مقالات الرأي

ديدييه دروجبا: ساحر الملعب الذي حوّل كرة القدم إلى صناعة سلام في ساحل العاج


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور )


في عالم كرة القدم حيث يُقاس النجاح بالأهداف والألقاب، ظهر ديدييه دروجبا، نجم تشيلسي والإيفواري الأسطوري، ليس فقط كأحد أفضل المهاجمين في جيله، ولكن كرمز للسلام والوحدة الوطنية في بلاده ساحل العاج. خلال فترة حرجة من الحرب الأهلية التي مزقت البلاد بين عامي 2002 و2011، استطاع دروجبا تحويل كرة القدم من مجرد رياضة إلى أداة فعالة لصناعة السلام ومد جسور المصالحة بين أطراف النزاع. ففي وقت كانت فيه الخطابات السياسية تعجز عن الجمع بين الأطراف المتصارعة، قدّمت كرة القدم لغة مشتركة يفهمها الجميع، ووجد دروجبا نفسه في وضع فريد كمحبوب جماهيري يستطيع توحيد مشاعر البلاد المتفرقة.
قبل الخوض في إنجازات دروجبا، من الضروري فهم السياق الذي عمل فيه. بعد وفاة الرئيس فيليكس هوفويت-بوانيي عام 1993، دخلت ساحل العاج في دوامة من الانقسامات العرقية والدينية والمناطقية، تطورت إلى حرب أهلية عام 2002 قسمت البلاد إلى شطرين: الشمال الذي تسكنه غالبية مسلمة، والجنوب ذو الأغلبية المسيحية والأنيمية. في هذا الجو المشحون، ارتفع نجم دروجبا كلاعب دولي بارز، فوجد نفسه في وضع فريد يمكنه من التأثير على مسار بلاده. كانت شعبيته تتجاوز كل الانقسامات، مما منحه قدرة نادرة على مخاطبة جميع أبناء الوطن دون شبهة تحيز أو انحياز.
تعد لحظة عام 2005 من أبرز المحطات في مسيرة دروجبا كصانع سلام، فعندما تأهل المنتخب الإيفواري إلى كأس العالم 2006 لأول مرة في تاريخه، وقف دروجبا وزملاؤه على ركبهم في غرفة الملابس أمام الكاميرات وناشدوا بلهجة مؤثرة: “نطلب منكم، على ركبنا، ناشدكم أن تضعوا أسلحتكم. نظموا انتخابات. سنسامحكم”. كان هذا المشهد قوياً لدرجة أنه انتشر كالنار في الهشام عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية، مقدماً رسالة سلام من لاعبين محبوبين يفوق تأثيرها العديد من الخطابات السياسية. ثم جاءت خطوته الجريئة عام 2007 عندما نجح بجهوده الشخصية في إقامة مباراة للمنتخب الوطني في مدينة بواكي، المعقل الرئيسي للمتمردين في الشمال، والتي كانت أول زيارة رسمية لوفد حكومي للمنطقة منذ سنوات. جمعت المباراة بين أبناء الوطن من جميع الأطراف تحت شعار “كرة القدم تجمعنا”، وأظهرت أن الانقسامات يمكن تجاوزها من خلال الروح الرياضية المشتركة. ولم يقتصر دور دروجبا على الداخل فحسب، بل استغل شعبيته العالمية كنجم في الدوري الإنجليزي الممتاز لنقل رسائل السلام خلال المقابلات الدولية، جالباً الانتباه العالمي إلى معاناة شعبه وداعياً إلى الحلول السلمية.
اعتمد دروجبا في تحقيقه للسلام على آليات عدة، فقام بتوحيد الرموز الوطنية من خلال جعل المنتخب الوطني رمزاً للهوية الإيفوارية الموحدة التي تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية. كان يرتدي قميص المنتخب بفخر ويظهر في الإعلام كإيفواري أولاً، مسلطاً الضوء على ما يوحد الشعب بدلاً مما يفرقه. كما عمل على بناء الجسور بين المجتمعات من خلال مؤسسته الخيرية “مؤسسة ديدييه دروجبا”، حيث أنشأ مشاريع تنموية في مختلف مناطق البلاد، وخاصة تلك الأكثر تأثراً بالصراع، مقدماً التعليم والرعاية الصحية كحقوق أساسية لجميع الإيفواريين بغض النظر عن انتماءاتهم. بالإضافة إلى ذلك، ساهم دروجبا في استضافة الفعاليات الرياضية الجامعة التي جمعت فرقاً من مختلف المناطق، مخلقاً مساحات آمنة للتفاعل الإيجابي بين المجتمعات المنقسمة. وكان لهذا النهج تأثير إيجابي ملموس حيث ساهمت حملة دروجبا في تهيئة المناخ للمفاوضات السياسية، وقدمت كرة القدم نموذجاً للتعايش والتعاون بين أبناء الوطن الواحد، وأعادت بناء صورة ساحل العاج الدولية كأمة تسعى للسلام. بالطبع واجه دروجبا تحديات وانتقادات من بعض الأطراف السياسية التي رأت في تدخله تجاوزاً لدور الرياضي، كما كانت هناك حدود لقدرة الرياضة على حل مشاكل سياسية عميقة الجذور، واستمرت التوترات بعد جهوده، مما يذكرنا بأن السلام عملية معقدة تتطلب جهوداً متعددة الأوجه.
دروس ساحل العاج للسودان: هل يمكن للرياضة أن تصنع السلام في زمن الحرب؟
اليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أقسى فتراته التاريخية مع حرب أهلية طاحنة تزداد تعقيداً يومياً بعد أن تجاوزت العام من العنف الدامي، تبرز قصة دروجبا وساحل العاج كمرجعية ثرية تحتاج إلى تأمل عميق. فالسودان، بتركيبته الاجتماعية المعقدة وتنوعه الإثني والثقافي الهائل، يمر بأزمة مماثلة في جوانب كثيرة لتلك التي عاشتها ساحل العاج. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن للسودان أن يستفيد من هذه الدروس لصنع السلام الحقيقي؟ وهل تملك السودان ما يكفي من الفرص المفتوحة لتحقيق هذه المعادلة الصعبة؟
في الواقع، يتمتع السودان بفرص قد تكون أكبر من تلك التي كانت متاحة لساحل العاج في وقتها. فالسودان لديه تاريخ رياضي غني، ونجوم رياضيون محبوبون على المستوى المحلي والعالمي، ومنتخب كرة قدم تاريخي يحمل في ذاكرته الجماعية لحظات مجيدة وحاضرة مؤثرة. كما أن المجتمع السوداني، رغم كل ما يعانيه، ما زال يحتفظ بنسيج اجتماعي لم تتمزقه الحرب بالكامل، حيث تبقى هناك مساحات للتفاهم المشترك والذاكرة الوطنية الموحدة. وهنا تكمن الفرصة الأكبر: تحويل الرياضة، وخاصة كرة القدم، إلى منصة محايدة للحوار واللقاء بين أبناء الوطن الواحد.
لكن الطريق نحو استغلال هذه الفرص لن يكون مفروشاً بالورود. فالسودان يواجه تحديات أكبر بكثير من تلك التي واجهتها ساحل العاج، حيث تتشابك الصراعات الإقليمية والدولية مع الحرب الداخلية، وتتعدد الأطراف المتحاربة بشكل يجعل من الصعب تحديد نقاط الدخول للوساطة الرياضية. كما أن التغطية الإعلامية العالمية للأزمة السودانية أقل بكثير مما كانت عليه في حالة ساحل العاج، مما يعني أن أي رسالة سلام رياضية ستواجه صعوبة في الوصول للجمهور العالمي. بالإضافة إلى ذلك، فإن حالة الانقسام داخل المؤسسات الرياضية السودانية نفسها، بما فيها اتحاد الكرة، تعكس الانقسام الأوسع في البلاد وتجعل من الصعب توحيد الرسائل الرياضية.
ومع ذلك، تبقى هناك مسارات عملية يمكن للسودان سلكها. أولاً، يمكن للنجوم السودانيين في الداخل والخارج، في كرة القدم وغيرها من الرياضات، تشكيل تحالف سلام رياضي يتبنى رسالة موحدة تنادي بوقف إطلاق النار والإعادة للحوار الوطني، مستفيدين من شعبيتهم التي تتجاوز الانقسامات السياسية. ثانياً، يمكن تنظيم فعاليات رياضية رمزية في مناطق آمنة أو حتى خارج البلاد تجمع رياضيين من جميع أطراف النزاع، على غرار مباراة بواكي في ساحل العاج، لتكون نواة للثقة المفقودة. ثالثاً، يمكن للمؤسسات الرياضية والنجوم الرياضيين استغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر رسائل السلام والتسامح، وإنشاء حملات إعلامية موجهة للشباب الذين يشكلون غالبية المجتمع السوداني والأكثر تضرراً من الحرب. رابعاً، يمكن تحويل الملاعب الرياضية إلى مراكز إغاثة إنسانية ومساحات آمنة للتعبير الثقافي والفني الذي يعيد ربط السودانيين بتراثهم المشترك وهويتهم الوطنية التي تتسع للجميع.
ختاماً، لم يكن دروجبا مجرد هداف ممتاز أو بطل أفريقي استثنائي، بل كان دبلوماسياً غير تقليدي استثمر شعبيته وحنكته لخدمة قضية السلام في بلاده. بينما كانت كرة القدم في أماكن أخرى من العالم تُستخدم أحياناً كساحة للتنافس السلبي، نجح دروجبا في تحويلها في ساحل العاج إلى منصة للمصالحة الوطنية. إرث دروجبا يذكرنا بأن الرياضة، عندما تُستخدم بحكمة ونوايا صادقة، يمكن أن تكون لغة عالمية تفهمها جميع الشعوب، وجسراً يعبر فوق هوة الصراعات، ووسيلة لإعادة تعريف الهوية الوطنية بما يتسع للجميع. في وقت تكثر فيه الانقسامات عالمياً، تبقى قصة دروجبا في ساحل العاج نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل الشغب الرياضي إلى طاقة بناءة لصنع السلام.
بالنسبة للسودان، فإن الدرس الأهم من قصة دروجبا هو أن الرياضة وحدها لا تصنع السلام، لكنها يمكن أن تصنع المناخ الملائم للسلام. إن استغلال الفرص الرياضية المفتوحة يحتاج إلى إرادة سياسية من الأطراف المتحاربة، وشجاعة من النخب الرياضية، ودعم من المجتمع الدولي. لكن الأهم من ذلك كله، يحتاج إلى إيمان بقدرة الشعب السوداني على تجاوز محنته، وإلى اقتناع بأن الهوية السودانية أقوى من كل عوامل التفتيت، وأن اللحظة الرياضية المشتركة قد تكون الباب الذي ندخل منه جميعاً إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. السودان أمام فرصة تاريخية لكتابة فصل جديد في علاقة الرياضة بالسلام، قد يكون أكثر تعقيداً من فصل دروجبا، لكنه قد يكون أيضاً أكثر إشراقاً وتأثيراً على الأجيال القادمة.

بتاريخ30ديسمبر 2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x