مقالات الرأي

دكتور/ جو قرنق،، ترنيمة الأرض السمراء

بقلم: يوسف الغوث

لم يكن عابرا في تاريخ الطين والأسمال بل كان نبضاً تسرّب من جوف وانقلي ليعيد صياغة وعي الأرض التي أرهقها الشتات….
دكتور جون قرنق دي مابيور فكرة لم تسقط مع سقوط مروحيته في الغمام بل بذرة تفتقت في وجدان كل من حلم بيومٍ يلتقي فيه شمال الوادي بجنوبه تحت مظلة الحرية والمواطنة بلا تمييز،، فهو ذاك الفارس الذي خاض غمار الحرب لا حباً في هدير المدافع بل عزفا على أوتار السلام ليحيل حشرجات الرصاص إلى ترنيمة واحدة للسودان الجديد،،،حيث النيل يجري للجميع وحيث السمادير والمظالم لا تفرق بين لون أو لسان….
ولد هذا القائد الملهم عام 1945 في بيئة اتسمت بالبساطة والارتباط الوثيق بالأرض وتميز بجمع فريد بين الحنكة العسكرية والتأهيل الأكاديمي الرفيع،، إذ نال درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما جعله ينظر إلى أزمات بلاده بعين المفكر التنموي لا بعين القائد السياسي التقليدي،،،حيث أدرك مبكراً أن مشكلة السودان الأساسية لا تكمن في قلة الموارد بل في سوء إدارة التنوع وغياب العدالة التنموية بين الأقاليم والمركز…
لم يكن يوماً داعية لانفصال أو تمزق بل تجلت مبدئيته في تمسكه بوحدة الأرض القائمة على أسس جديدة،،فقد نادى بهوية سودانية تجمع الكل وتذوب فيها الفوارق العرقية والدينية بحيث يكون معيار الانتماء والامتياز الوحيد هو المواطنة…
ركز نضاله على رفع الظلم عن الأطراف والمناطق الحزامية التي عانت التهميش التنموي والثقافي لعقود طويلة وآمن بأن السلام ليس مجرد غياب للحرب بل هو تحقيق العدالة الاجتماعية والاعتراف بالآخر حيث توجت مسيرته النضالية بتوقيع اتفاقية السلام الشامل( نيفاشا) عام 2005 والتي عاد بموجبها إلى الخرطوم وسط استقبال شعبي وتاريخي مهيب غصت به الساحات,, ليصبح نائباً أول لرئيس الجمهورية…
ولكن لم تمهل الأقدار هذا المشروع ليرى النور كاملا ففي الثلاثين من يوليو 2005 رحل دكتور/ جون إثر تحطم الطائرة المروحية التي كانت تقله في رحلة عودته من أوغندا ,,ليرحل بجسده ويبقى فكره منارة وإرثا حيا تلجأ إليه الشعوب الباحثة عن الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية….
إن دكتور جون قرنق لم يكن مجرد قائد لحركة مسلحة بل كان مهندس رؤية فكرية تجاوزت حدود الزمان والمكان ورغم رحيله المبكر قبل أن يرى غراس يده تثمر كاملاً إلا أن إرثه المتمثل في البحث عن العدالة والمواطنة المتساوية يظل حيا كالنيل لا يموت ودليلا تهتدي به الشعوب الباحثة عن فجر الحرية والانعتاق من قيود التهميش والشتات……

مقالات ذات صلة

2 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x