مقالات الرأي

رسالة من السودان إلى الأمم المتحدة: وقف الحرب أولًا، وحماية المدنيين وبناء السلام

كمال محجوب (أرسطو)

مع انطلاق أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تتجه أنظار العالم إلى هذا المنبر الدولي الذي يفترض أن يكون مساحة لبحث الأزمات التي تهدد الأمن والسلام وحياة الإنسان. وفي هذه اللحظة، يقف السودان أمام واحدة من أكثر مراحل تاريخه قسوة وتعقيدًا، منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وما خلفته من نزوح واسع، وتدهور إنساني واقتصادي، وتراجع حاد في قطاعات أساسية من الحياة العامة.

ومن السودان، ينبغي أن يصل إلى الأمم المتحدة صوت شعب أنهكته الحرب، وأصبحت آثارها تتجاوز ساحات القتال إلى البيوت والأسواق والمزارع والمدارس والمستشفيات ومناطق النزوح. فالحرب لا تُقاس فقط بعدد المعارك أو بمساحات السيطرة العسكرية، وإنما بما تتركه خلفها من إنسان فقد منزله، وأسرة فقدت مصدر رزقها، وطفل حُرم من التعليم، ومريض لم يجد الدواء، ومزارع عجز عن الوصول إلى أرضه، ونازح اضطر إلى ترك موطنه بحثًا عن مكان أكثر أمنًا.

وهنا تبرز حقيقة ينبغي ألا تضيع وسط الحسابات العسكرية والسياسية: إن السودان لن يخرج من أزمته بمجرد تغيير خطوط السيطرة على الأرض، لأن الأزمة السودانية أعمق من مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين؛ إنها أزمة دولة، وأزمة حكم، وأزمة ثقة، وتراكم طويل من الاختلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في إنتاج الصراع واستمرار آثاره الكارثية على المواطن السوداني.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه أمام المجتمع الدولي ليس: من يستطيع تحقيق انتصار عسكري؟ وإنما: كيف يمكن إيقاف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام سلام سوداني مستدام، ثم بناء دولة تستوعب جميع مواطنيها على أساس المواطنة المتساوية والحقوق والواجبات؟

إن وقف الحرب ليس شعارًا عاطفيًا ولا موقفًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة إنسانية ووطنية. وكل يوم إضافي تستمر فيه العمليات العسكرية يعني مزيدًا من المعاناة والنزوح وتدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية، ويجعل العودة إلى حياة طبيعية أكثر صعوبة. وفي بلد مثل السودان، حيث ترتبط حياة ملايين الأسر بالزراعة والرعي والأسواق المحلية، فإن استمرار الحرب يعني أيضًا تعطيل الإنتاج وإضعاف قدرة المجتمعات على الاعتماد على نفسها.

ومن هنا، فإن المجتمع الدولي مطالب بأن ينظر إلى الأزمة السودانية من زاوية الإنسان قبل الحسابات السياسية، وأن يجعل حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق أولوية لا تحتمل التأجيل. فالمساعدات الإنسانية ليست بديلًا عن السلام، لكنها ضرورة لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة إلى أن يصل السودانيون إلى حل سياسي يضع حدًا للحرب ويعالج جذور الأزمة.

وفي هذا السياق، يبرز موقف حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد محمد أحمد النور، كما أعلنته الحركة في بيانات وتصريحات منشورة على منصاتها، وهو موقف يقوم، وفق ما أعلنته الحركة، على عدم الانحياز إلى طرفي الحرب والدعوة إلى وقفها واللجوء إلى الحلول السلمية. كما طرحت الحركة رؤيتها بشأن التحول المدني الديمقراطي ومعالجة جذور الأزمة السودانية، إلى جانب الدعوة إلى توسيع العمل المدني المناهض للحرب والداعي إلى السلام.

إن عدم الانحياز إلى طرفي الحرب لا يعني الحياد تجاه معاناة المدنيين. فالموقف من أطراف القتال شيء، والموقف من معاناة الشعب السوداني شيء آخر. فالمدني الذي فقد منزله، والطفل الذي حُرم من التعليم، والمرأة التي تحملت أعباء النزوح، والمريض الذي يبحث عن الدواء، والمزارع الذي فقد موسمه، جميعهم ضحايا لمعاناة لا ينبغي أن تصبح رهينة للاستقطاب السياسي والعسكري.

ومن هذه الزاوية، يجب ألا يُختزل السودان في طرفي الحرب وحدهما، لأن الشعب السوداني أوسع من المؤسسات العسكرية والجماعات المسلحة والنخب السياسية. السودان هو المواطن في دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم والنيل الأزرق والشرق والشمال والوسط، وهو المرأة والشاب والطفل والمزارع والعامل والمهني والنازح واللاجئ، وهو المجتمعات المحلية التي تحملت أعباء الحروب المتكررة لعقود.

إن أي سلام لا يضع هؤلاء في مركز العملية السياسية سيظل معرضًا للهشاشة، لأن السلام الحقيقي لا يُصنع فقط في غرف التفاوض المغلقة، وإنما يبدأ بالاعتراف بجذور الأزمة، والاستماع إلى المجتمعات التي دفعت ثمن الحروب، ومعالجة قضايا التهميش وعدم المساواة وتوزيع السلطة والثروة والعدالة وسيادة القانون وشكل الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم.

لقد أثبت التاريخ السوداني أن تأجيل جذور الأزمة لا يلغيها، وإنما يؤجل انفجارها. ولذلك فإن وقف الحرب الحالية ينبغي أن يكون بداية لمسار سوداني أوسع يعالج أسباب الصراع، بدل الاكتفاء بتسويات مؤقتة بين النخب أو اتفاقات لا تمس جذور المشكلات التي أنتجت الحروب.

وهنا يأتي دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. فالمطلوب ليس أن تختار الأمم المتحدة للسودانيين من يحكمهم، ولا أن تفرض عليهم مستقبلهم السياسي، وإنما أن تساعد في توفير البيئة التي يستطيع فيها السودانيون أنفسهم الوصول إلى حل عادل وسلمي. ويشمل ذلك الدفع نحو وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم مسار سياسي مدني ذي مصداقية، ومساندة آليات العدالة والمساءلة.

كما أن تعدد المبادرات الدولية والإقليمية لا ينبغي أن يتحول إلى سبب إضافي لإطالة الأزمة. فالسودان يحتاج إلى تنسيق حقيقي بين جهود الوساطة، وإلى عملية واضحة ومتماسكة تضع إنهاء الحرب في مقدمة أولوياتها، بدل أن تتنافس المنابر على رعاية المفاوضات بينما تستمر المعاناة على الأرض.

ولا يمكن الحديث عن السلام في السودان دون التطرق إلى التدخلات الخارجية. فالحرب السودانية ليست معزولة عن محيطها الإقليمي والدولي، وأي دعم عسكري أو مالي يسهم في إطالة أمد القتال يضيف عقبة جديدة أمام السلام. ولذلك فإن حماية السودان من التحول إلى ساحة صراع بالوكالة تتطلب موقفًا دوليًا أكثر وضوحًا تجاه مصادر التسليح والدعم، مع احترام سيادة السودان وحق شعبه في تقرير مستقبله.

وفي الوقت نفسه، لا تقع المسؤولية على الخارج وحده. فالسودانيون أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في تجاوز منطق الإقصاء والاصطفاف والبحث عن انتصار طرف على طرف. إن بناء الدولة السودانية الجديدة يتطلب الاعتراف بأن البلاد ملك لجميع مواطنيها، وأن التنوع ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى حرب، وأن المواطنة يجب أن تكون أساس الحقوق والواجبات.

ولا يمكن بناء سلام مستدام من دون عدالة. فالمصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا قد تؤجل الصراع بدل أن تنهيه، بينما يمكن لتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة وحماية الضحايا والشهود ودعم آليات العدالة والمساءلة أن يشكل جزءًا أساسيًا من بناء سلام مستدام. ولذلك يجب ألا تتحول الجرائم المرتكبة بحق المدنيين إلى صفحات منسية في تاريخ السودان.

إن الواقع الإنساني في دارفور ومناطق أخرى من السودان يوضح بصورة مؤلمة أن الحرب لا تقتل بالرصاص والقصف فقط. إنها تقتل أيضًا عندما يتوقف المزارع عن الزراعة، وعندما ترتفع أسعار الغذاء إلى مستويات تعجز الأسر عن تحملها، وعندما يغيب الدواء عن المركز الصحي، وتنقطع المياه، ويصبح الطريق إلى المدرسة أو المستشفى محفوفًا بالمخاطر، وتتحول حياة النازح إلى انتظار دائم للمساعدة.

ولهذا فإن معالجة الأزمة الإنسانية يجب ألا تقتصر على تقديم المساعدات الطارئة، بل ينبغي أن تمتد إلى دعم قدرة المجتمعات على الصمود والإنتاج. فالغذاء العاجل ضروري، لكن دعم الزراعة والبذور والمياه والخدمات الصحية والأسواق المحلية أكثر أهمية على المدى الطويل. والسودانيون لا يريدون أن يعيشوا إلى الأبد على المساعدات؛ إنهم يريدون أن يعيشوا في وطن آمن يستطيعون فيه العمل والإنتاج وبناء مستقبل أبنائهم.

وفي هذه اللحظة التي تجتمع فيها دول العالم في نيويورك، يجب أن يكون صوت السودان واضحًا: لا تجعلوا مأساة الشعب السوداني ملفًا موسميًا يظهر في المؤتمرات ثم يختفي بانتهاء الجلسات. السودان يحتاج إلى التزام مستمر، وقرارات قابلة للتنفيذ، وآليات متابعة، ودعم حقيقي لمسار السلام وحماية المدنيين.

إن استعادة ثقة السودانيين في المجتمع الدولي تبدأ عندما يرون أن حياة المدني السوداني لها القيمة نفسها التي تحظى بها حياة أي إنسان في العالم، وأن حماية المدنيين ليست شعارًا، وأن المساعدات الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة سياسية، وأن السلام ليس مجرد بيان دبلوماسي، وإنما عملية تحتاج إلى إرادة ومتابعة ومسؤولية.

ومن السودان إلى الأمم المتحدة، الرسالة واضحة: أوقفوا الحرب، احموا المدنيين، افتحوا المسارات الإنسانية، ادعموا السلام، واجعلوا السودانيين أصحاب الدور الأساسي في تحديد مستقبل بلادهم.

أما السودانيون، فعليهم أن يدركوا أن نهاية الحرب ليست نهاية القضية، بل بداية الطريق نحو دولة جديدة؛ دولة لا تُبنى على الغلبة العسكرية ولا على الإقصاء السياسي ولا على منطق القوة، وإنما على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والديمقراطية واحترام التنوع.

إن السودان لا يحتاج إلى انتصار عسكري جديد بقدر ما يحتاج إلى انتصار للإنسان السوداني على الحرب، وللسلام على السلاح، وللدولة المدنية على منطق القوة، وللعدالة على الإفلات من العقاب.

وفي نهاية المطاف، ينبغي أن تكون الرسالة التي تُسمع في أروقة الأمم المتحدة وفي كل عاصمة معنية بالسودان واضحة: إن الشعب السوداني يريد أن يعيش، لا أن ينتصر طرف على طرف. يريد أن يعود النازحون إلى ديارهم، وأن يزرع المزارع أرضه، وأن يفتح الطبيب عيادته، وأن يعود الأطفال إلى مدارسهم، وأن تتحول موارد السودان من وقود للحرب إلى أدوات لبناء المستقبل.

ومن السودان إلى العالم: وقف الحرب أولًا، وحماية المدنيين ثانيًا، ثم فتح الطريق أمام سلام سوداني حقيقي يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية يسود فيها العدل والمواطنة والقانون.

لا للحرب، نعم للسلام.

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 تعليق
Newest
Oldest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
الواقع المظلم
الواقع المظلم
21 أيام

كلنا معآ من أجل السلام ✌️ 🫱🏾‍🫲🏻

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x