميع.
إن مستقبل السودان لن يُحسم فقط بمن يمتلك السلاح أو الموارد، بل بمن يستطيع بناء عقد سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين القوة والشرعية. فالتاريخ يثبت أن النفوذ القائم على القوة وحدها قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا، وأن الدول لا تنهض إلا عندما تصبح مؤسساتها أقوى من الأشخاص، ومصالحها الوطنية أوسع من حسابات اللحظة.
وفي نهاية المطاف، تبقى خريطة القوة في السودان خريطة متحركة، تتغير بتغير الوقائع السياسية والعسكرية والاقتصادية. ومن يظن أن موازين النفوذ ثابتة، يقرأ الماضي أكثر مما يقرأ المستقبل.



