مقالات الرأي

زيارة رئيس حركة/جيش تحرير السودان إلى أراضي أوروبا: بين كشف مأساة السودان وبناء الجبهة المدنية العريضة كبديل تاريخي لوقف الحرب


بقلم: عبد الماجد الطاهر محمد أحمد (صمت القبور)


في زمنٍ انغلقت فيه الأبواب وتحوّل فيه وطنٌ كامل إلى جغرافيا تتكسّر عليها قيم الإنسانية، جاءت زيارة رئيس حركة/ جيش تحرير السودان وفده المرافق إلى أراضي أوروبا كأنها صوتٌ يخرج من قلب العاصفة ليذكّر العالم بأن السودان ليس مجرد نشرة أخبار، وليس ساحة لتجارب العنف، بل وطنٌ يتنفس رغم الخراب، ويقاوم رغم الطعَنات، ويسعى لأن يستعيد نفسه عبر مشروع سياسي وأخلاقي يقوم على حماية المدنيين، وبناء جبهة مدنية عريضة، وطرح بدائل واقعية توقف الحرب وتفتح الباب نحو حوار سوداني ـ سوداني خالص لا وصاية عليه ولا تلاعب بمصائره. وقد اكتسبت الزيارة أهمية إضافية لأنها جاءت في لحظة فارقة، لحظة بلغ فيها الانهيار حدّاً جعل العالم ينظر إلى السودان باعتباره “تجربة إنسانية في الألم” لا بلداً حياً يملك إرادة التغيير. ومع هذا، فإن السياق الأوروبي نفسه كان يحتاج إلى إعادة تذكير بأن علاقته بالسودان ليست وليدة اللحظة، بل مسار طويل بدأ منذ قرون، منذ التقاء السودان بقوافل التجارة العالمية، ثم مروراً بعصر الاستعمار، ثم حقبة استقلال السودان، ثم موجات الهجرة السودانية التي شكّلت جسوراً جديدة من الوعي بين الشعوب.
كانت الزيارة حدثاً سياسياً وانسانيا لافتاً لأنها لم تقف عند حدود البروتوكول أو البيانات المعلّبة، بل انطلقت من رؤية راسخة عبّرت عنها الحركة طيلة مسيرتها: رفض الحرب كأداة سياسية، ورفض عسكرة المجتمع، والإصرار على أن معركة السودان الحقيقية ليست بين السلاح والسلاح، بل بين مشروعين؛ مشروع الخراب الشامل الذي تتناسل منه الحروب منذ الاستقلال، ومشروع الدولة الوطنية القائمة على المواطنة المتساوية وحماية المدنيين وإعادة بناء ما دمّرته عقود الاستبداد. وكما قال أحد المفكرين الأفارقة: “حين يعجز السلاح عن صناعة المستقبل، تتقدّم الأفكار التي تؤمن بالإنسان كقيمة مركزية.” وهذا ما حمَله الوفد في هذه الجولة، حيث التقى جهات أوروبية أتاحت له مساحة واسعة لتقديم سردية جديدة عن السودان، سردية لا تنطلق من منظور “الأزمة”، بل من منظور “الفرصة التاريخية لبناء الدولة التي لم تُبنَ منذ الاستقلال وماقبليها”.
وقد ركّز الوفد خلال لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين والفاعلين السياسيين والمجتمع المدني على شرح موقف الحركة الواضح من الحرب الدائرة: رفضها التام واعتبارها امتداداً لنهج تاريخي من تدمير الدولة وقتل مشروع المواطنة، وأن استمرارها يعني المزيد من النزوح، والمجاعة، وانهيار ما تبقى من مؤسسات، وأن أي محاولة لحل الأزمة خارج إطار جذورها البنيوية مصيرها الفشل. ولم يكتف الوفد بالتحليل السياسي، بل قدّم شواهد من الواقع السوداني، من المدن التي انهارت، والمناطق التي أُحرقت، ومعسكرات النزوح التي أصبحت عواصم بديلة، والقرى التي نزح أهلها مرات ومرات، ليؤكد أن الأزمة ليست صراعاً بين قوتين، بل بين بلد يريد الحياة ومنظومات تجره إلى الهاوية.
وفي هذا الإطار، كانت التوسعة التاريخية ضرورية: فقد أوضح الوفد أن العلاقات السودانية – الأوروبية لطالما كانت محكومة برؤية ناقصة للسودان، بسبب الأنظمة العسكرية المتعاقبة التي قدّمت للسودان صورة مشوهة، صورة دولة تدار بالانقلابات والولاءات، لا دولة تنبع من شعب متنوع غني بثقافاته وتاريخه. ومن هنا، كانت الزيارة بمثابة محاولة لإعادة تعريف “صورة السودان” لدى أوروبا، ليس عبر الخطاب السياسي فقط، بل عبر سرد جذور الأزمة الممتدة من عهد الدولة المركزية الأولى، مروراً بعهود القهر التي أنتجت الحرب في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولاً إلى الانفجار الوطني الشامل اليوم. وقد أشار الوفد إلى أن أوروبا، تاريخياً، لعبت أدواراً متباينة تجاه السودان: من التأثيرات الاستعمارية المباشرة، إلى أدوار داعمة لبرامج الإصلاح والحد من النزاعات، ثم أدوار مرتبكة في لحظات الحسم. لذلك، فإن فهم هذه الخلفية ضروري لإعادة ترتيب علاقة لا تزال تعاني من “عدم قراءة صحيحة للسودان”.
ومن هنا جاءت النقطة المحورية التي طرحها الوفد: ضرورة تكوين أكبر جبهة مدنية عريضة، ليست جبهة “نخب”، بل جبهة تمتد من معسكرات النزوح إلى المدن، من لجان المقاومة إلى النقابات، من ضحايا الحرب إلى صناع المستقبل. جبهة تُبنى على قيم الحرية ،العدل ،السلام ،الديمقراطية، لا على المحاصصات ولا على توازنات السلاح. جبهة تجعل وقف الحرب هدفاً وطنياً شاملاً، وتدفع باتجاه حوار سوداني ـ سوداني لا يلتف حوله الخارج ولا تتحكم فيه أجندات انتهازية. وكما قال أحد القادة في لحظة مشابهة: “يبنى السلام حين يتحدث الذين دفعوا ثمن الحرب، لا الذين صنعوها.”. وقد أوضح الوفد أن أوروبا، تاريخياً، وفّرت فضاءات للحوار السوداني في محطات مختلفة، وأن بإمكانها الآن أن تلعب دوراً جديداً: دعم الجبهة المدنية، لا الأطراف المسلحة ولا تحالفات النخب التي أعادت إنتاج الأزمة.
لقد شدّد الوفد أيضاً على أزمة المساعدات الإنسانية التي باتت واحدة من أكثر الكوارث إيلاماً في السودان اليوم. فالمجاعة تطرق أبواب المدن والريف على حد سواء، والنازحون يواجهون الموت البطيء تحت غياب كامل للممرات الإنسانية الآمنة. وقد أوضح رئيس الحركة بأن الحل ليس فقط في زيادة الدعم، بل في خلق آليات فعّالة وشفافة لوصول المساعدات بعيداً عن سيطرة الأطراف المتحاربة، وتمكين المنظمات الوطنية والمجتمعية من العمل دون قيود، وفتح قنوات إنسانية محمية بضمانات دولية وقانونية. وقد ذكّر الوفد الجهات الأوروبية بأن السودان كان دائماً من أكثر الدول استقبالاً للمساعدات، ولكنه أيضاً من أكثر الدول التي حُجبت عنه المساعدات في اللحظات الحاسمة بسبب تعقيدات سياسية صنعها النظام القديم.
أما على المستوى السياسي، فقد وضّح الوفد أن البديل الذي تقدّمه الحركة ليس بديلاً شعاراتياً، بل مشروعاً للتحول التاريخي، مشروعاً ينطلق من معاناة الناس ويعيد تعريف السلطة كخدمة لا كغنيمة. مشروعاً ينهي احتكار المركز، ويعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة، ويضع أساس دولة المواطنة. إن هذا البديل ليس وثيقة تُعرض في الصالونات، بل إرثاً نضالياً حمله الشهداء والمشرّدون والطلاب والثائرون. وكما قال أحد قادة الجيل الثوري السوداني: “الوطن الذي لا يسع الجميع ليس وطناً، بل ساحة انتظار لانفجار جديد.”. وقد أكّد الوفد أن أوروبا، إذا أرادت أن تكون شريكاً حقيقياً، فعليها أن تقف مع مشروع الدولة، لا مع تحالفات السلاح، وأن تدعم الحل السوداني المولود من داخل السودان، لا المفروض من خارجه.
لقد حملت الزيارة روحاً واضحة: التأكيد للمجتمع الدولي أن السودان ليس بلداً بلا بدائل، وأن القوى التي تؤمن بالسلام العادل وبحقوق الإنسان موجودة وتعمل. كما حملت رسالة داخلية لأهل السودان: أن الحركة تظل على عهدها، تضع حماية المدنيين فوق الحسابات السياسية، وترى في بناء الجبهة المدنية الطريق الوحيد لإنهاء الحرب، لا التسويات المؤقتة ولا صفقات اللحظة. وقد نقل الوفد للأوروبيين أن السودان اليوم في حاجة إلى صداقة سياسية جديدة مبنية على الاحترام المتبادل، وعلى فهم أن السودانيين ليسوا مجرد “ضحايا”، بل شعب قادر على صناعة مستقبله إذا توفرت له المساحة.
وفي هذا المناخ المشحون بالدم والدموع، بدت الزيارة كخطوة ضرورية لإعادة السودان إلى الطاولة الدولية ليس كملف أمني، بل كقضية شعب. فالحرب قد خطفت ضوء البلاد، لكن الزيارة أعادت إشعال سؤالٍ ظل يهرب منه الجميع: من سيبني سودان ما بعد الحرب؟ هل هم صُنّاع الخراب؟ أم الذين حملوا مشروع الدولة منذ البداية؟ وقد بدا واضحاً أن الإجابة تتشكّل الآن: السودان سيبنيه الذين آمنوا بأن الإنسان هو مركز السياسة، لا الذين رأوا في الحرب فرصة للتمكين.
بهذه الروح، غادرت الزيارة أثرها السياسي والأخلاقي، مؤكدة أن الطريق نحو السلام ليس طريقاً سريعاً، بل مسار وطني طويل يبدأ بالاعتراف بقيمة الإنسان، ويمر ببناء الجبهة المدنية العريضة، وينتهي بحوار سوداني ـ سوداني قادر على صنع مستقبلٍ مختلف لوطنٍ أنهكته الحروب لكنه لا يزال يؤمن بأن فجر العدالة ممكن. وكما قال أحد حكماء إفريقيا: “كل شعب ينهض حين يقرر أن زمن الخوف قد انتهى.”.


19 نوفمبر2025م

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x