مقالات الرأي

سد النهضة: بين دموع الفرح في أديس أبابا ودموع الخراب في الخرطوم


بقلم: السمؤل جمال

في صباح الثامن من سبتمبر 2025 شهدت القارة الأفريقية لحظة تاريخية مع تدشين سد النهضة الإثيوبي العظيم (Grand Ethiopian Renaissance Dam – GERD) على النيل الأزرق بسعة تخزين تقارب 74 مليار متر مكعب وقدرة إنتاجية تتجاوز 5150 ميغاواط ليصبح أكبر مشروع كهرومائي في القارة وأحد أعظم مشاريع infrastructure في العالم النامي
كان المشهد مهيباً رئيس الوزراء أبي أحمد يبكي فرحاً والشعب الإثيوبي يصفق لإنجاز وطني أصبح رمزاً للـ national interes
منذ 2011 حين وُضع حجر الأساس في عهد مليس زيناوي وحتى لحظة الافتتاح بعد أربعة عشر عاماً تعاقبت الحكومات الإثيوبية لكنها لم تتراجع عن المشروع بل جعلته أولوية قصوى في development strategy ورغم الصراعات العرقية والحروب الأهلية ظلت كلمة التنمية فوق الخلافات واليوم تحقق إثيوبيا هدفاً مزدوجاً الاكتفاء الطاقي داخلياً مع إمكان تصدير الكهرباء إلى السودان وكينيا ودول حوض النيل إضافة إلى تنظيم تدفقات النيل الأزرق وتقليل الفيضانات لقد أدركت أديس أبابا أن القوة الحقيقية في العصر الحديث لا تُقاس فقط بالبندقية بل بقدرة الدولة على تحويل الموارد إلى مشاريع مستدامة

في المقابل يبكي السودان لا فرحاً بل حزناً فمنذ الاستقلال عام 1956 وحتى اليوم لم يعرف قادته معنى long-term vision ولا قيمة sustainable developmentالنتيجة واضحة

مشروع الجزيرة الذي كان أعظم مشروع زراعي مروي في إفريقيا بطاقة تزيد على مليوني فدان تهاوى بالإهمال والفساد
السكك الحديدية السودانية التي امتدت لأكثر من 4800 كيلومتر في خمسينيات القرن الماضي أصبحت اليوم هياكل صدئة

النقل النهري الذي كان شرياناً اقتصادياً اندثر بفعل الإهمال

الخطوط البحرية السودانية التي كانت تملك أسطولاً قادراً على المنافسة في البحر الأحمر بيعت كخردة

سد مروي الذي أنجز عام 2009 بقدرة 1250 ميغاواط بدا إنجازاً شكلياً أكثر منه إستراتيجياً إذ صُمم وفق external agenda تخدم القاهرة أكثر مما تخدم الخرطوم

ثم جاءت حرب 2023 بقيادة البرهان لتقضي على ما تبقى من الدولة السودانية وتحول الملايين إلى لاجئين ونازحين في الداخل والخارج.

اثيوبيا منحت الأولوية للتنمية فوق السياسة فبنت مشروعاً يوحد الشعب ويمنحه الأمل

بينما السودان جعل السياسة والحرب فوق كل شيء فانهارت الدولة وتفتت المجتمع

اثيوبيا وظفت النيل الأزرق ليكون مصدراً للطاقة والتقدم

السودان ترك النيل الأزرق ليكون مصدراً للدموع والدماء ومقبرة للابرياء

بالنسبة للسودان فإن فوائد سد النهضة قد تكون ضخمة إن أحسن إدارتها كهرباء رخيصة مياه أكثر انتظاماً وانخفاض كبير في الفيضانات لكن غياب institutional capacity و good governance يجعل الخرطوم عاجزة عن استثمار ما هو متاح أما مصر فهي تنظر للنيل بوصفه شريان حياة يمثل أكثر من 90% من مواردها المائية لذلك تتعامل مع السد باعتباره تهديداً وجودياً وتطالب باتفاق ملزم يضمن حصتها

إلى الحكومة والشعب الإثيوبي نقول مبارك لكم هذا الإنجاز دموع أبي أحمد يوم أمس كانت دموع أمة تعبت من الحرب واختارت طريق النهضة أنتم تقدمون للعالم درساً في أن التنمية يمكن أن تكون مشروعاً قومياً يعلو فوق الخلافات
أما السودان فدموعه دموع حزن وموت مجاني يومي وما لم يتعظ قادته ويتوقفوا عن الحروب العبثية فلن يبقى لهم وطن يبكى عليه
السودان بحاجة إلى أن يتعلم من إثيوبيا أن peace-building لا ينفصل عن nation-building وأن التنمية ليست ترفاً بل هي شرط بقاء الدولة نفسها
سد النهضة ليس مجرد سد بل هو إعلان ميلاد إثيوبيا جديدة قادرة على أن تنافس في إفريقيا والعالم بينما يظل السودان مثالاً مؤلماً لدولة أهملت التنمية حتى سقطت في فخ الحرب والدمار والتاريخ سيكتب أن الجار بنى بينما السودان هدم وأن الفرق بين النهضة والانهيار لم يكن في الماء ولا في الأرض بل في القرار السياسي والإرادة الوطنية

مقالات ذات صلة

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x